القصر
العالم العربي

كورونا في ألمانيا.. هل أخفقت السياسة والإعلام في التعامل مع الأزمة؟

محرر العالم العربي 2 5 دقائق قراءة

تيلمان بيتش هو أستاذ علم النفس الاجتماعي والتنظيمي والاقتصادي في جامعة إرفورت بولاية  تورينغن. وهو أول المتحدثين في جلسة الاستماع التي دعت إليها لجنة التحقيق في   جائحة كورونا  في  البرلمان الألماني  والتي شارك فيها خبراء من الأوساط الأكاديمية والإعلامية. وقد سُمح لكل كتلة برلمانية بتعيين خبراء تمثلها.

يبدأ العالِم النفسي بيتش استعراضه للوباء بملاحظة ساخرة: إنه سعيد لأنه لا يعيش في بلد يوصي رئيسه باستخدام المطهرات كعلاج  لفيروس كورونا.

"عندما أمرض أسأل طبيبتي"

ويشير بيتش بذلك إلى الرئيس الأمريكي   دونالد ترامب   الذي نصح خلال ولايته الأولى في بداية الجائحة عام 2020 باتخاذ إجراءات متطرفة مثل   حقن المطهرات. وبعد انتقادات شديدة تراجع ترامب وأراد أن يُفهم نصيحته على أنها سخرية. أما في  ألمانيا  فقد استمعوا إلى العلماء، كما يعرب الخبير بيتش عن سعادته.

"عندما تتعطل سيارتي أستشير فني ميكانيكي للسيارات وعندما أمرض أستشير طبيبتي"، يؤكد بيتش. لكنه ينتقل بعد ذلك إلى نقطة انتقاده الأولى: فقد تم في كثير من الأحيان خلال فترة  جائحة كورونا طمس الحدود الفاصلة بين دور العلم ودور السياسة: "فقد فوض السياسيون المسؤولية إلى العلماء".

كما ينتقد العالم من إرفورت التعامل مع الجائحة باعتباره غير منظم. ولهذا السبب تم إهمال جوانب مهمة: "التنشئة الاجتماعية لأطفالنا والتعليم والاقتصاد وما إلى ذلك". نصيحة بيتش للسياسيين بشأن الأزمات المستقبلية: تحديد الأهداف والتواصل بشأنها وتعديلها عند الحاجة وتبرير القرارات. أما العلم فيجب عليه أن يقول بصوت عالٍ ما هي الحقيقة. "ولكن دون ممارسة تأثير أخلاقي أو معياري".

ما مدى دلالة الأرقام والإحصاءات المجردة؟

يدافع الصحفي وعالم الإعلام مايكل ماين عن فرضية أن "وسائل الإعلام الرائدة" قد دعمت ودفعت بسياسة كانت تهدف إلى تحقيق استعداد عالٍ للتطعيم لدى السكان. واتهمه قائلا: "لقد أذكوا الخوف ونزعوا الشرعية عن الشكوك والاحتجاجات".

بهذا الوصف العام يقف أستاذ علوم الاتصال وحيدا. فقد اتهمه النقاد منذ سنوات بنشر نظريات المؤامرة وأفكار منكري  جائحة كورونا. وقد قامت جامعة لودفيغ ماكسيميليان في  ميونيخ  بولاية  بافاريا  التي درّس فيها ماين لمدة 24 عاما بإحالته إلى التقاعد المبكر في مارس/ آذار 2026.

وفي بيانه المكتوب حول دور وسائل الإعلام في جائحة كورونا ينتقد عدم إخضاع الأرقام والإحصاءات للتدقيق. ويذكر ماين على سبيل المثال سعة أسرة العناية المركزة في المستشفيات ومعدلات إشغالها وانتشار الجسيمات الهوائية  أو المسافة الدنيا التي ينبغي الحفاظ عليها بين الأشخاص.

مزيد من السياق: "كم عدد الأشخاص الذين يموتون بسبب الإنفلونزا؟"

كان عالم الاتصال ماركوس ماورر من جامعة ماينتس يتمنى أيضا توفير مزيد من السياق في التغطية الإعلامية للوباء: "كنا نقرأ كل يوم عن عدد الأشخاص الذين توفوا بسبب  فيروس كورونا. لكننا نادرا ما حصلنا على أي أرقام مقارنة: كم عدد الأشخاص الذين يموتون بسبب   الإنفلونزا؟ كم عدد الأشخاص الذين يموتون بسبب  سرطان الرئة؟ لو كان ذلك متاحا لكان من الممكن فهم كل هذا بشكل أفضل".

كما يوضح ماورر مشكلة يراها هيكلية وهي ما يحدث عندما تضطر وسائل الإعلام فجأة إلى التعامل مع موضوع معقد مثل فيروس كورونا. فالعديد من غرف التحرير تفتقر إلى الوقت وأحيانا إلى الخبرة. وهذا يؤدي إلى اعتمادها بشكل أكبر من المعتاد على المعلومات الواردة من الأوساط العلمية والسياسية. الخلاصة: "كانت وسائل الإعلام في   هذه الجائحة  في الغالب ضمن "فريق الحذر". كانت تؤيد اتخاذ إجراءات صارمة".

هل كانت وسائل الإعلام موالية للحكومة حقًّا؟

في الوقت نفسه يرفض الخبير من ماينتس الادعاء بأن التغطية الإعلامية كانت موالية للحكومة قائلا: "على العكس تماما فقد تعرض جميع المسؤولين والهيئات لانتقادات شديدة. وكلما طال أمد الجائحة ازدادت حدة الانتقادات الموجهة إليهم لأنهم لم يتمكنوا على ما يبدو من إيجاد الحل". ويرى ماورر أن هذا يمثل موقفا متناقضا: "دعت وسائل الإعلام إلى  اتخاذ الإجراءات، لكنها رفضت الحكومة."

كان عالم الاجتماع بيتر فاينغارت يدرّس في جامعة بيليفيلد حتى تقاعده. وهو يرى أن الإجراءات الصارمة التي أثارت جدلا واسعا وفي مقدمتها الإغلاق التام  كانت صائبة. غير أنه يرى أن الخطأ يكمن في الغياب شبه التام أو التأخر في الاستعانة بخبرات متخصصة من مجالات خارج نطاق الطب بمعناه الأوسع. واستنتاجه هو: "كان من الممكن على الأرجح تجنب الندم اللاحق على   إغلاق المدارس في وقت مبكر".

"ليس كل عالم فيروسات خبيرا في فيروس كورونا"

تُعد مسألة من يتحدث ومتى وبشأن أي موضوع ذات أهمية كبيرة أيضا بالنسبة الصحفية المختصة في العلوم كورينا هينينغ من إذاعة شمال ألمانيا. فهي تولي أهمية كبيرة لاختيار الخبراء الذين يتم التحدث معهم  وتعتبر الخبرة عاملا حاسما". بصراحة: "ليس كل عالم فيروسات خبيرا في  فيروس كورونا".

الدروس التي استخلصتها هينينغ من التفاعل بين التواصل العلمي ووسائل الإعلام متنوعة. أولها هو الشفافية: "علينا أن نوضح مرارا كيفية التوصل إلى النتائج العلمية". لكن يجب أيضا الإفصاح عن درجة عدم اليقين.

نداء: لا تشتموا معارضي التطعيم، ولا تهينوا السياسيين

يقول هينينغ إنه يمكن تحديد ظهور المخاوف والشكوك على  وسائل التواصل الاجتماعي  في مرحلة مبكرة. "ومن واجبنا نحن الصحفيات ومجال التواصل العلمي أن نجعل النقاشات أكثر موضوعية بالاعتماد على المعرفة المتخصصة وأن نصحح المعلومات الخاطئة وأن نزود الجمهور بالمعرفة الكافية لاتخاذ قرار فردي مستنير".

هناك نقطة واحدة يتفق عليها الجميع في جلسة الاستماع التي عقدتها لجنة التحقيق الخاصة   بفيروس كورونا  التابعة للبرلمان الألماني: يجب تحسين التواصل بين السياسيين ووسائل الإعلام والأوساط العلمية. يلخص ماركوس ماورر من جامعة ماينتس الأمر على النحو التالي: هناك أسباب وجيهة تدفع الناس إلى رفض تلقي   اللقاح. "في هذه الحالة لا ينبغي توجيه الشتائم إليهم".

لكنه يعتقد أيضا أن العديد من السياسيين حاولوا مساعدة المجتمع على تجاوز هذه الأزمة الصعبة. "ولا ينبغي أيضا أن يُهانوا ويوصفوا بـ"ديكتاتوريي كورونا""، كما يأمل الخبير الإعلامي. "إذا تعلمنا درسا من ذلك فسننجح بالتأكيد في التعامل مع الأمر بشكل رائع في المرة القادمة".

أعده للعربية: م.أ.م

اقرأ النسخة الكاملة