لبنان بين ذاكرتين.. بيت ينتظر الحياة ومرفأ يستحضر الغياب
بيروت- يقطع صوت الطيران الحربي الإسرائيلي حديث محمود درويش عن بلدته زوطر الغربية، فيرفع رأسه نحو السماء، ويتوقف لحظة قبل أن يعود إلى الكلام. يقف أمام منزله في البلدة الواقعة في جنوب لبنان، وقد خلّفه القصف محترقا ومدمرا؛ جدرانا متصدعة، وآثار حريق سوداء، وحجارة متناثرة في المكان الذي كان يجمع أسرته.
لم يعد البيت صالحا للسكن؛ فقد تحولت أجزاؤه المكسرة إلى شاهد على حياة كانت تدب في أرجائه، ليجد محمود نفسه أمام مكان يعرف تفاصيله، لكنه لم يعد يشبه البيت الذي عرفه قبل الحرب.
أخبار مقترحة
- رئيس وزراء قطر: عملنا مع واشنطن لاحتواء الوضع بالمنطقة ونأمل التوصل لاتفاق
- قائد الجيش اللبناني: إسرائيل هي الخطر الأول وعلينا الاستعداد لكل الاحتمالات
على مقربة من المنزل، ينشغل محمود بتقطيع الحطب، تبدو يداه خشنتين، تحملان آثار سنوات العمل في الأرض، فيما تركت الشمس أثرها على وجهه الأسمر الذي حفرت فيه سنوات الكدح ملامحها. وبينما يشق الحطب بيديه، يمتد خلفه المنزل المدمر، كأن المشهد يجمع في لحظة واحدة ما أمضى عمره في بنائه وما خسر جزءا كبيرا منه في الحرب.
حصيلة سنوات طويلة
يقول محمود، المعروف بـ"المختار"، للجزيرة نت، إن 90% تقريبا من زوطر الغربية دُمّرت خلال الحرب الإسرائيلية، ويستعيد صورة بلدته قبل القصف، حين كانت أشجار الزيتون والليمون تحيط بالبيوت، وتمتد الحقول قرب نهر الليطاني. أما اليوم، فقد تبدلت ملامحها، وباتت الصورة التي يحملها في ذاكرته مختلفة عما تراه عيناه أمامه.
"هنا عشت حياتي، وبنيت بيتي وربّيت أبنائي الخمسة"، يتحدث محمود عن حصيلة سنوات طويلة أمضاها في الغربة والعمل، قبل أن يعود إلى بلدته بحثا عن الاستقرار. فبعد أكثر من 45 عاما خارج البلاد، عاد ليعيش مع أسرته في بيت بناه بجهده، معتقدا أن سنوات التعب باتت وراءه، وأن ما تبقى من العمر سيكون في المكان الذي اختاره لنفسه ولأبنائه.
لكن الحرب بددت هذا الاستقرار، وحين يحاول محمود وصف ما يراه، تختصر كلماته ما يعجز عن شرحه: "بيتي.. ماذا أقول له؟ تدمع عيناي بمجرد أن أراه".
لا تنفصل حكايته عن الأرض المحيطة ببيته، فزوطر الغربية، بما فيها من حقول وأشجار وطرق اعتاد المرور بها، ليست مجرد مكان للسكن، بل هي جزء من حياته اليومية وذاكرته. لذلك، لا يتوقف تفكيره عند إعادة بناء المنزل، وإنما يمتد إلى مستقبل البلدة نفسها، وإلى ما إذا كانت ستستعيد يوما ملامحها التي يعرفها.
وبينما يواصل محمود تقطيع الحطب، يبقى صوت الطيران حاضرا في سماء البلدة. يعود إلى عمله، فيما يظل البيت المحترق خلفه، والأرض التي عرفها طوال عمره أمامه. وبينهما، يحاول أن يتصور مستقبلا لم تعد ملامحه واضحة، بعدما صار استرجاع أبسط تفاصيل الحياة مرتبطا بإعادة بناء ما هدمته الحرب.
ذكريات مرفأ بيروت
من جنوب لبنان إلى العاصمة بيروت، تتغير ملامح المكان، لكن علاقته بأصحابه تبقى حاضرة في الذاكرة. في مرفأ بيروت، لا تستعيد أم إبراهيم مشهد الدمار وحده، بل تعود إلى المكان الذي غادره ابنها إبراهيم إلى عمله في 4 أغسطس/آب 2020، ولم يرجع منه.
"كلما جئت إلى المرفأ، يحترق قلبي؛ لأنني فقدت أغلى شاب في العالم"، تقول أم إبراهيم، فيما تترقرق الدموع في عينيها وترتجف يداها وهما تحملان صورته.
لا تحتاج الأم إلى كثير من الكلمات لتشرح ما يعنيه لها هذا المكان؛ فكلما وقفت فيه، وجدت نفسها أمام المسافة التي تفصل بين يوم كان فيه ابنها حاضرا في حياتها ويوم صار فيه جزءا من ذكرياتها.
كان إبراهيم في العشرين من عمره، ولم يمض على بدء عمله في المرفأ سوى شهر ونصف الشهر حين وقع الانفجار الذي غيّر وجه بيروت، وترك أثرا عميقا في حياة آلاف العائلات.
قبل ذلك اليوم، كان المرفأ بالنسبة إلى أمه مكانا يذهب إليه لكسب رزقه ثم يعود منه إلى المنزل. لم تكن تتصور أن يتحول إلى مكان تستعيد عنده صورته، أو أن تصبح معالمه مرتبطة بغياب لن تعوّضه السنوات.
تفاصيل اليوم الأخير
لا تزال أم إبراهيم تستحضر تفاصيل يومه الأخير، عاد إلى المنزل، وتناول طعامه، ثم غادر مجددا إلى العمل. كانت تلك تفاصيل عادية في يوم من أيام الأسرة، لكنها اكتسبت بعد انفجار مرفأ بيروت معنى آخر؛ إذ أصبحت آخر ما تتذكره عن ابنها قبل أن ينقطع حضوره اليومي من حياتها.
وحين بدأت رحلة البحث عنه، تنقلت العائلة بين المستشفيات، إلى أن عثر عليه إخوته بعد 5 أيام. أما هي، فلم تتمكن من رؤيته للمرة الأخيرة، بعدما طلب منها أبناؤها أن تحتفظ بصورته كما عرفته في حياته. ومنذ ذلك الحين، بقيت الصورة وسيلتها لاستحضار ملامحه التي لم تغب، وبقي المرفأ المكان الذي يعيدها إلى لحظة الفقد، كلما رجعت إليه.
تضم أم إبراهيم صورة ابنها، فيما يستعيد وجهها ما لا تستطيع الكلمات حمله. وبين ما بقي من معالم المكان وما بقي في ذاكرتها، تحاول أن تستعيد ابنها بالصورة، وإن كانت تعرف أن استعادته في الحياة لم تعد ممكنة.
تكشف صور الأرشيف التحول الذي أصاب مرفأ بيروت بين ما قبل الانفجار وما بعده، فيما تظهر مشاهد زوطر الغربية حجم التغير الذي طال البيوت والطرقات والأرض بفعل الحرب الإسرائيلية.
لكن الصورة، مهما أظهرت من دمار، لا تكشف وحدها ما يمثله المكان لأصحابه؛ فخلف كل منزل حياة كانت تجري بتفاصيلها اليومية، وخلف كل معلم تبدلت ملامحه ذكريات لا تظهرها العدسة.
تلتقي حكايتا محمود وأم إبراهيم عند العلاقة التي تنشأ بين الإنسان والمكان؛ فحين يصبح المكان جزءا من العمر، لا يبقى ما يصيبه محصورا في جدرانه أو معالمه، بل يمتد إلى حياة من عاشوا فيه أو ارتبطوا به.
قد ترمم البيوت، وتزال الأنقاض، وتزرع الأشجار من جديد، لكن استعادة المكان لا تعني بالضرورة استعادة الحياة التي كانت فيه. فمحمود يحتاج إلى أكثر من جدران جديدة كي يستعيد استقراره، وأم إبراهيم لا تستطيع أن تجد في المرفأ، مهما تغيرت ملامحه، ما يعوّضها عن ابنها.