كيف سيحكم ستيفن ميلر البيت الأبيض؟
واشنطن – في خطوة تعكس طبيعة الاستجابة التي اختارها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للهزيمة التي تعرّض لها حزبه الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي، أعلن الرئيس الأمريكي تعيين مستشاره المقرب ستيفن ميلر رئيسا لموظفي البيت الأبيض، خلفا لسوزي وايلز التي أدارت حملته الانتخابية عام 2024، ثم تولت إدارة فريقه الرئاسي منذ عودته إلى السلطة.
وبحسب إعلان ترمب، سيبدأ ميلر ممارسة مهامه الجديدة غدا الاثنين، بينما ستنتقل وايلز إلى العمل ضمن العملية السياسية للرئيس. ويأتي التغيير بعد ثلاثة أيام من خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسي الكونغرس لصالح الديمقراطيين، في أكبر تعديل يجريه ترمب على فريقه منذ الانتخابات.
أخبار مقترحة
- هزيمة الجمهوريين تفجّر صراع القيادة.. هل تتراجع هيمنة "ماغا"؟
- اسمي "عبد الرحمن محمد السيد".. الرجل الذي هزم ترمب مرتين
ولا تكمن أهمية التعيين في تغيير أحد كبار المسؤولين في البيت الأبيض فحسب، وإنما في طبيعة الشخصية التي اختارها ترمب لإدارة مؤسسة الرئاسة. فميلر ليس مجرد إداري محترف أو مسؤول حزبي تقليدي، بل أحد أبرز المنظرين السياسيين لمشروع ترمب، والمهندس الرئيسي لسياساته المتشددة في الهجرة، والمدافع عن توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية في مواجهة المؤسسات القضائية والتشريعية.
وبانتقاله من منصب نائب رئيس الموظفين لشؤون السياسات إلى رئاسة موظفي البيت الأبيض، ينتقل ميلر من موقع التأثير في صياغة القرارات الرئاسية إلى موقع يمنحه، من الناحية التنظيمية، دورا مركزيا في تحديد أولويات الإدارة، وتنسيق أعمال كبار المسؤولين، وإدارة تدفق المعلومات والاقتراحات إلى المكتب البيضاوي.
رئيس موظفي البيت الأبيض: ماذا يعني ذلك؟
رغم أن منصب رئيس موظفي البيت الأبيض لا يرد في الدستور الأمريكي، ولا يتطلب تعيين شاغله موافقة مجلس الشيوخ، فإنه يُعَد أحد أكثر المناصب نفوذا في السلطة التنفيذية.
فرئيس الموظفين هو المسؤول عن تنظيم عمل الجهاز المحيط بالرئيس، والتنسيق بين مستشاريه، وإدارة جدول أعماله، وضبط قنوات الاتصال بين البيت الأبيض والوزارات والكونغرس والجهات الخارجية.
وتعود الأهمية الاستثنائية لهذا المنصب إلى ما يُعرف في السياسة الأمريكية بوظيفة "حارس البوابة"؛ إذ يستطيع شاغله التأثير في تحديد الأشخاص الذين يقابلون الرئيس، والمعلومات التي تصله، والخيارات التي تُعرض عليه لاتخاذ القرار.
ويشرح المؤرخ الأمريكي كريس ويبل، صاحب كتاب "حراس البوابة" عن رؤساء موظفي البيت الأبيض، أن صاحب المنصب لا يقتصر دوره على تنظيم العمل الإداري، بل يتولى أيضا ضمان اطلاع الرئيس على المعلومات اللازمة لاتخاذ قراراته، وحمايته من الضغوط اليومية، وإبلاغه بالتقييمات التي قد يتردد مستشارون آخرون في طرحها أمامه.
من سانتا مونيكا إلى الدائرة الضيقة لترمب
وُلد ستيفن ميلر عام 1985 في مدينة سانتا مونيكا بولاية كاليفورنيا، ونشأ في أسرة يهودية ذات خلفية ديمقراطية، لكنه تبنى أفكارا محافظة منذ سنوات دراسته الثانوية، واشتهر بمعارضته برامج التعددية الثقافية واستخدام اللغة الإسبانية في الأنشطة المدرسية.
وخلال دراسته العلوم السياسية بجامعة ديوك، تحول إلى ناشط بارز في الأوساط الطلابية المحافظة، وكتب مقالات تنتقد اليسار الأمريكي وسياسات الهوية والتعدد الثقافي. ثم انتقل إلى واشنطن للعمل مع السيناتور الجمهوري جيف سيشنز، أحد أبرز معارضي توسيع الهجرة ومنح المهاجرين غير النظاميين مسارا للحصول على الجنسية.
وخلال عمله مع سيشنز، ساهم ميلر في معارضة مشروع إصلاح الهجرة الذي طُرح عام 2013 بدعم من أعضاء في الحزبين، قبل أن ينضم في يناير/كانون الثاني 2016 إلى حملة ترمب الرئاسية، ويصبح أحد كتّاب خطاباته ومهندسي رسالته السياسية القائمة على شعار "أمريكا أولا".
ومع وصول ترمب إلى الحكم عام 2017، تولى ميلر منصب مستشار السياسات الأول، وساهم في إعداد قرارات حظر دخول مواطني عدد من الدول ذات الأغلبية المسلمة إلى الولايات المتحدة، وفي صياغة السياسات التي شددت القيود على الهجرة واللجوء. كما ارتبط اسمه بسياسة "عدم التسامح مطلقا"، التي أدت إلى فصل آلاف الأطفال عن ذويهم على الحدود الأمريكية المكسيكية، قبل أن يتراجع ترمب عن الفصل الأسري تحت ضغوط سياسية وقضائية.
وعقب خسارة ترمب انتخابات 2020، أسس ميلر مع حلفاء محافظين منظمة "أمريكا أولا القانونية" التي استخدمت التقاضي لمعارضة سياسات إدارة جو بايدن المتعلقة بالهجرة والتنوع والمساواة. وعاد إلى البيت الأبيض عام 2025 نائبا لرئيس الموظفين لشؤون السياسات، ومستشارا للأمن الداخلي، بصلاحيات عملية أوسع من تلك التي مارسها خلال الولاية الأولى.
ميلر والقومية الأمريكية
لا يمكن اختزال أفكار ميلر في مجرد المطالبة بتشديد إجراءات الهجرة أو حماية الحدود؛ إذ تتجاوز رؤيته هذه المسائل إلى تصور أوسع لطبيعة الهوية القومية الأمريكية، والعلاقة بين المواطنين والمهاجرين، ودور الدولة في حماية الثقافة الوطنية.
وتقوم هذه الرؤية على اعتبار الهجرة الواسعة، خصوصا من البلدان غير الغربية، عاملا يهدد الاستقرار الثقافي والاجتماعي للأمة الأمريكية. وفي هذا السياق، لا يتعامل ميلر مع الهجرة بوصفها قضية اقتصادية أو إدارية فقط، وإنما باعتبارها قضية تتعلق باستمرار الهوية الوطنية، وهو ما يفسر استخدامه المتكرر مفردات "الغزو" و"الحضارة" و"الأمن القومي" عند الحديث عن المهاجرين.
وقد كشفت تحقيقات نشرها المركز القانوني الجنوبي للفقر عام 2019 عن أكثر من 900 رسالة إلكترونية تبادلها ميلر مع محررين في موقع "بريتبارت" اليميني بين عامي 2015 و2016، تضمنت إحالات إلى مواد منشورة في مواقع مرتبطة بالقومية البيضاء.
ومن أبرز ما كشفته الرسائل ترويجه لرواية "معسكر القديسين" للكاتب الفرنسي جان راسباي التي صدرت عام 1973، وتصور تدفق المهاجرين من العالم النامي إلى أوروبا باعتباره تهديدا للحضارة الغربية. وأشار التحقيق كذلك إلى استشهاده بمواد من موقع "في دير"، المرتبط بأفكار القومية البيضاء ونظريات الاستبدال الديمغرافي.
وتتصل هذه الرؤية بمواقف ميلر من سياسات التنوع والمساواة والشمول، التي يعتبرها شكلا من أشكال التمييز ضد الأمريكيين البيض. وقد عملت منظمته "أمريكا أولا القانونية" على مقاضاة شركات ومؤسسات تعليمية وبرامج حكومية بسبب سياساتها المتعلقة بالتنوع العرقي والجندري.
ميلر والمسلمون
وتحتل معاداة الهجرة من البلدان الإسلامية موقعا بارزا في أفكار ستيفن ميلر، الذي كان أحد أبرز مهندسي قرار ترمب عام 2017 حظر دخول مواطني عدد من الدول ذات الأغلبية المسلمة إلى الولايات المتحدة، فيما عُرف إعلاميا باسم "حظر المسلمين".
ولا تقتصر مواقفه على السياسات الأمنية؛ إذ تكشف مراسلاته مع محرري موقع "بريتبارت"، عن رؤيته للهجرة الإسلامية باعتبارها تهديدا ثقافيا وديمغرافيا.
ففي رسالة بتاريخ 5 سبتمبر/أيلول 2015، اعتبر ميلر أن استقبال الولايات المتحدة للاجئين المسلمين طوال عقود دون إجراءات كافية لاستيعابهم أدى إلى نشوء "جيوب واسعة من التطرف"، وربط بين زيادة أعداد المهاجرين المسلمين وتصاعد الإرهاب، معتبرا في رسالة أخرى أن استقبال مزيد ممن يؤيدون الشريعة الإسلامية سيؤدي إلى مزيد من الإرهاب.
كما كشفت المراسلات عن تواصله مع الناشطة المعروفة بمواقفها المعادية للإسلام باميلا غيلر، وترويجه لمواد إعلامية تحذر من نمو أعداد المسلمين في المجتمع الأمريكي.
وتعود هذه المواقف إلى سنوات مبكرة من حياته، فبحسب جان جيريرو، مؤلف كتاب "مثير الكراهية" عن ميلر وأجندة القومية البيضاء، كتب ميلر عقب تخرجه من الجامعة مقالا جاء فيه أن ما يجعل الدول الإسلامية "فقيرة وفاشلة" هو رفضها أن "تتبنى القيم التي تجعل بلدنا عظيما".
تصور للسلطة يتجاوز ملف الهجرة
وإلى جانب القومية الثقافية، يتبنى ميلر تصورا موسعا لصلاحيات الرئيس، يقوم على أن السلطة التنفيذية تستمد شرعيتها المباشرة من انتخاب الرئيس، وأن الأجهزة البيروقراطية والقضاء لا ينبغي أن يحولا دون تنفيذ برنامجه.
وفي تصريحات أدلى بها أمام البيت الأبيض في مارس/آذار 2025، انتقد ميلر ما اعتبره تركزا للسلطة في يد "البيروقراطية غير المنتخبة" و"القضاء غير المنتخب"، ودافع عن استعادة السلطة التنفيذية الموحدة، معتبرا أن ذلك يمثل استعادة للديمقراطية؛ لأن الناخبين انتخبوا الرئيس لتنفيذ تغييرات سياسية واسعة.
وفي مايو 2025، ذهب ميلر إلى حد الإعلان عن أن الإدارة تدرس تعليق حق المثول أمام القضاء الذي يسمح للمحتجزين بالطعن في قانونية احتجازهم، مستندا إلى الاستثناء الدستوري المتعلق بحالات التمرد أو الغزو. وقد أثار هذا التصريح جدلا واسعا بشأن حدود سلطة الرئيس وحقوق المهاجرين.
ولم تبقَ هذه التصورات مجرد مواقف نظرية، فقد كان ميلر من أبرز الدافعين إلى استخدام قانون "الأعداء الأجانب" الصادر عام 1798 لتسريع عمليات ترحيل مهاجرين فنزويليين، وإلى محاولة تقييد حق الجنسية بالولادة، وهي إجراءات واجهت طعونا دستورية وقضائية.
وامتد تأثيره في الولاية الثانية إلى ملفات خارج الهجرة، ففي يناير/كانون الثاني 2026، دافع عن استخدام القوة الأمريكية في فنزويلا، وعن مطالب ترمب المتعلقة بغرينلاند، مؤكدا في مقابلة مع شبكة "سي إن إن" أن العالم تحكمه "القوة والإكراه والسلطة"، وهي عبارة تلخص تصوره للعلاقات الدولية باعتبارها مجالا لتنافس القوى، لا مجرد نظام تحكمه القواعد والمؤسسات الدولية.
ماذا يعني اختياره بعد هزيمة الجمهوريين؟
تكتسب ترقية ميلر دلالة سياسية إضافية بالنظر إلى نتائج انتخابات الثالث من نوفمبر، التي خسر فيها الجمهوريون أغلبيتهم في مجلسي النواب والشيوخ.
فبدلا من تعيين شخصية جمهورية وسطية تتولى إدارة التفاوض مع الديمقراطيين، اختار ترمب أحد أكثر مستشاريه ارتباطا بالسياسات التي أثارت الجدل خلال ولايته الثانية.
كما يحمل التعيين رسالة إلى الديمقراطيين الذين يستعدون لقيادة الكونغرس الجديد، فقد انتقد النائب الديمقراطي روبرت غارسيا، الذي يُنتظر أن يرأس لجنة الرقابة في مجلس النواب، اختيار ميلر، محملا إياه المسؤولية السياسية عن إجراءات مداهمة المهاجرين والعمليات الأمنية المثيرة للجدل.
وهكذا، فإن أهمية تعيين ميلر لا تكمن في دخوله الدائرة الضيقة لترمب، فهو موجود فيها منذ عقد تقريبا، وإنما في حصوله على موقع تنظيمي قد يسمح له بتوسيع تأثير الأفكار التي دافع عنها طوال مسيرته لتشمل عملية صُنع القرار الرئاسي بأكملها.