ما وراء الكرة.. ثلاثة أطفال فلسطينيين وأحلام تحت وطأة الاحتلال
الكاتب: دينا سلامين
من ملعب في بلدة تل، إلى سرير علاج في غزة، وصولًا إلى مشهد اعتقال في نابلس، تتقاطع حكايات ثلاثة أطفال فلسطينيين عند نقطة واحدة: كرة القدم التي كانت جزءًا من حياتهم، قبل أن تتغير مساراتها بفعل ما تعرضوا له.
كانت الكرة بالنسبة إلى يوسف سامح اشتية أكثر من مجرد لعبة. في الملعب، كان فتى في الخامسة عشرة من عمره يركض خلف حلمه، يراوغ ويسدد، ويتخيل مستقبلًا قد يحمل فيه قميص فريق كبير، فيما يوازن بين المدرسة والتدريب وشغفه الآخر بركوب الخيل.
استشهد يوسف في نيسان/أبريل 2026، بعدما أصيب برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال اقتحام نابلس، وفق ما أوردته التغطيات الصحفية. وكان لاعبًا في نادي الكرامة الرياضي، وفتى له حياة تتجاوز تفاصيل الخبر العاجل: مدرسة وملعب وخيل وعائلة تنتظر عودته.
في الصور، يبقى يوسف لاعبًا بزيه الرياضي، قريبًا من الكرة، في لحظة لا تبدو مختلفة عن لحظات آلاف الأطفال الذين يذهبون إلى التدريبات حاملين أحلامًا أكبر من أعمارهم. لكن الصورة التي توثق حضوره في الملعب أصبحت اليوم شاهدًا على مستقبل لم تتح له الفرصة ليكتمل.
لم يكن يوسف يعلم أن حياته ستصبح حكاية تُروى بعد غيابه، وأن تفاصيله اليومية، التي بدت عادية في حينها، ستتحول إلى أكثر ما يستحضره من عرفوه.
من قميص النادي إلى سرير العلاج
في قطاع غزة، كان محمد نعيم عوض، البالغ من العمر 18 عامًا، يسير في طريق مختلف، لكنه يحمل حلمًا قريبًا من حلم يوسف: أن يصبح لاعب كرة قدم محترفًا، وأن يرتدي قميص المنتخب الفلسطيني.
قبل الحرب، انضم محمد إلى الفريق الأول لنادي اتحاد بيت حانون الرياضي، أحد أندية الدرجة الممتازة في غزة. وكانت الكرة طريقًا يتطلع من خلاله إلى المستقبل، فيما مثّلت تجاربه الأولى مع الفريق خطوة نحو تحقيق حلمه الرياضي.
لكن الحرب غيّرت أولوياته؛ فلم يعد السؤال كيف يتقدم في مسيرته الكروية، بل كيف يجد ما يسد جوعه وجوع إخوته الصغار.
توجّه محمد إلى منطقة زيكيم شمالي القطاع بحثًا عن الطحين والمساعدات، وهناك أصابته رصاصة في الرأس، ليدخل في غيبوبة طويلة. وحين استعاد وعيه، وجد نفسه أمام واقع لم يكن يتخيله: شلل نصفي، وإصابة عصبية معقدة، وحاجة مستمرة إلى العلاج والتأهيل.
لم تعد المسافة التي تفصله عن الكرة تُقاس بطول الملعب، بل بما يحتاج إليه جسده من علاج ورعاية. وبدلًا من التدرب استعدادًا للمباريات، أصبح محمد يناشد الجهات الطبية والإنسانية توفير العلاج اللازم، آملًا أن يتمكن من استعادة جزء من حياته.
وفي روايته المنشورة، يقول محمد إنه يحلم بالعودة إلى كرة القدم، رغم إدراكه أن الإصابة قد تنهي مسيرته. وليس هذا حلمًا عاديًا للاعب ينتظر فرصة للاحتراف، بل تمسك بحياة كان يعرفها، وبجسد كان قادرًا على الحركة، وبمستقبل كان يراه ممكنًا.
تختلف حكاية محمد عن حكاية يوسف، لكنهما يلتقيان في حقيقة واحدة: كانت كرة القدم جزءًا من مستقبلهما، قبل أن تتغير حياتهما على نحو لم يختاراه.
حين يصبح اللعب في الحارة بداية الخوف
أما عمران شاهين، الطفل من مدينة نابلس، فتبدأ حكايته من مكان أقرب إلى الحياة اليومية للأطفال: الحارة والأصدقاء وكرة القدم.
في مقطع فيديو نشرته «الجزيرة مباشر» في آب/أغسطس 2025، روى عمران ما قال إنه تعرض له خلال اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي للبلدة القديمة في نابلس. ووفقًا لشهادته، كان يلعب قرب منزله عندما اقتحمت القوات المنطقة، فلاحقته واعتقلته، ثم تعرض خلال الساعات التالية للضرب والإهانات والتهديدات.
وقال عمران إن الجنود استخدموه درعًا بشريًا خلال الاقتحام، وإنهم هددوه بالاغتصاب والسجن والضرب، وشتموه وأهانوه. وترد هذه التفاصيل في شهادته المصورة التي نقلتها وسائل إعلام، وتوثق ما رواه الطفل عن تجربته.
لم تكن كرة القدم في قصة عمران حلمًا بعيدًا أو مشروعًا احترافيًا فحسب، بل نشاطًا عاديًا يمارسه طفل مع أصدقائه في الحارة. لكن ما رواه يضع تلك اللحظة اليومية في مواجهة مشهد من الخوف والتهديد، ويطرح تساؤلات بشأن المساحة المتاحة للأطفال لممارسة حياتهم بعيدًا عن العنف.
لا تتطابق تجربة عمران مع ما حدث ليوسف، ولا مع الإصابة التي غيرت حياة محمد، لكن الحكايات الثلاث تلتقي عند نقطة واحدة: كرة القدم كانت جزءًا من حياة هؤلاء الأطفال، وليست تفصيلًا يمكن فصله عن الظروف التي يعيشونها خارج الملعب.
ماذا تعني الكرة بعد كل ذلك؟
في صورة يوسف، تبدو الكرة جزءًا من حياة كان من الممكن أن تستمر. وفي قصة محمد، أصبحت العودة إليها أملًا معلقًا على العلاج والتأهيل. أما فيديو عمران، فيفتح نافذة على تجربة مختلفة، تتعلق بطفل قال إنه تعرض لانتهاكات خلال لعبه كرة القدم.
لا تجمع هؤلاء الأطفال نهاية واحدة، ولا ينبغي أن تتحول حكاياتهم إلى مشاهد متشابهة لمجرد أنها مؤلمة. ما يجمعها أن لكل طفل حياة خاصة وطموحات لا تختصرها ظروف الحرب، وحقًا في أن ينمو ويتعلم ويلعب بأمان.
كرة القدم لا تستطيع أن تعيد يوسف إلى الملعب، ولا أن تعالج إصابة محمد، ولا أن تمحو ما رواه عمران عن الخوف الذي عاشه. لكنها تستطيع، من خلال توثيق حكاياتهم، أن تحفظ شيئًا من هوياتهم التي قد تطغى عليها عناوين الأخبار، وأن تذكرنا بأنهم كانوا أطفالًا ولاعبين وأصحاب أحلام، قبل أن يصبحوا موضوعًا للتغطية الصحفية.
ويبقى السؤال الذي تتجاوز دلالته حدود المستطيل الأخضر: كم حلمًا يحتاج العالم إلى أن يراه يتوقف، قبل أن تصبح حماية حق الأطفال في الحياة واللعب أولوية لا تقبل التأجيل؟