لطالما ارتبط التواصل الصوتي في أذهان العلماء بالثدييات والطيور، بينما بدت الزواحف، بحكم طبيعتها السرية وقلة ما عُرف عن سلوكها الاجتماعي، أقرب إلى مخلوقات تعيش في صمت، لكن تراكم الدراسات خلال السنوات الأخيرة بدأ يرسم صورة مختلفة لكائنات تصنع بيئة تضج بأصوات خاصة بها، تضم الزقزقة والصرير والخوار والنعيق، وصولا إلى الزئير.
ومع اتساع نطاق الاكتشافات، يحاول الباحثون فهم ما إذا كانت هذه الأصوات تحمل معلومات محددة عن هوية الحيوان وحجمه وجنسه وحالته الاجتماعية أو الخطر المحيط به والسياق الذي يصدر فيه النداء، وكيف تؤثر في سلوك الأفراد الآخرين، كما بدأوا يحددون أهميتها لحياتها الاجتماعية، بدءا من التزاوج والدفاع عن المناطق وصولا إلى التواصل بين الصغار وذويهم وحتى التنسيق داخل مجموعات الفقس.
قصص مقترحة
ويعزو عالم الأحياء ستيفان ريبر، الباحث في قسم علم الإدراك ضمن مجموعة أبحاث علم الحيوان الإدراكي بجامعة لوند في السويد، جانبا من تأخر الاهتمام بهذا المجال إلى الطريقة التي اختار بها العلماء الحيوانات موضوعا للدراسة.
ويوضح أن الأبحاث المقارنة ركزت تقليديا على الحيوانات التي تصدر أصواتا واضحة، أي الثدييات والطيور، لأن الإنسان نوع شديد الاعتماد على الأصوات في التواصل. في المقابل، ظل العلماء طويلا يفترضون أن الزواحف تعتمد أساسا على التواصل البصري واللمسي والكيميائي، وينظرون إليها على أنها حيوانات صامتة، تمتلك أنظمة تواصل بسيطة نسبيا، فقلّ بذلك الاهتمام بتواصلها الصوتي.
ولا ينفصل هذا التحيز، بحسب ستيفان الذي تحدث للجزيرة نت، عن طبيعة الأسئلة التي شغلت الباحثين في مجال الإدراك المقارن، الذي تندرج دراسة التواصل ضمنه، إذ يميلون إلى التركيز على الأنواع التي يُرجح أن تمتلك قدرات شبيهة بقدرات البشر. لكنه يرى أن أوجه التشابه وحدها لا تكشف الكثير عن مسار التطور، في حين قد تقدم الاختلافات دروسا أكثر أهمية بكثير.
وإلى جانب هذه التصورات، يلفت الباحث إلى مشكلة علمية أخرى جعلت دراسة أصواتها أكثر صعوبة، فهي حيوانات متغيرة الحرارة، وغالبا ما تكون أقل نشاطا وأبطأ حركة من الحيوانات ثابتة الحرارة، ولذلك قد تصدر أصواتا بوتيرة أقل، ما يقلل فرص رصد نداءاتها وتسجيلها خلال متابعة سلوكها، بما في ذلك دراسات الصوتيات الحيوية، مقارنة بحيوانات أكثر نشاطا وإصدارا للأصوات.
من زاوية أخرى، يربط غابرييل جورجويتش-كون، عالم الأحياء التطوري والباحث في المعهد الوطني لأبحاث الأمازون بالبرازيل ورئيس مركز دراسات سلاحف الأمازون ونائب أمين مجموعة الزواحف في المعهد، تقليل العلماء تاريخيا من أهمية التواصل الصوتي لدى الزواحف وتنوعه بأفكار مستمدة من تصنيف الطبيعة وفق مفهوم "سلم الطبيعة"، الذي يفترض تدرجا بين الكائنات الحية بحسب مستوى تطورها، إذ ساد الاعتقاد بأن بعض السلوكيات مستحيلة لدى الكائنات التي يُنظر إليها على أنها "أقل تطورا"، ولذلك لم يبحثوا عنها فعليا.
لكن هذه النظرة بدأت تتلاشى تدريجيا مع تراكم الأدلة، لتحل محلها صورة أكثر تعقيدا لكائنات تستخدم الصوت بطرائق متنوعة للتزاوج والتحذير والدفاع والتنسيق الاجتماعي. ويلخص غابرييل، الذي يقود مشروعا بحثيا يمتد لخمس سنوات يركز على دراسة مرونة التواصل الصوتي لدى السلاحف، وتحديدا سلاحف الأنهار في أمريكا الجنوبية، هذا التحول بالقول إن "التواصل لدى الزواحف ليس محدودا، وإنما لا تزال معرفتنا به هي المحدودة".
وتدعم الاكتشافات الحديثة هذه المراجعة للصورة التقليدية للزواحف بوصفها حيوانات قليلة الأصوات ومحدودة السلوك الاجتماعي، إذ يشير غابرييل إلى أن الأدبيات العلمية المتزايدة تكشف عن وجود القدرة على التواصل الصوتي في المجموعات الأربع الرئيسية للزواحف المعاصرة، وهي التماسيح والسلاحف والحرشفيات، أي السحالي والثعابين، والتواتارا، وهو زاحف يُعرف مغالطةً باسم "السحلية التواتارية". ومع ذلك، لا تزال المعرفة متفاوتة للغاية بين هذه المجموعات، ولم تُدرس معظم الأنواع على الإطلاق.
ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن "الباحثين باتوا يمتلكون بيانات عن سلوكيات متعددة، من بينها التواصل الصوتي والقدرات المعرفية، إلى جانب معطيات جديدة عن التماثل التطوري لهذه السلوكيات، أي انحدارها من أصل تطوري مشترك، لدى الزواحف والسلالات التي دُرست تاريخيا، مثل الطيور والثدييات".
أصوات تبدأ قبل مغادرة البيض
عندما يتعلق الأمر بالزواحف الأكثر إصدارا للأصوات، تأتي التماسيح في مقدمة الأنواع التي حظيت بالدراسة. ويعزو ستيفان هذا الاهتمام إلى أن التماسيح تصدر أصواتا على نحو ملحوظ، وتتمتع بحياة اجتماعية معقدة، كما تجمع بين خصائص تربطها عادة بالطيور وأخرى تربطها بالثدييات.
ويظهر هذا التقاطع بين المجموعات الثلاث في نظام السمع، فحاسة السمع لدى التماسيح تشبه أساسا حاسة السمع لدى الطيور. إذ يمتلك كل منهما عظمة سمعية واحدة في الأذن الوسطى تُعرف باسم "الكولوميلا"، التي تنقل اهتزازات طبلة الأذن إلى الأذن الداخلية. بينما تمتلك الثدييات 3 عظيمات في الأذن الوسطى، تعمل معا كنظام رافعة أكثر كفاءة في نقل الاهتزازات السريعة.
أما إنتاج الصوت لدى الزواحف فيتشابه بدرجة أكبر مع ما يحدث لدى الثدييات. فالطيور تنتج الصوت الأولي باستخدام عضو صوتي متخصص يُعرف باسم "المصفار"، يقع عند قاعدة القصبة الهوائية، بينما لا تمتلك الزواحف والثدييات هذا العضو. وبدلا من ذلك، تنتج أصواتها عادة من خلال اهتزاز أنسجة مرتبطة بالحنجرة والمزمار، ثم تُعدَّل خصائصها في تجاويف الجهاز الصوتي العلوي.
وتنعكس هذه الاختلافات التشريحية، جزئيا، على نطاق الترددات التي تستطيع الحيوانات سماعها، إذ تتمتع الثدييات عموما بقدرة أكبر على سماع الأصوات ذات الترددات الأعلى، مقارنة بالزواحف والطيور، التي تكون أجهزتها السمعية، بصورة عامة، أقل حساسية للترددات العالية في المتوسط.
ولا يقتصر تميز التماسيح في التواصل الصوتي على الخصائص التشريحية، بل يمتد إلى التواصل قبل خروجها من البيض. فمنذ فترة طويلة، عرف العلماء أن صغار التماسيح، شأنها شأن أقاربها من الطيور، تبدأ في إصدار نداءات وهي لا تزال داخل البيضة. وتساعد هذه النداءات على تنسيق خروج الصغار من البيض، كما تستدعي الأم لمساعدتهم على الخروج من العش.
وأظهرت الدراسات أن هذه النداءات ترتبط بتوقيت الفقس، وتشجع الأجنة الناضجة على الخروج من قشرة البيضة، بينما يمكن للاهتزازات داخل العش أن تؤدي إلى فقس مبكر. وبعد الفقس، يستمر الصغار في إصدار الأصوات بمعدلات أعلى كثيرا من البالغين، بما يساعد على إبقائهم متقاربين، ويتيح لهم استدعاء الأم عند التعرض للخطر.
ويصف ستيفان هذه المرحلة بأنها "مثال لافت على تعقيد التواصل لدى التماسيح"، إذ تبدأ بإصدار الأصوات حتى قبل الفقس، فالأجنة تصدر نداءات من داخل البيض، تحفز إخوتها على الفقس وتنبه الأم إلى ضرورة حفر العش وإخراج الصغار. وبعد الفقس، يستخدم الصغار نداءات التواصل للحفاظ على تماسكهم مع إخوتهم، ونداءات الاستغاثة لاستدعاء الأم وحمايتهم من المفترسات.
ولم تعد نداءات الأجنة داخل البيض ظاهرة تقتصر على التماسيح، إذ اتضح خلال العقد الماضي أن أجنة أنواع عديدة من السلاحف تصدر أيضا أصواتا قبل الفقس، تتنوع بين النقرات والأصوات المتناغمة والزقزقات، وتُسمع من داخل البيضة.
وبحسب غابرييل، تتمثل الفرضية الرئيسية لتفسير هذه الأصوات في أن الأجنة تتواصل صوتيا لإبلاغ أشقائها داخل البيضة بمرحلة نموها، بما يتيح لهم تعديل عمليات الأيض ومعدلات النمو، بحيث تفقس الأجنة جميعها في الوقت نفسه.
ولا تقتصر أهمية هذه الأصوات على فهم سلوك الأجنة، إذ تتيح دراسة السلاحف فرصة لفهم تطور التواصل الصوتي عبر سلالات الزواحف المختلفة. ويوضح غابرييل أن السلاحف تمثل سلالة انفصلت عن الأركوصورات، التي تضم الطيور والتماسيح، قبل زمن طويل، يُقدّر بـ255 مليون سنة.
ويضيف أن الاختلافات بين هذه المجموعات، ومنها تباين أنماط الرعاية الأبوية التي تنظم الأصوات جوانب مهمة منها، تتيح إجراء دراسات مقارنة لفهم سلوكيات بعينها، وكذلك العمليات المرتبطة بنشأة وتطور التواصل الصوتي وتنوع وظائفه.
وفي محاولة لفهم هذه الأصوات بصورة أفضل، درس غابرييل وزملاؤه أنواعا تتميز صغارها بكثرة إصدار الأصوات، مثل سلحفاة أروا، المعروفة أيضا باسم سلحفاة نهر الأمازون العملاقة "بودوكنيميس إكسبانسا" في أمريكا الجنوبية، إلى جانب أنواع أكثر ميلا إلى الصمت، مثل السلحفاة الغربية المستنقعية "بسوديميدورا أومبرينا"، وهي نوع نادر جدا من سلاحف المياه العذبة المهددة بالانقراض بشدة، وتستوطن منطقة صغيرة ومحدودة في جنوب غرب أستراليا.
ووجد الباحثون أن أجنة سلاحف أروا العملاقة، التي تضع مجموعات تضم أكثر من 100 بيضة في العش الواحد، تبدأ في التواصل الصوتي قبل خروجها من البيضة بأكثر من أسبوع، ما دفعهم إلى طرح احتمال أن تسهم هذه الإشارات في تنسيق توقيت الفقس وخروج الصغار من العش.
أما صغار الأنواع التي تضع أقل من 10 بيضات، فكانت أقل ميلا إلى إصدار الأصوات وإلى مغادرة العش في وقت متقارب، ما يشير إلى أن الأصوات التي تصدرها صغار السلاحف من الحضنات الكبيرة قد تساعد على مزامنة توقيت الفقس والخروج من الأعشاش المدفونة تحت الأرض، وهو ما قد يوفر للصغار ميزة جماعية تمكنهم من العمل معا لشق طريقهم حتى الوصول إلى المياه.
ومع ذلك، يرى غابرييل أن فرضية تنسيق الفقس وسلوك أجنة السلاحف المبكر لم تُحسم بعد، فالمسألة لا تزال قيد البحث في العديد من السلالات، وقد تختلف آلياتها من حالة إلى أخرى. ويوضح أن الكثير من سلوكيات تكاثر السلاحف المتشابهة تعد في الواقع نتاجا لتحولات تطورية، وتعكس ظواهر مختلفة جوهريا، وإن بدت متشابهة. لكنه يشير إلى أن إثبات استخدام الأصوات كوسيلة لتنظيم هذه السلوكيات في المراحل المبكرة من الحياة قد يفتح مجالا لدراسة تطور القدرات الفطرية على التزامن.
وإلى جانب التساؤلات المتعلقة بوظيفة هذه الأصوات، لا يزال العلماء يجهلون على وجه الدقة آلية إنتاجها لدى السلاحف، فقد دُرست هذه الآلية بصورة تفصيلية فقط في بعض السلاحف من جنس "تستودو"، التي تمتلك طيات صوتية، لكن وجود أصوات لدى سلاحف أخرى لا تمتلك البنية نفسها، إضافة إلى إصدار بعض السلاحف أصواتا وفمها مغلق، يشير إلى أن إنتاج الصوت لا يعتمد بالضرورة على آلية واحدة لدى جميع الأنواع.
وطرح الباحثون عدة فرضيات لتفسير هذه الأصوات، من بينها ضخ الهواء في الحلق، واهتزاز أغشية القصبة الهوائية، وآليات مرتبطة بإغلاق المزمار، لكن أيا منها لم يخضع بعد لاختبار حاسم. ولهذا يظل فهم كيفية إنتاج الصوت واستقباله لدى السلاحف أحد أكبر المجالات المفتوحة أمام البحث.
من نداءات الأبراص إلى هسهسة الثعابين
لا يقتصر التواصل الصوتي على التماسيح والسلاحف، فوفقا لمراجعة شاملة حول تنوع وتطور الاتصال الصوتي في الزواحف، نشرها غابرييل وباحثون آخرون في 2025، رُصدت الأصوات أيضا لدى 13 من أصل 43 عائلة من السحالي، أي نحو 30% منها، مع وجود تفاوت كبير في تنوع الأصوات ووظائفها بين الأنواع.
ويؤكد غابرييل أن التواصل الصوتي موجود لدى جميع المجموعات التطورية الرئيسية للزواحف المعاصرة، وتستخدم أنواع كثيرة منها الأصوات في طيف واسع من السياقات الاجتماعية، بما في ذلك التودد والتفاعلات المرتبطة بالدفاع عن المناطق والحفاظ على التواصل بين الآباء وصغارهم.
وبحسب قوله، فإن الأبراص أو الوزغات تمثل أقدم الفروع التطورية ضمن مجموعة الحرشفيات، التي تضم السحالي والثعابين. وعلى الرغم من شهرة أفراد هذه المجموعة بالقدرة الكيميائية والبصرية واللمسية في التواصل، إلا أن إنتاجها للأصوات واستقبالها وتفسيرها ظل أقل وضوحا.
وتعد الأبراص من أكثر مجموعات السحالي نشاطا صوتيا، وقد سجل الباحثون النداءات في جميع عائلاتها السبع. وتستخدم بعض الأنواع نداءات في سياقات التزاوج أو الدفاع أو التفاعل الاجتماعي، بينما تصدر أنواع أخرى أصواتا مرتبطة بالتعرض للخطر أو الإمساك بها.
وفي بعض الأنواع، تختلف النداءات باختلاف السياق الاجتماعي، ويمكن أن تتباين بين الأفراد والأحجام المختلفة. فتصدر سحالي الأنول أصواتا صريرية وهديرا عند تعرضها للضيق، بينما تطلق بعض أنواع الحرباء أصواتا تشبه النعيق والنباح عند تفاعلها مع بعضها. ومن الحالات اللافتة الحرباء المحجبة، المعروفة بحرباء اليمن "تشاميليو كاليبتراتوس"، التي تستطيع إصدار نداءات ناعقة رغم افتقارها إلى الطيات الصوتية، وكذلك إلى الأذن الخارجية أو طبلة الأذن.
وتظهر الوظيفة الاجتماعية للأصوات بصورة أوضح لدى بعض السحالي التي تستخدم نداءات استغاثة، غالبا ما تكون صرخة واحدة مرتفعة، عند مواجهة الحيوانات المفترسة. ومن بينها إغوانا الأشجار التشيلية، المعروفة أيضا باسم السحلية الباكية "ليولايموس تشيليينسيس"، التي يمكن أن تعدل حتى نداءات الاستغاثة التي تطلقها بحسب درجة الخطر، مع وجود مكونات صوتية تقع في نطاقات فوق سمعية.
فعندما تتعرض السحلية للتهديد أو الضغط نتيجة وجود مفترس، قد تصدر صريرا بسيطا. لكن عندما يصبح الوضع شديد الخطورة، تنتقل إلى نداءات أكثر تعقيدا تنقل إحساسا أكبر بالإلحاح. وتتباين هذه النداءات المعقدة في التردد وطبقة الصوت، نتيجة اهتزاز الأحبال الصوتية بصورة غير متزامنة.
ولا يبدو أن هذه النداءات تقتصر وظيفتها على التعبير عن خوف السحلية التي تطلقها، إذ أظهرت تجارب سلوكية أنها قد تعمل أيضا بوصفها إشارة تحذير للأفراد القريبة من الخطر تساعدها على تقليل التعرض للافتراس. فعندما تسمع السحالي الأخرى هذه الأصوات، يمكن أن تتغير استجابتها للخطر، أو تزيد من حذرها أو تتجنب الموقع الذي وقع فيه الهجوم، ما يشير إلى أن النداء يؤدي وظيفة اتصالية بالفعل.
ووجدت دراسة نُشرت عام 2023، أن سماع نداء الاستغاثة هذا أثناء مشاهدة سحلية أخرى وهي تتعرض للافتراس على يد ثعبان، أثار استجابات خوف أشد لدى السحالي الأخرى، جعلتها ساكنة تماما لفترة أطول قبل الهروب، وقضت وقتا أطول في محاولة الفرار، خاصة عندما سمعت هذه الأصوات في بيئة تحمل روائحها المألوفة، ما يشير إلى أن خصائص النداء والسياق المحيط به يؤثران في تقديرها لمستوى الخطر.
ولا تختلف الأبراص كثيرا في قدرتها على تعديل نداءاتها بطرق متقدمة. فبرص التوكاي الذي يتميز بنداء مرتفع يسبقه عادة سلسلة من الأصوات القصيرة الشبيهة بالقهقهات الخافتة، يستخدم أصواته في سياقات تشمل عادة العثور على شريك والدفاع عن منطقته.
ولا تقتصر هذه الأصوات على الذكور، ففي بعض الأنواع تصدر الإناث والصغار نداءات أيضا، وقد تختلف بين الجنسين أنواع النداءات ومعدلات إصدارها والاستجابة لها. وقد سجل الباحثون، على سبيل المثال، لدى إناث البرص الياباني أو برص شليجل الياباني "جيكو جابونيكوس" أصواتا موجهة في الغالب إلى إناث أخرى، ما يشير إلى احتمال وجود بنية اجتماعية صوتية أكثر تعقيدا مما كان يعتقد.
وكما هو الحال لدى كثير من الطيور، تخضع هذه النداءات لهرمون التستوستيرون، وتزداد وتيرتها في الربيع، وهي أوجه تشابه دفعت الباحثين إلى التساؤل عما إذا كانت هذه الأبراص سترفع تلقائيا مستوى صوت نداءاتها عندما تكون في بيئة أكثر ضجيجا، على غرار ما تفعله طيور وثدييات كثيرة فيما يُعرف باسم "تأثير لومبارد"، حيث ترفع الحيوانات شدة أصواتها عند وجود ضوضاء في البيئة.
ولاختبار ذلك، عرّض الباحثون برص التوكاي لضوضاء مرتفعة في المختبر، وقاسوا التغيرات الطارئة على نداءاته. لكن النتائج لم تُظهر أنه يرفع شدة صوته بأكمله بالضرورة، كما تفعل أنواع كثيرة من الطيور والثدييات، بل غيّر بنية النداء نفسه بما يتناسب مع البيئة الصوتية المحيطة، إذ قلل عدد المقاطع منخفضة النبرة، وأطال مدة بعض المقاطع الصوتية، ما ساعد على إبقاء النداء أكثر وضوحا وسط الضجيج.
وتكشف هذه الاستجابة قدرا من المرونة الصوتية لدى الأبراص يتجاوز الصورة التقليدية عن محدودية التواصل لدى الزواحف، وتشير النتيجة إلى أن التواصل الصوتي لديها أكثر تعقيدا وتطورا مما كان يُعتقد، وأن بعض جوانبه تقترب من أنماط التواصل المعقدة المعروفة لدى الطيور والثدييات.
لكن هذا التطور لا يظهر بالدرجة نفسها لدى جميع مجموعات الزواحف، فالثعابين، على سبيل المثال، تختلف عن السحالي في أن التواصل الصوتي الاجتماعي بين أفراد النوع الواحد لم يُوثق لديها بوضوح حتى الآن، ما يجعلها الاستثناء الأبرز بين المجموعات التي رُصدت لديها أنماط من هذا التواصل.
ومع ذلك، لا يعني غياب الأدلة على التواصل الاجتماعي أن الثعابين لا تصدر أصواتا، إذ تنتج بعض أنواعها أصواتا متعددة، من بينها الهسهسة والهدير واهتزاز الذيل واحتكاك الحراشف وإحداث أصوات فرقعة من فتحة الشرج، لكن هذه الأصوات ترتبط في الغالب بالدفاع عن النفس أو ردع المفترسات، ولا تثبت الأدلة المتاحة حتى الآن أنها تؤدي وظائف اجتماعية مماثلة للنداءات المسجلة لدى السحالي.
ويرجع هذا الغياب الظاهري إلى خصائص الأصوات نفسها، إذ يشير غابرييل في المراجعة العلمية إلى أن معظم أصوات الثعابين تحمل معلومات صوتية محدودة، وتفتقر غالبا إلى التغيرات الزمنية المعقدة أو تعديل التردد والسعة. كما أن هناك فجوة كبيرة بين نطاق السمع ونطاق الأصوات التي تنتجها.
ويحذر غابرييل من التسرع في استخلاص استنتاجات عامة بشأن استبعاد التواصل الصوتي الاجتماعي لدى الثعابين، ويلفت إلى أن عددا قليلا من الباحثين درس تواصلها الصوتي، وأن العينات المدروسة منها لا تزال محدودة نسبيا، وقد تخفي قدرا كبيرا من المعلومات المثيرة للاهتمام.
ومع ذلك، لا يستبعد أن تكون الثعابين أقل نشاطا صوتيا بالفعل مقارنة بمجموعات أخرى من الزواحف. ويرتبط ذلك، بحسب تفسيره، بطبيعتها الخفية التي تجعل رصد سلوكها أكثر صعوبة، وبفقدانها كثيرا من العظام الموجودة لدى السحالي والزواحف الأخرى، وهو ما يؤثر في سلوكيات متعددة، من بينها القدرة على إدراك الأصوات.
وتشير الأدبيات العلمية المتاحة حاليا إلى أن نطاق الترددات التي تستطيع الثعابين سماعها يتركز في ترددات منخفضة تقل عن نحو 500 هرتز، بينما نادرا ما تنخفض الأصوات التي تنتجها إلى أقل من 1500 هرتز. ومع ذلك، تصدر بعض الأنواع أصواتا أكثر تعقيدا من مجرد الهسهسة، ما يُبقي احتمال وجود وظائف اتصالية أخرى لهذه الأصوات سؤالا مفتوحا يحتاج إلى مزيد من البحث.
أصوات تكشف الحجم والهوية
لا تقتصر المعلومات التي تحملها أصوات الزواحف على التحذير من الخطر، ففي بعض الأنواع يمكن للصوت أن يعطي مؤشرا عن حجم الحيوان وهويته. فقد وجد الباحثون أن نغمات بعض الأبراص تختلف تبعا لحجمها، وأن التردد الأساسي لنداءات الإعلان -وهي أصوات تتكون غالبا من عدة زقزقات وتدخل تردداتها ضمن نطاق السمع لدى أفراد النوع- يرتبط عكسيا بحجم الجسم، إذ تصدر الأبراص الأكبر أصواتا أقل ترددا، ما يشير إلى أنها قد تستعرض قوتها أمام الشركاء المحتملين، وقد تسمح هذه السمة للمستمع بتقدير حجم الحيوان حتى من دون رؤيته.
وتدعم هذه الفكرة نتائج تجارب تشغيل صوتي أُجريت على البرص النابح، المعروف أيضا بالوزغة النباحية أو الصافرة (بتينوبوس جارولوس)، إذ أظهرت أن الذكور الأكبر حجما تطلق أصواتا ذات ترددات أقل من تلك التي تطلقها نظيراتها الأصغر حجما، ما يعني أن الصوت يمكن أن يعمل كإشارة بعيدة المدى إلى حجم المنافس أو الشريك المحتمل.
ولا تقتصر العلاقة بين حجم الجسم وخصائص الصوت على الأبراص، إذ تظهر الفكرة ذاتها لدى التماسيح الأمريكية، التي تطلق ذكورها نداءات جهورية منخفضة التردد خلال عروض الخوار. وفي دراسة قادها ستيفان عام 2017، وجد أن هذه النداءات تحمل سمات صوتية ترتبط بحجم الحيوان، وأن انخفاض ترددها يرتبط بزيادة حجمه.
ويوضح الباحث، في حديثه عن نتائج الدراسة، أن هذه العلاقة لا تقتصر على التردد الأساسي للصوت، إذ يقول: "أثبتنا وجود رنينات في القناة الصوتية لدى التماسيح، تُعرف باسم الفورمانتات، وأظهرنا أنها توفر مؤشرات موثوقة عن حجم الجسم لدى التمساح الأمريكي. فالحيوانات الأكبر حجما تمتلك قنوات صوتية أطول، ما يؤدي إلى انخفاض ترددات هذه الرنينات، على نحو يشبه ما يحدث في الآلات الصوتية الأكبر حجما".
ويضيف أن "هذه الإشارات الدالة على الحجم تصدر لدى الذكور والإناث معا، لكن الذكور وحدها تنتج، قبل إطلاق النداء، اهتزازات دون سمعية قوية بما يكفي لجعل الماء فوق ظهورها يتحرك بوضوح. ومن ثم، يمكن أن تكشف استعراضات إطلاق هذه الأصوات للمستمع جنس الحيوان الذي يصدرها وحجمه. ومع ذلك، يشدد على أن فريقه لم يقدم حتى الآن دليلا يثبت أن التماسيح تستخدم هذه الإشارات فعليا للتعرف إلى بعضها بعضا.
وتكتسب هذه النتائج أهميتها من أن الحجم قد يكون عاملا مؤثرا في المنافسة بين الذكور أو اختيار الشريك، ما يعني أن للصوت دورا في التفاعلات والمكانة الاجتماعية والحالة التكاثرية حتى لدى حيوانات كان يُعتقد طويلا أنها تعتمد أساسا على الإشارات البصرية أو الكيميائية.
وتشير أبحاث أخرى إلى أن الأصوات قد تحمل مؤشرات على الحالة الجسدية للحيوان، وليس حجمه فحسب. ففي السلاحف، وجدت دراسات سابقة أن نداءاتها قد تنقل معلومات تتجاوز مجرد التواصل بين الذكر والأنثى.
على سبيل المثال، أظهرت دراسة على سلحفاة هيرمان أن الإناث تفضل النداءات الأعلى ترددا والأسرع إيقاعا، وهي خصائص ترتبط بالذكور الأفضل حالة بدنية. كما ارتبطت سرعة إصدار النداءات بمستوى الهيماتوكريت في دم الذكور، وهو مؤشر فسيولوجي يمكن أن يعكس حالتهم الصحية.
وفي دراسة أخرى شملت 104 أفراد من السلحفاة اليونانية، وجد الباحثون ارتباطا بين سرعة النداءات ومستوى الهيماتوكريت، كما ارتبط قصر مدة النداء بزيادة نجاح الذكور في التزاوج. وتدعم هذه النتائج فرضية استخدام الإناث الخصائص الصوتية لتقييم جودة الشريك واختيار الذكور الأفضل حالة بدنية.
وبخلاف ما تكشفه الأصوات عن حجم الحيوان أو حالته البدنية، تحمل بعض أصوات الزواحف معلومات أخرى تتيح التمييز بين الأفراد. وفي هذا السياق، يقول ستيفان: "توصلنا في دراسة أحدث إلى أن هذه الأصوات تحمل أيضا إشارات قوية على نحو لافت إلى الهوية الفردية. فالأصوات الجهورية للتماسيح طويلة المدة وتتطلب جهدا بدنيا كبيرا لإنتاجها. ويمكن للاختلافات التشريحية بين الأفراد ومعدلات نموهم وإصاباتهم وحالتهم البدنية، وحتى إصابتهم بالأمراض، أن تؤثر في طريقة إطلاق الصوت وجودته".
ويضيف: "درسنا بالفعل تمساحا تعافى من التهاب رئوي حاد دمر نصف إحدى رئتيه، ثم أصبح يصدر أصواتا جهورية لا تتجاوز مدتها نصف مدة الأصوات التي تصدرها تماسيح أخرى مماثلة له في الحجم. لذلك، قد تنشأ الفروق الفردية في الأصوات إلى حد كبير بوصفها نتيجة جانبية لاختلاف خصائص الأجسام، إذ يكشف النداء عن سمات الحيوان ببساطة لأن الأجسام المختلفة قد تنتج أصواتا مختلفة".
ومن بين التماسيح، يبرز الغريال الهندي -وهو أحد أندر أنواع التماسيح في العالم- بوصفه حالة مختلفة نسبيا، ففي حين ترتبط نداءات كثير من أنواع التماسيح بحجم الجسم، تبدو أصوات ذكور الغريال -التي لم تلفت انتباه العلماء إلا حديثا- مرتبطة بصورة أساسية بهويته الفردية، وتنقل هوية كل ذكر على حدة.
ففي مطلع عام 2025، وثق باحثون أنماطا من الفرقعات الصوتية المدوية التي تصدرها ذكور الغريال على امتداد الضفاف الرملية لنهر تشامبال شمالي الهند. وتبدأ هذه الذكور بإطلاق اهتزازات دون مستوى السمع البشري، يعقبها إما صوت فرقعة انفجارية واحدة أو سلسلة من الفرقعات المتتابعة بسرعة، أطلق عليها الباحثون "نمط الفرقعات".
ووفقا لوصفهم، ينشأ هذا الصوت عندما يملأ أحد هذه الزواحف الكبيرة، التي يبلغ طولها بين 5 و6 أمتار، تجويفه الأنفي بالماء ثم يزفره بسرعة، فيندفع الماء عبر بروز منتفخ يُعرف باسم "الغارا" (أي "وعاء الطين" باللغة الهندية)، عند طرف خطمه الطويل والرفيع للغاية المصمم لصيد الأسماك.
ويبدو أن هذه البنية المنتفخة أساسية في إنتاج الفرقعات، فالذكور التي تفقد هذا العضو أثناء المعارك لا تستطيع إطلاق هذه الأصوات مثل أقرانها. ويرجح الباحثون أن الطيات والتجاويف المختلفة داخل "الغارا" قد تتسبب في مقاومة معينة للمياه المتدفقة إلى داخله، وأن الإزاحة القوية لهذه المياه قد تؤدي في النهاية إلى إصدار صوت الفرقعة المرتفع.
وتبدو أنماط الفرقعات وكأنها تخدم مجموعة متنوعة من الوظائف المهمة، إذ بدا أن بعض الأنماط تنبه الآخرين إلى وجود اضطراب، بينما صدر نمط آخر أثناء دوريات حدود مناطقها والدفاع عنها. وكان أحد الذكور يطلق فرقعة مدتها 22 ميلي ثانية عند التنبيه، لكنه كان يطلق فرقعة أطول، مدتها 35 ميلي ثانية، أثناء دوريات المنطقة. كما كان ذكور الغريال يطلقون الفرقعات عند مواجهة ذكر منافس محتمل، أو كنداء للتودد والتزاوج، ولكل ذكر نمط مختلف في كل سياق.
وقد تكون إشارة الفرقعة الفريدة لكل فرد وسيلة للتعبير عن صفات الأبوة، ومساعدة الإناث على تحديد أفضل الآباء. فذكور الغريال تحتفظ بمناطق تضم عدة إناث وتشارك في حماية الصغار في الماء. وبالنسبة إلى أنثى الغريال، قد تكون هذه الصفة الأبوية أكثر أهمية من حجم الذكر. ومع ذلك، لا يزال العلماء غير متأكدين تماما من كيفية إنتاج هذه الحيوانات للفرقعات.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر