كيف يمكن للأوروبيين المساعدة في تحسين عمل شبكة الكهرباء من دون تقليل استهلاكهم للطاقة؟
وصلت أسعار الغاز في أوروبا إلى مستويات مرتفعة لم تُسجَّل منذ ذروة أزمة الطاقة في عام 2022، فيما تستمر الحرب على إيران في كشف مدى تقلب سوق الوقود الأحفوري.
ويعني ذلك أنّ أسعار الطاقة مرشحة للبقاء مرتفعة حتى وقت متقدم من العام المقبل، بينما تسعى أوروبا جاهدة إلى تعزيز احتياطياتها المتناقصة من الغاز قبل أشهر الشتاء الباردة، مع مساعيها لزيادة احتياطيات الغاز الآخذة في الانخفاض.
في يونيو الماضي، حثّت المفوضية الأوروبية الأسر على تقليل استهلاك الطاقة خلال ساعات الذروة من أجل خفض الفواتير وتخفيف الضغط عن شبكة الكهرباء في القارة التي تعاني بالفعل من الإجهاد. يأتي ذلك بالتزامن مع طفرة الذكاء الاصطناعي "AI" التي تشهد انتشار مراكز بيانات شديدة الاستهلاك للطاقة في أنحاء القارة.
قد يبدو للكثيرين أنّ المواطن الأوروبي العادي لا يستطيع فعل الكثير لحماية نفسه من هذه التقلبات الحالية. مع ذلك، يرى أحد الخبراء أنّ لكل أسرة فرصة حقيقية للعب دور نشط في تحقيق التوازن بين عرض الطاقة والطلب عليها في أوروبا.
كيف يمكن للأوروبيين أن يصبحوا "مواطنين أفضل للشبكة"؟
يقول نيكلاس بيرسون، الرئيس التنفيذي لتكامل الشبكة في شركة "Hitachi Energy"، لموقع "Euronews Earth": "إن المستهلكين يتحولون بشكل متزايد إلى مشاركين مهمين في منظومة الطاقة".
ويضيف: "إن المواطن الأفضل للشبكة ليس مجرد شخص يستخدم كمية أقل من الكهرباء، بل هو من يستخدم الكهرباء بطريقة أكثر ذكاءً".
فالشحن الذكي للسيارات الكهربائية "EV"، وأنظمة التدفئة المرنة، والطاقة الشمسية على الأسطح أو عبر الألواح القابلة للتوصيل، يمكن أن تساعد جميعها في تقليل الضغط على الشبكة خلال فترات الذروة، مع خفض فواتير الطاقة في الوقت نفسه. غير أنّ الحصول على هذه التقنيات يتطلب غالبا دفع آلاف اليورو مقدّما، ما يخرج ملايين الأوروبيين من دائرة الاستفادة منها.
لكن العديد من الأسر ما زالت قادرة على المشاركة في برامج الاستجابة للطلب عبر استخدام تقنيات مثل العدّادات الذكية، ما يتيح لها الحصول على كهرباء أرخص في أوقات محددة من اليوم.
ويختلف انتشار هذه الأجهزة في أنحاء أوروبا، إذ تسجل دول مثل الدنمارك والسويد نسبا مرتفعة. أمّا في ألمانيا، حيث تحولت العدّادات الذكية إلى قضية مركزية في حرب ثقافية واسعة، فلا يمتلك عدّادا ذكيا سوى 5,9 في المئة من نقاط توصيل الكهرباء، بزيادة لا تتجاوز 1,5 في المئة خلال الأشهر الستة الماضية.
ويمكن للأسر التي تمتلك أنظمة طاقة شمسية وتخزينا بالبطاريات أن تبيع الطاقة المتجددة مرة أخرى إلى الشبكة حين تكون الحاجة إليها في أعلى مستوياتها، عادة في ساعات المساء عندما يعود الناس من العمل أو المدرسة، ما يسهم في خفض فواتيرهم أكثر.
وفي المستقبل، يأمل بيرسون أن يلعب ملايين الأوروبيين دورا نشطا في موازنة العرض والطلب، بما يساعد على دمج قدر أكبر من الطاقة المتجددة، مع احتمال خفض تكاليف الطاقة الخاصة بهم.
ومن شأن ذلك ألا يساعد فقط الأوروبيين الذين يعانون من ضائقة مالية على إحكام الإنفاق، بل أن يمنع أيضا هدر الطاقة النظيفة.
وبحسب مؤسسة الفكر المتخصصة في الطاقة "Ember"، فإن الشحن الذكي للسيارات الكهربائية "EV" وحده يمكن أن يستوعب نحو ثلاثة في المئة من إنتاج طاقة الرياح والطاقة الشمسية (الخدمية) في ساعة الذروة في إسبانيا.
وتوضح "Ember": "سيكون لهذا الأمر أثر كبير على النظام، نظرا إلى أنه في مايو 2026، جرى تقليص نحو عشرة في المئة من الطاقة الشهرية المولّدة في مزارع الرياح والطاقة الشمسية الإسبانية". Ember states.
شبكة أوروبا المتقادمة تعرقل التقدم
ويشير بيرسون قائلا: "مع ذلك، لا يمكن للأفراد أداء هذا الدور إلا إذا كانت البنية التحتية الصحيحة موجودة".
ويضيف: "يتعيّن على الحكومات، وشركات المرافق، ومزوّدي التكنولوجيا أن يعملوا معا لابتكار حوافز بسيطة وحلول سهلة الاستخدام تجعل المرونة أمرا يسيرا ومجزيا".
فشبكة الطاقة الأوروبية المتقادمة، التي شُيِّدت في الأصل اعتمادا على الفحم ثم على الغاز لاحقا، تحتاج بشدة إلى مزيد من الاستثمارات. ووفقا لتقرير صادر عن "Ember" في أبريل من هذا العام، فإن الاختناقات الناجمة عن الشبكة تهدد أكثر من 120 غيغاواط من مصادر الطاقة المتجددة المتوقعة بالخطر.
وللتوضيح، فإن محطة كهرباء بقدرة واحد غيغاواط يمكنها تزويد نحو 876.000 أسرة بالكهرباء لمدة عام واحد، إذا استهلكت الأسرة المتوسط البالغ 10.000 كيلوواط ساعة من الكهرباء سنويا.
ويرى بيرسون أنّ الانتقال إلى نظام طاقة أكثر استدامة وتكلفة معقولة وأمنا لا يمكن أن يتحقق عبر شركات المرافق وحدها، بل سيكون عبارة عن "شراكة" بين مشغّلي الشبكات، ومزوّدي التكنولوجيا، والشركات، والمستهلكين.
ويقول: "الخبر الجيد هو أنّ التكنولوجيا موجودة بالفعل، وأن الحلول المناسبة يجري نشرها لمواجهة هذه التحديات".
ويتابع: "نحن بحاجة إلى تحديث ممرات النقل القائمة، وتسريع إجراءات منح التراخيص لمشروعات الشبكة الجديدة، وتوسيع نشر تقنيات الإلكترونيات القوية المتقدمة والتقنيات الرقمية، وتعزيز الروابط بين الدول لتمكين تدفق الكهرباء إلى الأماكن الأكثر حاجة إليها".
داخل سباق أوروبا نحو الكهربة
كلّما أصبحت الاقتصادات أكثر اعتمادا على الكهرباء، ازدادت أهمية الشبكة الكهربائية.
Türkiye (المصدر باللغة الإنجليزية)، التي ستشارك في استضافة قمة المناخ التابعة للأمم المتحدة "COP31" في نوفمبر، جعلت الكهربة واحدة من أولوياتها الرئيسة، إذ تهدف إلى رفع الحصة العالمية من الطلب على الطاقة الملبّاة بالكهرباء إلى 35 في المئة، ارتفاعا من نحو 20 في المئة، بحلول عام 2035.
ويحاجج خبراء بأن هذا التعهّد قد يتيح للحكومات احتساب التوسع في توليد الكهرباء من الغاز بوصفه تقدما نحو تحقيق أهداف الكهربة، وهي خطوة يقولون إنها ستؤدي إلى "تقويض خطير لأهداف المناخ".
ويقول بيرسون إن الكهربة واحدة من أكثر الأدوات فعالية لإزالة الكربون من الاقتصاد العالمي، لكن "ليست كل الكهربة تحقق الفائدة المناخية نفسها".
ويضيف: "من أجل تعظيم خفض الانبعاثات، يجب أن يقابل زيادة الطلب على الكهرباء انتشار أكبر لمصادر التوليد النظيفة، إلى جانب البنية التحتية للشبكة اللازمة لربطها".
لقد أثبتت أوروبا بالفعل أن الأهداف المناخية الطموحة يمكن دعمها من خلال نشر سريع للطاقة المتجددة، لكن التقدم بات يُقيَّد بشكل متزايد بسبب الاختناقات في الشبكة.
ويتابع: "إذا كانت الحكومات تريد للكهربة أن تحقق كامل قيمتها البيئية والاقتصادية، فعليها تسريع الاستثمار في بنية الشبكة التحتية بالوتيرة نفسها المعتمدة للاستثمار في توليد الكهرباء".
ويؤكد بيرسون أن شبكة الكهرباء ينبغي أن تُعامل بوصفها بنية تحتية وطنية حيوية، تستحق القدر نفسه من الاهتمام الموجّه للطرق السريعة، السكك الحديدية والمطارات.
ويشرح قائلا: "من دون استثمار كاف في شبكات النقل والتوزيع، يصبح من الأصعب بكثير دمج الطاقة النظيفة، أو جذب الاستثمارات الصناعية، أو تعزيز أمن الطاقة".
ويختتم: "إن التحول في قطاع الطاقة سيتحدد نجاحه أو فشله في نهاية المطاف على أساس البنية التحتية. فالتوليد من مصادر متجددة أمر أساسي، لكن الشبكات هي التي تُمكّن هذه الطاقة من الوصول إلى المستهلكين؛ فإذا كانت الكهربة العمود الفقري لإزالة الكربون، فإن الشبكة هي العمود الفقري للكهربة".