كيف ترى إيران فوز الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس الأميركي؟
لم يسبق أن ترقّب المسؤولون الرسميون والرأي العام في إيران نتيجة انتخابات الكونغرس الأميركي بهذا القدر من الاهتمام كما فعلوا هذا العام، في ظل وجود البلدين على عتبة وضعين متناقضين تماماً: مواجهة شاملة واستئناف الحرب، أو اتفاق سلام وإنهاء رسمي للحرب.
ويرى المراقبون والمحللون أن نتيجة الانتخابات الأميركية تؤثر تأثيراً مباشراً على خيارَي الحرب أو السلام.
فوز الديمقراطيين يقلّص احتمال الهجوم؟
يعتقد المسؤولون الإيرانيون أن فوز الديمقراطيين يقلّل من احتمال شنّ هجوم أميركي جديد على إيران — وإن كان لا يلغيه تماماً — ويمنح الفريق الدبلوماسي الإيراني هامشاً أوسع للحصول على تنازلات من واشنطن في أي اتفاق محتمل.
وعلى هذا الأساس، كانت التقديرات باحتمال وقوع هجوم أميركي على إيران مرتفعة قبل الانتخابات، فيما كان الذين يرون احتمال الهجوم بعد الانتخابات مرتفعاً يشترطون فوز الجمهوريين، وهو ما لم يتحقق.
وقد طلبت إيران في مفاوضات الدوحة الأخيرة من الولايات المتحدة رفع العقوبات الاقتصادية والحصار البحري وإطلاق الأموال الإيرانية المجمّدة، مقابل استعداد طهران لإعادة فتح مضيق هرمز خلال يومين وفق شروط جديدة. لكن واشنطن تردّ بأنها غير مستعدة لتقديم أي تنازل لإيران دون الحصول على تنازل نووي مهم، مثل نقل 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب إلى خارج البلاد أو تخفيفه داخلها، وهذا الخلاف يرفع من احتمال تجدد المواجهة بين البلدين.
لا فرق بين الديمقراطيين والجمهوريين
يُصرّ جزء من المسؤولين السياسيين والعسكريين رفيعي المستوى في الجمهورية الإسلامية على عدم وجود فرق بين الديمقراطيين والجمهوريين في عدائهم لإيران، ويكتفون دائماً في تعليقهم على الانتخابات الأميركية بالجملة الشهيرة: "الكلب الأصفر أخو ابن آوى». لكن السياسيين الأكثر واقعية يقولون إن الفارق في السياسة والأداء بين الديمقراطيين والجمهوريين تجاه الجمهورية الإسلامية خلال السنوات الخمسين الماضية واضح ولا يمكن تجاهله، وإن مقاربة طهران بينهما هي في الواقع اختيار بين السيئ والأسوأ.
ويرى هؤلاء السياسيون والخبراء أن الحزبين الأميركيين يسعيان إلى احتواء الجمهورية الإسلامية وإضعافها كقوة إقليمية معارضة لسياسات واشنطن في الشرق الأوسط، ولا يرغبان في الاعتراف بهذا النظام السياسي بوضعه الراهن. لكن الديمقراطيين يعتمدون لتحقيق هذا الهدف أقصى ما يمكن من العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية والإعلامية، بينما يلجأ الجمهوريون إضافة إلى هذه الأدوات إلى الأداة العسكرية والحرب المباشرة. وقد تجاوزوا، على سبيل المثال، في حرب رمضان الخط الأحمر الرئيسي للجمهورية الإسلامية، أي اغتيال قائد النظام، إلى درجة أن فريقاً في إيران يقول إنه لا ينبغي إنهاء الحرب مع أميركا قبل الأخذ بثأر دم آية الله خامنئي. ويستنتج من رسائل ومواقف مجتبى خامنئي، القائد الجديد للجمهورية الإسلامية، أن رأيه أقرب إلى هذا الفريق الأخير.
ثلاثة أسباب لارتياح الرأي العام الإيراني
أما الرأي العام في إيران فيفرح بفوز الديمقراطيين لثلاثة أسباب:
أولاً، لأنه يقلّل من احتمال شنّ هجوم جديد على إيران.
ثانياً، لأن هزيمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإضعافه داخل البنية السياسية الأميركية أمر مريح بحد ذاته للإيرانيين، إذ لا يتمتع ترامب بأي صورة إيجابية لدى الشعب الإيراني.
ثالثاً، لأنه يفتح باب الأمل بأن يؤدي تعزيز أغلبية الديمقراطيين في الكونغرس وفوز مرشح ديمقراطي في الانتخابات الرئاسية عام 2028 إلى تحسن العلاقات بين البلدين. ويعتقد كثير من الناس والخبراء في إيران أنه في عهد الرئيس باراك أوباما لم تتراجع الضغوط الأميركية على إيران فحسب، بل تحسنت أيضاً أوضاع المعيشة والفرص الاقتصادية للإيرانيين بعد الاتفاق النووي بين عامي 2015 و2016. لذلك لا يمكن ولا ينبغي تجاهل الفرق بين الديمقراطيين والجمهوريين، فالانقسامات القائمة بين الحزبين تخلق فرصاً لتحقيق مصالح إيران.
مراجعة محتملة للسياسة الخارجية
وتذهب أقلية من الخبراء في إيران إلى أن المسؤولين في الجمهورية الإسلامية، بعد تجربتي الحربين الأخيرتين مع أميركا وإسرائيل، يبحثون عن فرصة لمراجعة سياستهم الخارجية بما يحافظ على أطر النظام ويخفّض مستوى التوتر مع واشنطن. لكن شخص ترامب والجمهوريين المسيطرين على البيت الأبيض، بمن فيهم وزير الخارجية ماركو روبيو، يشكّلون العقبة الرئيسية. أما تعزيز قوة الديمقراطيين فيفتح المجال أمام تنفيذ هذا النهج الجديد للجمهورية الإسلامية.
ويُعدّ ترحيب المسؤولين الإيرانيين برسالة جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، الذي يتبنّى رغم انتمائه الجمهوري موقفاً أكثر ليونة تجاه إيران مقارنةً ببقية المسؤولين الأميركيين، مؤشراً على وجود هذا التوجه في إيران. ومع ذلك، لا يُلاحظ في المواقف الرسمية، وخاصة الرسائل المكتوبة لمجتبى خامنئي، أي تغيير في السياسة العامة الإيرانية تجاه أميركا.
ردود فعل أولية ورسائل متباينة
في أول ردود الفعل الإيرانية على نتيجة الانتخابات الأميركية، قال بعضهم بسخرية إن دونالد ترامب كان يسعى إلى تغيير النظام في إيران، لكن مع الفوز الساحق للديمقراطيين في مجلسي النواب والشيوخ، حدث هذا التغيير في البنية السياسية الأميركية نفسها! كما رحّب كثير من الإيرانيين بموقف جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، الذي اعتبر أن الحرب مع إيران وارتفاع أسعار البنزين في أميركا ساهما في نفور غالبية الشعب الأميركي من الجمهوريين، وطالب بمراجعة سياسة واشنطن تجاه إسرائيل.
في المقابل، يرى بعض المحللين أنه رغم الهزيمة الثقيلة لترامب والجمهوريين في الانتخابات الأخيرة، لا يمكن الجزم بأن شبح الحرب قد ابتعد عن إيران، فقد يلجأ ترامب، بدافع اليأس أو العناد أو تحت ضغط نتنياهو، إلى فرض حرب شاملة وثقيلة على طهران.
استعداد مزدوج: الرد العسكري والمسار الدبلوماسي
على أي حال، أعدّت القيادة الحاكمة في الجمهورية الإسلامية للخيارين معاً: القوات المسلحة في حالة تأهب للرد على أي هجمات أميركية أو إسرائيلية في حال اندلاع مواجهة جديدة، ويُقال إن إيران قد تستهدف في حال اشتداد القتال قواعد أميركية في بعض الدول الأوروبية أيضاً. وفي الوقت نفسه، يسعى الفريق الدبلوماسي الإيراني عبر الوساطة القطرية إلى إحياء اتفاق إسلام آباد لإعلان إنهاء الحرب.