مني الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة التي جرت في 3 نوفمبر، بهزيمة أمام الديموقراطيين حتى في معاقلهم التقليدية. ففاز مثلا مرشح ديمقراطي بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية كانساس للمرة الأولى منذ 94 عاما، كما تقدم الديمقراطي جيمس تالاريكو بنحو 12 نقطة على منافسه الجمهوري في تكساس، وهي الولاية الموالية لترامب وحزبه.
وتراجع أداء الجمهوريين في 99% من نحو 2100 مقاطعة شملها فرز معظم الأصوات، مقارنة بنتائج ترامب في انتخابات 2024، وفق إحصاء أجرته رويترز بالتعاون مع “يو أس توداي”.
ويبلغ عدد مقاعد مجلس النواب الأمريكي 435 مقعدا، فاز الديموقراطيون بـ240 منها بشكل رسمي حتى الآن، أما الحزب الجمهوري ففاز بـ147 مقعدا حتى الآن. نفس الشيء بالنسبة مجلس الشيوخ الأمريكي المكون من 100 مقعد، فاز فيه الديموقراطيون بـ54 مقعدا أما الجمهوريون ففازوا بـ44 مقعدا.
ويقول الباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية مصطفى كمال دماني لـ”الشروق أونلاين“: “كان التصويت عقابياً نتيجة تراكم عديد السياسات المناقضة للوعود الانتخابية التي قطعها الرئيس دونالد ترامب، بدءا من تحسين الوضع الاقتصادي ورفع شعار “أمريكا أولاً”، مرورا بفضائح الفساد في ملف إبستين إلى التعريفات الجمركية ودورها السلبي الذي لمسه الناخب الأمريكي، وصولاً إلى تداعيات السياسة الخارجية الأمريكية على الداخل، من العدوان الإسرائيلي على غزة ولبنان، والحرب على طهران، وما رافق ذلك من آثار داخلية. فجعلت هذه التطورات مسألة الإنفاق الدفاعي والجدوى منه محط نقاش عمومي في واشنطن، بالإضافة إلى الالتزام المالي بدعم الاحتلال على حساب الاحتياجات الداخلية الأمريكية، وهي مسائل كانت في السابق ضمن الطابوهات في الأدبيات السياسية الأمريكية. غير أن الانخراط الأمريكي العسكري وكلفته أثارا النقاش بخصوص علاقة واشنطن مع الاحتلال، وهو ما يعد تحولاً لافتاً، كان نتيجة لحالة الاحتقان من السياسات المعتمدة”.
إقرأ أيضا – تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي بسبب الضربة العسكرية الأمريكية على إيران
فألقت الحرب الأمريكية بظلالها على الداخل الأمريكي، لتساهم في رفع أسعار الوقود والتضخم. ووفق استطلاعات نقلتها رويترز، اعتبر قرابة 90% من الناخبين أن تكاليف المعيشة كانت عاملاً مهماً أو حاسماً في تصويتهم، فيما حمّل نحو ثلثيهم ترامب مسؤولية ارتفاع الأسعار.
وامتدت هذه الهزيمة إلى داخل الحزب الجمهوري، مع بروز عديد التباينات داخله حول السياسة الأحادية التي يعتمدها دونالد ترامب.
وشهد الحزب الجمهوري الأمريكي مرحلة من التصدع السياسي والتنظيمي، نتيجة تزايد الخلافات بين التيار الموالي للرئيس دونالد ترامب، المعروف بحركة “ماغا”، والجناح الجمهوري التقليدي.
ويرى دماني أن هذا الانقسام اكتسب أهمية أكبر عقب انتخابات التجديد النصفي، التي خسر فيها الجمهوريون أغلبيتهم في مجلسي الكونغرس، ما فتح الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل قيادة الحزب ومدى استمرار الهيمنة الترامبية عليه.
ويقول الباحث إنه “من شأن حالة التشظي هذه التأثير على الرؤى الحزبية في التفاعل مع مختلف المسائل الدولية، على غرار التنافس الدولي مع بكين، والعلاقة مع موسكو، والعلاقات الأطلسية، وإعادة الانتشار العسكري الأمريكي الخارجي، والعلاقات الأوروبية الأمريكية”.
وعرفت الانتخابات النصفية الأخيرة، كذلك صعود شخصيات مسلمة وعربية ومهاجرة في الكونغرس الأمريكي.
ففاز الديمقراطي عبد الرحمن السيد بمقعد ولاية ميشيغان في مجلس الشيوخ، ليصبح أول مسلم يصل إلى هذه المؤسسة التشريعية الأمريكية، كما تشير تقارير إعلامية إلى انتخاب سبعة مسلمين على الأقل في الكونغرس خلال هذه الانتخابات.
هذا الحضور الشرق أوسطي في المؤسسات الأمريكية، وإن كان تحولاً لافتاً، غير أن دماني لا يرى أنه سيحدث تغيراً جذرياً في السياسة الأمريكية الشرق أوسطية، وذلك لمحدودية التأثير والحسابات والمعادلات داخل منظومة الحكم التي تؤثر فيها أيضاً “الدولة العميقة”.
ويضيف الباحث “لعل النموذج الفرنسي خير دليل؛ فالحضور المغاربي في البرلمان الفرنسي للأعضاء من أصول مغاربية، بل وحتى وزراء في الحكومات الفرنسية المتعاقبة، لم يكن له الأثر المرتقب في تغير السياسة الفرنسية تجاه قضايا الشرق الأوسط. وذلك ما ينسحب على واشنطن، في ظل عديد التشابهات بين النظامين، دون أن يفضي ذلك إلى أي تغير، على الأقل على المستوى المنظور، وإن كان هذا في ذاته تحولاً، رغم محدوديته”.
ويتوقع محدثنا أن يعرف العامان المتبقيان لعهدة ترامب، وبعد انتقال السيطرة على مجلسي الكونغرس إلى الديمقراطيين “إعادة الترتيب الداخلي وتحديد الأولويات، والتي على رأسها حالة التضخم والانفلات المرافق لها على المستوى المعيشي، والمعضلة الطاقوية التي أفرزها المشهد في هرمز، وحالة اللايقين التي تهدد الاقتصاد العالمي والأمن الطاقوي الدولي، وخاصة أن الآثار بدأت تلامس عديد الدول الغربية الحليفة لواشنطن في رسم السياسات العالمية، ما يجعل قدرة واشنطن على الحركة متراجعة في التأثير، وهذا دون أن يعني ذلك أن قرار استئناف الحرب قد أُلغي تماماً”.
فهذه النتائج تجعل قدرة الرئيس أكثر تقييداً وتعطيلاً لحركته، رغم صلاحيته في قرار السلم والحرب، غير أن أي خطوة مقبلة تجعله أكثر عرضة للتصادم مع المساءلة والضغوط، ما يجعله في حالة كبح لاندفاعه هذا، يقول دماني.
إقرأ أيضا – خبراء: الصين وروسيا أكبر المستفيدين من العدوان الأمريكي على إيران
لكن الباحث يلفت أن ذلك “لا يعني ذلك أن السياسة الأمريكية الخارجية ستتغير بشكل راديكالي بالمطلق؛ فالخلافات حول الآليات المعتمدة وطريقة الإدارة والأولوية لا تعني أن الأزمات في الشرق الأوسط ستنتهي، على سبيل المثال. فالمستنقعات الأزمَوية في الشرق الأوسط، كنموذج، معقدة ومتداخلة ومتراكمة، ولا يعني التغير في المشهد الأمريكي بالضرورة تغيراً في مساراتها”.
أما بخصوص التنافس الدولي، فيشير الباحث مصطفى كمال دماني إلى أن “أولوية الحزب الجمهوري هي مجابهة بكين والحد من تصاعدها، بينما يبدو الملف الأوكراني أولوية ديمقراطية. ومنه، يطمح الديمقراطيون إلى عزل موسكو عن التكامل مع بكين من خلال استنزافها في أوكرانيا، بينما المقاربة الجمهورية تقوم على احتواء موسكو على حساب العلاقة مع الاتحاد الأوروبي. وهذا ما برز في الرفع الجزئي للعقوبات الأخيرة على موسكو بقرار من ترامب، وأيضاً من خلال حديث ترامب عن الإنفاق الدفاعي لباقي الأطراف في الأطلسي. وهذا يعكس، بالإضافة إلى طموحه السابق في الهيمنة على غرينلاند، شكل التذبذب والتجاذبات في العلاقات الأمريكية الأوروبية في عهد ترامب.”
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر