يشعر كثير من الشباب أنهم مراقبون، أو كأن الجميع ينتظر حتى يوجه لهم تعليق، وهذا هو سبب شعورهم بالقلق و التوتر مقارنة بمن هم أكبر في العمر. وفي حين أن هذا الشعور مزعج، لكن يمكن القول أنه متكرر وربما معتاد بين الشباب.
والمفاجأة أن هذا الشعور لا يتخطى كونه فكرة في عقل الشاب أو الفتاة، غير أن الواقع يعكس غير ذلك، فمعظم الناس منشغلون بأنفسهم أكثر مما نتصور. وحول أسباب هذه الحالة وطرق التعامل معها، تحدثت "سيدتي" مع د. ندى قداح، الخبيرة في الإرشاد النفسي-الاجتماعي والتربوي، والمستشارة الأسرية وكوتش العلاقات وتطوير الذات.

لماذا يشعر الشباب بالمراقبة؟

تقول ندى أن مرحلة الشباب هي المرحلة التي تتشكل فيها الهوية، وتزيد خلالها الحاجة إلى الانتماء والتقدير، لذلك لا يكتفي الشاب بمحاولة معرفة من يكون، بل ينشغل أيضًا بالطريقة التي يراه بها الآخرون. لكنها تحذر من أن يتحول الأمر إلى مشكلة، لا سيما حين يصبح رأي الآخرين هو المرجع الأساسي الذي يحدد به قيمة الشاب.
وتضرب ندى أمثلة على ذلك، بالقول "فقد يخطئ الشاب في الحديث فيعتبر الخطأ دليلًا على ضعفه، أو لا يجد التفاعل الذي توقعه فيفسر ذلك بأنه شخص غير مهم، أو يرى أحدهم يضحك فيظن أنه المقصود". وتضيف "الحدث في هذه الحالات قد يكون بسيطًا، لكن التفسير يمنحه حجمًا أكبر".
وتفرق ندى بين الوعي بالذات، الذي يساعد الإنسان على فهم نفسه وتطويرها، وبين الانشغال المفرط بها، الذي يجعله يراقب كل تصرف وكأنه اختبار لقيمته.

حقيقة مراقبة المحيطين للشباب

وتشير الخبيرة هنا لأهمية التفرقة بين الأفكار و الواقع، وتقول "من أكثر الأفكار التي تستنزف الشباب اعتقادهم أن الآخرين يفكرون فيهم بالقدر نفسه الذي يفكرون فيه هم في أنفسهم، بينما الحقيقة أننا لا نعرف ما يدور في أذهان الآخرين، وما نتخيله عنهم ليس بالضرورة صحيحًا".
مثلًا، قد يشعر الشاب أن الجميع لاحظوا ارتباكه، في حين لم ينتبه له معظمهم، وقد يفسر صمت صديقه على أنه رفض، بينما يكون الصديق منشغلًا بمشكلة خاصة به.
وتؤكد ندى أن المشكلة ليست في ظهور هذه الأفكار، وإنما في تصديقها دون التأكد منها، وتقول "ليس كل ما نشعر به دليلًا على شيء". وتنصح بأن يتعلم الشاب مراقبة أفكاره بدلًا من الاستسلام لها، فيقول مثلًا "أشعر أنهم يحكمون علي"، بدلًا من أن يجزم بأنهم يفعلون ذلك بالفعل، وهو فرق بسيط قد يغير علاقته بنفسه وبمن حوله.

القبول الاجتماعي والثقة بالنفس

تؤكد ندى أن الإنسان كائن اجتماعي، وأن حاجته إلى قبول الآخرين أمر طبيعي وليس ضعفًا، لكن الأزمة تبدأ عندما يصبح هذا القبول شرطًا ليشعر بأنه يستحق.
وتوضح أن الشاب الذي يربط قيمته بإعجاب الآخرين يجد نفسه مضطرًا إلى تغيير شخصيته باستمرار ليناسب توقعاتهم، فيقول ما لا يقتنع به، ويخفي ما يحبه، ويتراجع عن قراراته خوفًا من الانتقاد. وقد ينجح بالفعل في إرضاء من حوله، لكنه يفقد مع الوقت صلته بنفسه، ويصبح كل ما يشغله هو ما يريده الآخرون منه، لا ما يؤمن به أو ما يناسبه.
وتلفت إلى أن محاولة التحكم في صورتنا لدى الآخرين تزيد من تبعيتنا لهم، لأن أحدًا لا يستطيع أن يضمن إعجاب الجميع أو يمنعهم من إساءة فهمه. وتقول "النضج لا يعني ألا نهتم بآراء الناس، بل أن نختار الآراء التي تستحق الإصغاء".

علاقة السوشيال ميديا و الشعور بالمراقبة

تشير ندى إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت الصورة الشخصية معروضة طوال الوقت، وقابلة للتقييم بالأرقام من خلال الإعجابات والتعليقات والمشاهدات، فأصبح الشاب يفكر في كيفية ظهور لحظاته أمام الآخرين أكثر من عيشها، ويسأل نفسه: هل تبدو حياتي مثيرة للاهتمام؟ ولماذا يحصل غيري على اهتمام أكبر؟
وتوضح أن ما نراه على هذه المنصات غالبًا لقطات منتقاة من حياة أصحابها، وليس الصورة الكاملة، لذلك فإن مقارنة حياتنا الواقعية بها تظلمنا، كما أن اعتبار التفاعل الرقمي مقياسًا لقيمتنا يجعل شعورنا بأنفسنا مرهونًا بأرقام تتغير باستمرار.

نصائح للتخلص من الشعور بالمراقبة

ترى ندى أن الحل لا يكمن في إقناع النفس بأن أحدًا لا يراقبها، بل في ألا نسمح لاحتمال المراقبة بالتحكم في تصرفاتنا، وتقدم عدة نصائح:

راجع تفسيراتك

اسأل نفسك ماذا حدث بالفعل، وما الذي أضفته أنت من تفسيرات، وهل لديك دليل حقيقي على أن الآخرين ينتقدونك، أم أنك تتوقع حكمهم خوفًا من الرفض.

لا تهرب من المواقف المحرجة

جرب أن تشارك برأيك، وأن تخوض تجارب جديدة، وتقبل احتمال أن تخطئ، فالثقة تُبنى عندما تكتشف أنك قادر على التعامل مع هذه المواقف.

ضع معيارك الخاص

قيم نفسك بناءً على أسئلة مثل: هل تصرفت وفق قيمي؟ هل تعلمت شيئًا؟ هل احترمت نفسي والآخرين؟

افصل بين الخطأ وقيمتك

الخطأ لا يعبر عن شخصيتك بالكامل، والرفض لا يلغي قيمتك، واختلافك عن الآخرين لا يقلل من استحقاقك للتقدير.
وتنصح ندى باللجوء إلى مختص مؤهل إذا أصبح الخوف من تقييم الآخرين شديدًا لدرجة تؤثر على الدراسة أو العمل أو العلاقات.
وتختتم ندى حديثها لـ"سيدتي" بأن الشباب قد لا يخافون من نظرات الآخرين بقدر ما يخافون من المعنى الذي يعطونه لها، مؤكدة أن الإنسان لا يستطيع التحكم في الصورة التي يكونها الآخرون عنه، لكنه يستطيع ألا يجعلها الصورة الوحيدة التي يرى بها نفسه.
اقرأي أيضًا حين تكونين الطرف الوحيد الذي يهتم في الصداقة.. كيف تتصرفين بذكاء مع قلة الاهتمام؟