القصر
العالم العربي

لماذا نمشي أسرع في المدن؟ وكيف تغيرت علاقتنا بالشوارع؟

محرر العالم العربي 4 5 دقائق قراءة

ربما يلفت انتباهك حين تشاهد أحد الأفلام القديمة كيف تبدو حركة المارة أكثر هدوءا وبطئا، بخلاف إيقاع الحركة اليوم، إذ قد نمر بأحد معارفنا دون أن ننتبه إليه.

نصف المدن دائما بأنها سريعة الإيقاع، ويبدو أن هذا الوصف ليس مجازيا تماما؛ فقد أظهرت دراسة شارك فيها باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، ونشرت عام 2025 في مجلة "وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم" (Proceedings of the National Academy of Sciences)، أن متوسط سرعة المشي ارتفع بنسبة 15% بين نحو عامي 1980 و2010 في أربعة مواقع عامة بمدن نيويورك وبوسطن وفيلادلفيا. واعتمدت الدراسة على مقارنة مقاطع فيديو صورت في المواقع نفسها خلال الفترتين.

أخبار مقترحة

  • من السرعة إلى قوة المحرك.. دليلك لاختيار جهاز المشي الكهربائي
  • لماذا تتفوق الدراجة على المشي والجري في استهلاك الطاقة؟
  • 10 أخطاء يومية تحرمك فوائد المشي.. تجنبها فورا
  • كيف تختار حذاء المشي؟ ومتى يجب استبداله؟

في بريطانيا، كان المشي وسيلة الذهاب إلى العمل في نحو 60% من الرحلات بين عامي 1890 و1899، وفق تقديرات تاريخية، قبل أن تتراجع هذه النسبة إلى نحو 8% بعد قرن.

ولا يقتصر التراجع على رحلات العمل؛ فقد انخفضت حصة المشي من إجمالي الرحلات من 35% عامي 1975 و1976 إلى 27% عام 2018، لكنه ظل آنذاك ثاني أكثر وسائل التنقل شيوعا.

ومع هذا التراجع, قد نفقد ما يتجاوز الفوائد البدنية للمشي؛ فهو فرصة لاكتشاف تفاصيل محيطنا والتواصل مع الآخرين، بعيدا عن العجلة التي تحكم تنقلاتنا اليومية.

المتسابقون في الزحام

تشير نتائج الدراسة إلى تغير طريقة استخدام بعض المساحات العامة، لتؤدي دورا أكبر ممرات للعبور، ودورا أقل باعتبارها أماكن للقاء.

في مقاطع الفيديو الأحدث، المصورة في المواقع نفسها وفي أوقات متقاربة من اليوم، ظلت نسبة من يسيرون بمفردهم شبه ثابتة، لكن تراجعت اللقاءات التي تتشكل خلالها مجموعات داخل هذه المساحات.

وإلى جانب ارتفاع سرعة المشي، تراجع التوقف والتمهل في الأماكن المدروسة. وظهر التغير في سلوك الناس خلال الثلاثين عاما التي شملتها المقارنة؛ ففي الفيديوهات الأقدم، بدت فرص تبادل النظرات وبدء الأحاديث والالتقاء بالمعارف أكثر حضورا، بينما اتسمت الحركة في الفيديوهات الأحدث بسرعة أكبر ومكوث أقل.

وقد يؤثر هذا التحول في دور الشوارع والمساحات العامة في دعم التواصل الاجتماعي، لكنه لا يكفي وحده للحكم على تراجع الروابط الاجتماعية في المدن كلها.

ويطرح الباحثون تفسيرات محتملة، منها انتشار الهواتف التي تتيح ترتيب اللقاءات مسبقا، وزيادة المقاهي وغيرها من الأماكن المغلقة التي قد تنتقل إليها اللقاءات. غير أن الدراسة لا تحسم سببا واحدا لهذه التغيرات.

أسباب مختلفة للسرعة

في عصر أقدم، كان المشي نشاطا يوميا للترفيه ووسيلة أساسية للتنقل. وكانت الشوارع تعج بالمشاة من مختلف الطبقات الاجتماعية، بما منحهم حضورا واسعا في المساحات الحضرية، رغم أن السير على الأقدام لم يكن يخلو من الصعوبات والمخاطر.

لكن بيئة المدن تغيرت بمرور السنوات، وأعيد تنظيم كثير من الشوارع لتلائم حركة المركبات، وهو ما قد يقيد حركة المشاة ويقلص المساحات المتاحة لهم.

وقد ترتبط سرعة المشي في المدن بعوامل متعددة، منها طبيعة المكان والغرض من الرحلة وضغط المواعيد. ويطرح الباحثون أيضا احتمال ارتباط السرعة بارتفاع قيمة الوقت اقتصاديا، بحيث يصبح التمهل أكثر كلفة بالنسبة إلى بعض العابرين. وهذه تفسيرات محتملة، وليست نتائج تثبت أن الازدحام أو النشاط الاقتصادي يدفعان الجميع إلى الإسراع.

في كتاب المشي فلسفة لفريدريك غرو، يصف الكاتب كيف أن المشي في المدينة يتخذ إيقاعا معرقلا وغير منتظم؛ فالحشد الذي نسير وسطه هو جمهور كادح مجهول مشغول. وفي المدن الصناعية، هم أناس عائدون من العمل أو ذاهبون إليه أو مسرعون للحاق بأي مواعيد أخرى.

ويصف كيف أن هذا الحشد يبدو معاديا لكل واحد من مكوناته فكل فرد يريد أن يصل بأسرع طريقة، والآخرون يبدون له عقبة في طريقه، وهكذا يتحول الحشد إلى منافس،  يشعر كل شخص منهم بأنه غريب مما يجعل الجميع فريسة للجميع.

متعة المشي

مع تراجع ممارسة هذا النشاط لأسباب مختلفة، فإن مزيدا من الدراسات تتناول ما يعرف بـ "قابلية المشي" (Walkability)، التي تجعل التنقل سيرا على الأقدام سهلا وجذابا، لا يعني هذا فقط توفر الأرصفة الآمنة والمظللة، والمضاءة جيدا ليكون المشي أمرا ممكنا بل يتسع ليكون مريحا ومطلوبا، وأن يقدم الحماية والراحة والاستمتاع لتكون تجربة المشي جيدة، كما يشير موقع A1000.

في دراسة نشرت عام 2021 في مجلة "لاند" Land أجرى الباحثون تجربة على مجموعة من الشباب يمشون في أماكن مختلفة لمتابعة تأثير المكان في سرعة خطواتهم، مشى المشاركون بصحبة كاميرا صغيرة لتسجيل الأمر، ليلاحظ الباحثون تأثيرا كبيرا للخصائص البيئية.

تزداد سرعتنا في الأماكن التي لا توجد فيها مساحات خضراء، بينما تتباطأ خطانا في المناطق التي تزينها الأشجار. وكانت المناطق التي تباطأ فيها المشاركون -في الحقيقة- هي المناطق التي أعجبتهم، بينما تسارعت خطواتهم عندما كانت البيئة مزعجة بسبب الزحام أو الضوضاء، أو في المناطق التي بدت لهم قبيحة بسبب واجهات المباني التالفة مثلا.

وظلت الطبيعة العامل الأكثر تأثيرا إذ تمنحنا مشاعر إيجابية ورغبة في الانسجام في البيئة المحيطة، وحين يكون العكس تكون الرغبة اللاشعورية في مغادرة المكان.

يرتبط الأمر إذن بسلوك التجنب، يسرع الناس في الأماكن التي لا يريدون مراقبتها أو الاندماج فيها، وتتباطأ خطاهم دون قصد في الأماكن التي يبدو لهم تصميمها المعماري وعناصرها الطبيعية مريحة.

فقطعها بسرعة يعني أننا لا نجد ما يربطنا بها أو يجذبنا إليها؛ فما يوفر الاستمتاع هو حيوية الشارع، وأن يكون تصميمه قادرا على جعل العابرين يفهمون النسيج الحضري للمدينة، وأن تحكي الممرات والمعالم قصة يمكن لهم استيعابها. فالمشي هو النشاط الذي يشعرنا بتملك المدينة والرغبة في التقارب من قاطنيها والمشاركة في حياتها الحضرية.

اقرأ النسخة الكاملة