كشف تفاصيل عملية قادش: كيف شكلت مصر تهديدا لإسرائيل وأجبرتها على مواجهة 1956
وسلطت القناة العبرية الضوء على الدور المحوري لمصر في تغيير موازين القوى آنذاك من خلال التسليح وفتح جبهات المواجهة، وما ترتب على ذلك من تداعيات إقليمية لا تزال آثارها ماثلة حتى اليوم.
وقالت القناة 14 الإسرائيلية إن مرور 70 عاما على العملية التي غيرت وجه الشرق الأوسط، يعيد إلى الأذهان الخلفية التي قادت إلى المعركة في سيناء، والتهديدات المصرية، وصفقة الأسلحة التشيكوسلوفاكية، والتعاون مع بريطانيا وفرنسا، وكيفية استعداد الجيش الإسرائيلي للعملية، والإنجازات التي حققها على الأرض، وما قاد إلى الانسحاب من سيناء وقطاع غزة.
وأضافت القناة العبرية أن العملية، المعروفة أيضا باسم حرب سيناء، كانت واحدة من أهم الحملات العسكرية في تاريخ تل أبيب، حيث شن الجيش الإسرائيلي قبل 70 عاما بالضبط عملية واسعة النطاق ضد مصر، على خلفية تسلل عناصر مسلحة، وإغلاق ممرات الملاحة، وتسليح الجيش المصري، وسيطرت قواته خلال أيام قليلة على شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة، إلا أنها اضطرت للانسحاب من الأراضي التي احتلتها بسبب الضغط الدولي.
وأشارت إلى أن الخلفية للحرب تعود إلى منتصف خمسينيات القرن الماضي، حيث واجهت إسرائيل واقعا أمنيا معقدا، وكانت لا تزال مشغولة باستيعاب موجات الهجرة الكبيرة وبناء مؤسساتها، بينما كان جيشها صغيرا ويواجه تحديات أمنية كبيرة بموارد محدودة.
وفي الجنوب، واجهت إسرائيل تسلل مجموعات الفدائيين الذين عملوا برعاية مصرية وتسللوا إلى أراضيها، خاصة من قطاع غزة، لتنفيذ هجمات وعمليات قتل وتخريب في المستوطنات وضد المدنيين، حيث تعرض نحو 1300 إسرائيلي للأذى منذ نهاية حرب الاستقلال وحتى عملية قادش على يد متسللين وخلايا مسلحة جاءت بشكل رئيسي من قطاع غزة والأردن.
وفي الوقت نفسه، قيدت مصر حرية الملاحة الإسرائيلية وأغلقت مضيق تيران، مما أثر على الوصول البحري إلى ميناء إيلات.
من جانبه، شهد الجانب المصري تغييرا كبيرا مع صعود جمال عبد الناصر إلى السلطة عقب ثورة الضباط عام 1952، حيث سعى عبدالناصر إلى ترسيخ مكانة مصر كقائدة في العالم العربي وعمل على تعزيز قوتها العسكرية.
وفي سبتمبر 1955 وقعت مصر صفقة أسلحة كبيرة مع تشيكوسلوفاكيا حصلت بموجبها على كميات هائلة من الأسلحة السوفيتية، مما غير ميزان القوى في المنطقة وزاد من مخاوف إسرائيل من حرب واسعة.
وبموازاة التسليح المصري، تم بناء تعاون عسكري بين مصر وسوريا، وانضمت الأردن لاحقا إلى القيادة العسكرية المشتركة، ورأت إسرائيل في هذه التطورات تهديدا حقيقيا، خاصة في ظل الفجوات في القدرات العسكرية والخوف من حرب على جبهات متعددة في وقت واحد.
وتابعت القناة العبرية تأميم قناة السويس في يوليو 1956 من قبل عبدالناصر، والتي كانت تخضع لسيطرة شركة ذات مصالح بريطانية وفرنسية، أثار أزمة دولية حادة ووضع مصر في مواجهة مباشرة مع بريطانيا وفرنسا اللتين سعتا لاستعادة السيطرة على القناة.
غير أن هذه الأزمة غيرت الوضع السياسي لإسرائيل أيضا، حيث بحثت بريطانيا وفرنسا عن مبرر للتدخل العسكري في مصر، بينما سعت إسرائيل إلى ضرب البنية التحتية العسكرية المصرية، ووقف نشاط الفدائيين، ورفع الحصار عن ممرات الملاحة.
وفي ظل المصالح المشتركة، جرت محادثات سرية بين الدول الثلاث أدت إلى اتفاق سيفر، الذي نص على أن تفشن إسرائيل عملا عسكريا في سيناء، تتبعه بريطانيا وفرنسا بإنذار لمصر وإسرائيل، ثم تتدخلان عسكريا في منطقة قناة السويس، وهي خطة صممت للسماح لبريطانيا وفرنسا بالتحرك ضد مصر مع إيجاد ذريعة لتدخلهما.
وفي مساء 29 أكتوبر 1956، شن جيش الاحتلال عملية قادش، حيث تم في المرحلة الأولى إنزال كتيبة المظليين 890 بقيادة رفائيل إيتان بالقرب من ممر الميتلة في وسط شبه جزيرة سيناء، بينما بدأت قوات أخرى بالتحرك نحو سيناء، وانضم لواء المظليين 202 بقيادة أرييل شارون إلى المعركة.
وكان الإنزال بالقرب من ممر الميتلة جزءا من الخطة لخلق تهديد لقناة السويس وتوفير الذريعة لبريطانيا وفرنسا للتدخل، وتقدمت قوات جيش إسرائيل في الأيام التالية على المحاور الرئيسية في سيناء، في مواجهة القوات المصرية ومنظومات الدفاع المتمركزة في المنطقة.
وفي 30 أكتوبر، وجهت بريطانيا وفرنسا إنذارا لمصر وإسرائيل للمطالبة بإبعاد قواتهما عن قناة السويس، ورفضت مصر المطلب، مما دفع بريطانيا وفرنسا لشن غارات جوية ضد أهداف مصرية، تلاها إنزال قوات بريطانية وفرنسية في منطقة القناة.
وفي الوقت نفسه، واصل الجيش الإسرائيلي تقدمه، وتحركت القوات في شمال ووسط سيناء، بينما عملت ألوية أخرى في جنوب شبه الجزيرة، فتقدم اللواء 9 على طول خليج إيلات نحو شرم الشيخ، بينما عملت قوات أخرى على احتلال قطاع غزة، وبحلول 5 نوفمبر اكتملت السيطرة الإسرائيلية على شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة.
واختتمت القناة تقريرها بالإشارة إلى أن الجيش الإسرائيلي نجح خلال أيام قليلة في السيطرة على مساحات شاسعة، وتوجيه ضربات للقوات العسكرية المصرية، وتفكيك البنية التحتية التي مكنت نشاط الفدائيين من قطاع غزة، حيث سقط خلال الحرب 172 جنديا وإصابة نحو 800 آخرين، معتبرة العملية الحملة العسكرية الأكثر شمولا لجيش الاحتلال حتى ذلك الحين، مما أثبت قدرته على نشر قوات كبيرة والمناورة السريعة في أراض واسعة.
ومع ذلك، لم تترجم هذه الإنجازات العسكرية إلى سيطرة إسرائيلية دائمة على الأراضي المحتلة، حيث مارست الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ضغوطا ثقيلة لوقف القتال وانسحاب القوات الأجنبية من مصر، وطُلب من إسرائيل أيضا الانسحاب من سيناء وقطاع غزة، واكتمل هذا الانسحاب في أوائل مارس 1957.
ورغم الانسحاب، أدت الحملة إلى تغيير كبير في الواقع الأمني في الجنوب، حيث تم نشر قوة طوارئ تابعة للأمم المتحدة في سيناء وقطاع غزة، وأعيد فتح مضيق تيران للملاحة الإسرائيلية، وانخفض نشاط الفدائيين بشكل كبير، كما عززت الحملة من الردع الإسرائيلي وأثبتت قدرات الجيش الإسرائيلي في الساحة الإقليمية.
وتُعرف عملية قادش في التاريخ العربي بحرب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، والتي شنتها إسرائيل بالتنسيق مع بريطانيا وفرنسا ردا على قرار الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس.
ورغم النجاح الضئيل العسكري الميداني لإسرائيل في احتلال سيناء وغزة، إلا أن الضغط الدولي المشترك بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، بالإضافة إلى المقاومة الشعبية المصرية، أجبر القوات المهاجمة على الانسحاب، مما مثل انتصارا سياسيا ومعنويا كبيرا لمصر وعزز مكانة عبد الناصر كقائد بارز في العالم العربي، ومهد الطريق لقرارات لاحقة أبرزها نشر قوات الطوارئ الدولية وفتح المضائق للملاحة.
المصدر: القناة 14 الإسرائيلية