لكريني يضع الصحراء المغربية بين مشروعية "قرار 2797" وديكتاتورية "الفيتو"
أثار استخدام روسيا حق النقض (الفيتو) ضد مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء المغربية نقاشاً جديداً حول حدود التوافق داخل مجلس الأمن، وقدرة هذا الجهاز الأممي على مواكبة الجهود الرامية إلى تسوية النزاعات الدولية. ويعيد هذا التطور إلى الواجهة إشكالية توظيف الامتيازات التي تتمتع بها الدول دائمة العضوية في المجلس، ومدى تأثير الحسابات الجيوسياسية في قرارات ترتبط بالسلم والأمن الدوليين.
وفي هذا السياق، يقرأ الدكتور إدريس لكريني، أستاذ العلوم السياسية بجامعة مراكش تداعيات الموقف الروسي على ضوء القرار الأممي رقم 2797، وما يطرحه من أسئلة بشأن مستقبل دور مجلس الأمن وبعثة المينورسو، وانعكاسات استعمال حق النقض على مصداقية الأمم المتحدة، في ظل تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية.
نص المقال:
في الوقت الذي كانت تتجه فيه أنظار المجتمع الدولي إلى مجلس الأمن لإصدار قرار حاسم يضع الإطار الإجرائي لتنفيذ قراره السابق رقم 2797 بشأن قضية الصحراء المغربية، الذي سبق أن اعتبر فيه المجلس بشكل واضح أن مبادرة الحكم الذاتي تمثل أساساً للتوصل إلى حل سياسي للنزاع، لجأت روسيا إلى استخدام حق الاعتراض (الفيتو) يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026 ضد مشروع القرار الأمريكي في مجلس الأمن الدولي حول الموضوع، ما أدى إلى الحيلولة دون صدوره، وبالتالي عدم تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة “المينورسو” التي تنتهي في 31 أكتوبر 2026.
يمكن قراءة “الفيتو” الروسي ضد تجديد مهمة قوات المينورسو في الصحراء المغربية من عدة جوانب؛ فهو يعكس الطابع السياسي لتشكيلة مجلس الأمن وللتعقيدات المتصلة باتخاذ قراراته، ويحيل إلى رغبة روسيا في إقحام صراعات ومصالح جيوسياسية ضيقة مرتبطة بتحولات النظام الدولي في تدبير ملف يتعلق بحفظ السلم والأمن الدوليين، ومحاولة منها – ولو بشكل غير مقصود – للتقليل من أهمية الجهود التي بذلها المجلس على امتداد عدة عقود في سبيل طي هذا النزاع المفتعل، وبخاصة بعد طرح المغرب مشروع الحكم الذاتي.
إن توجه روسيا في هذا الخصوص يجسد ديكتاتورية الأقلية (امتياز غير ديمقراطي يتناقض مع مبدأ المساواة في السيادة) ضد التوجهات العامة للمجتمع الدولي، ويساهم بذلك في تكريس عدم الثقة في الأمم المتحدة، بل ويعمق أزمة مصداقيتها، ويمكنه أن يعيد شبح شلل المجلس الذي دام لحوالي نصف قرن خلال فترة الحرب الباردة إلى الواجهة الدولية، ويعطل من جديد مصالح الدول، ويؤثر سلباً على أداء الأمم المتحدة وعلى أدوارها في حفظ السلم والأمن الدوليين بشكل عام.
إن توجه روسيا ضد تيار غالبية أعضاء المجتمع الدولي وضد روح قرار مجلس الأمن رقم 2797 يفند مزاعم توظيف هذا الحق في خدمة السلم والأمن الدوليين، كما أثارتها الدول التي تملكه خلال الأشغال التحضيرية لتأسيس الأمم المتحدة عام 1945، ويفتح الباب أمام متاهات تكرار استخدام هذا “الفيتو” في تعامل المجلس مع عدد من القضايا الدولية، مما يحول هذا الجهاز من آلية لحفظ السلم إلى آلية لتكريس الخلافات وإثارة الفوضى.
استُخدم “الفيتو” في نحو 279 حالة خلال الفترة الممتدة ما بين سنة 1946 وسنة 1990، بدواعي وخلفيات مصلحية لا علاقة لها بمتطلبات حفظ السلم والأمن، مما تسبب في منع مجلس الأمن من تحمل مسؤولياته، وأساء إلى مصداقية الأمم المتحدة، حيث استُغل في عرقلة مصالح المجتمع الدولي بعدما انتقل الصراع بين القطبين إلى داخل الأمم المتحدة، ما عرّض العالم لكثير من المخاطر والأزمات التي كادت أن تنتهي إلى حروب دولية مفتوحة، فكانت كلفته ضخمة على عدد من القضايا العادلة، وهو ما أفضى إلى اتخاذ قرار “الاتحاد من أجل السلم” من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 3 نوفمبر 1950، والذي يمكنها من بحث مختلف القضايا المرتبطة بحفظ السلم والأمن الدوليين وإصدار توصيات للأعضاء في سياق اتخاذ تدابير جماعية، يمكن أن تشمل حتى استخدام القوة المسلحة عند الضرورة، في حال فشل المجلس في تحمل مسؤولياته بفعل استخدام حق “الفيتو”.
ورغم ذلك، يبدو أن الاعتراض الروسي لم يكن محسوباً، خصوصاً مع استخدام واشنطن لنفس الحق كرد فعل ضد مشروع القرار الروسي البديل، وهو ما أفضى، وبشكل تلقائي، إلى عدم تجديد ولاية بعثة المينورسو.
إن الاعتراض الروسي لا يعني بأي حال من الأحوال إلغاء قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي يعد مرجعاً يجسد المشروعية الدولية بمقتضياته الواضحة. وبرغم الإشكالات التي يطرحها التوجه الروسي والأمريكي، فقد كان صدور بلاغ الديوان الملكي في خضم هذه التطورات حاسماً وواضحاً، باعتبار هذا الوضع مؤشراً على الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة، وبداية وقف إحالة هذا الملف على مجلس الأمن، بل وسحب هذه القضية من جدول أعماله، وكذا التوقف عن عقد الاجتماعات النظامية الدورية للمجلس بشأن قضية الصحراء المغربية.
ففي غياب صدور قرار توافقي من المجلس حول الموضوع، يمكن للمغرب إنهاء دور بعثة “المينورسو” التي مرت عدة عقود على إحداثها، ومواصلة ممارسة السيادة الكاملة على ترابه، وهو إجراء ضروري وأساسي لحماية وحدة الأراضي، بل وعمل مسؤول لمنع أي انفلات من شأنه المس بأمن واستقرار المنطقة أو بالسلم والأمن الدوليين بشكل عام.
وإذا كان الدعم الدولي المتزايد لمغربية الصحراء، والتأكيد على أهمية وواقعية مشروع الحكم الذاتي، في مقابل رفض الطروحات الانفصالية المتجاوزة، يشكل عاملاً داعماً لأي خيار يمكن للمغرب أن ينهجه لحفظ سيادته ومصالحه في مقابل هذا الوضع المأزوم للمجلس، فإن وصول الأمور إلى الباب المسدود وشل أداء المجلس كإطار أممي لمواكبة الملف انسجاماً مع قراراته السابقة، وتكريس عدم الثقة في أدائه، يعمقان عزلة المطالب التقليدية للجزائر والبوليساريو التي كانت تسعى إلى تصريفها عبر هذه الآلية الأممية.