القصر
العالم العربي

قومية الموارد: حين يبدأ الجنوب العالمي باستعادة السيطرة على ثرواته

محرر العالم العربي 2 7 دقائق قراءة

الكاتب: د. محمد عودة

لم يكن فقر كثير من دول الجنوب العالمي نتيجة افتقارها إلى الثروات، بل كان، في جانب أساسي منه، نتيجة نظام اقتصادي عالمي صُمّم لاستنزاف مواردها وإبقائها في موقع المورّد التابع. فمنذ قرون، تُستخرج المعادن والنفط والمواد الخام من أراضيها بأثمان محدودة، ثم تنتقل إلى المراكز الصناعية الكبرى لتتحول إلى منتجات مرتفعة القيمة، قبل أن تعود إلى الدول المنتجة نفسها بأسعار مضاعفة. وهكذا امتلكت هذه الدول الثروة في باطن الأرض، بينما امتلك الآخرون التكنولوجيا والتصنيع والأسواق، واستحوذوا على الجزء الأكبر من العائد والقرار.

لم تكن هذه مجرد معادلة تجارية غير متكافئة، بل شكلاً من أشكال السيطرة الاقتصادية التي جعلت امتلاك الموارد لا يعني امتلاك القوة. فالتبعية الاقتصادية لا تنفصل عن التبعية السياسية؛ إذ يصعب على دولة أن تمتلك قرارها المستقل وهي تعتمد على الخارج في تمويل اقتصادها، وتصنيع مواردها، وتأمين احتياجاتها الأساسية. ومن هنا، فإن التحرر السياسي لا يكتمل بمجرد إعلان الاستقلال ورفع العلم، ما دامت مفاتيح الاقتصاد والثروة والقرار الفعلي في أيدي الآخرين. لكن هذه المعادلة بدأت تواجه تحدياً متزايداً؛ فبعض دول الجنوب لم تعد تقبل أن تظل خزائن مفتوحة لمصانع الآخرين، أو أن تصدّر ثرواتها خاماً ثم تستوردها في صورة منتجات باهظة الثمن. ومن هنا تتقدم «قومية الموارد» بوصفها توجهاً لاستعادة السيادة على الثروة، وانتزاع حق الدولة المنتجة في تحديد كيفية استغلالها وتطوير صناعاتها والحصول على نصيب أكبر من عوائدها.

هذه ليست معركة على ملكية المناجم والحقول وحدها، بل على القرار الاقتصادي والتحكم في موارد المستقبل. فقد أصبحت المعادن الاستراتيجية عناصر أساسية في الصناعات المتقدمة، والتحول في مجال الطاقة، والتكنولوجيا الرقمية والصناعات العسكرية. فالليثيوم والكوبالت والنيكل والنحاس والغرافيت والعناصر الأرضية النادرة تدخل في صناعة البطاريات والسيارات الكهربائية والأجهزة الإلكترونية والتوربينات وأنظمة الاتصالات والتسليح. ومن يسيطر على هذه الموارد ومعالجتها وتصنيعها يمتلك ورقة نفوذ في معادلات القوة والأمن والاقتصاد الدوليين.

في أمريكا اللاتينية، يتجلى هذا التحول في مثلث الليثيوم الذي يضم بوليفيا والأرجنتين وتشيلي، وهي دول تمتلك احتياطيات ضخمة من هذا المعدن المحوري في صناعة البطاريات. لكن امتلاك الاحتياطيات لا يكفي لتحقيق المكاسب؛ فالسؤال يتعلق بمن يستخرج الليثيوم ويعالجه، ومن يمتلك التكنولوجيا اللازمة لتحويله إلى مكونات صناعية، ومن يستحوذ على العائد الأكبر.

لقد أدركت هذه الدول أن استمرار تصدير الليثيوم خاماً أو شبه معالج يعني إعادة إنتاج العلاقة الاقتصادية القديمة. ولذلك تتجه إلى تعزيز دور الدولة في إدارة الموارد، وفرض شروط أفضل على الشركات الأجنبية، وتطوير قدرات المعالجة والتصنيع المحلي. وتختلف التجارب من دولة إلى أخرى، لكن الاتجاه العام يعكس إدراكاً بأن الثروة الطبيعية ينبغي أن تكون مدخلاً لبناء قاعدة صناعية، لا مجرد مصدر للإيرادات الأولية.

ولا يقتصر الأمر على الليثيوم؛ فأمريكا اللاتينية تمتلك النحاس والحديد والنفط والغاز والموارد الزراعية والمائية، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يجعلها ساحة تنافس دولي متصاعد. وفي كولومبيا، كما في دول أخرى في المنطقة، تتداخل إدارة الموارد مع أسئلة السيادة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية ودور الدولة في توجيه الاستثمار. فالمسألة تتعلق بشروط استغلال الثروة وتوزيع عوائدها، وما إذا كانت ستُستخدم لبناء اقتصاد وطني أم ستظل مرتبطة بمصالح الشركات والأسواق الخارجية.

وفي أفريقيا، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً؛ فالقارة التي تمتلك ثروات معدنية هائلة ما زالت تعاني فجوة واسعة بين حجم مواردها وموقعها في الاقتصاد العالمي. ففي جمهورية الكونغو الديمقراطية، يشكل الكوبالت والنحاس ثروة استراتيجية، بينما تمتلك زامبيا احتياطيات مهمة من النحاس، وتبرز زيمبابوي في إنتاج الليثيوم، فيما تمتلك موزمبيق موارد مهمة من الغرافيت. ومع ذلك، لا تزال حصة هذه الدول من التصنيع والتكنولوجيا والعوائد النهائية محدودة قياساً بحجم ثرواتها.

لهذا تتجه حكومات أفريقية إلى مراجعة عقود التعدين، وفرض قيود أو حصص على تصدير بعض المواد الخام، وتشجيع إقامة منشآت للمعالجة والتصنيع داخل بلدانها. والهدف هو الانتقال من زيادة عائدات التعدين إلى بناء قدرات صناعية محلية. غير أن ذلك يتطلب استثمارات طويلة الأجل، وكهرباء مستقرة، وطرقاً وموانئ وسككاً حديدية، وتأهيل الكفاءات، وقدرة تفاوضية تحمي مصالح الدول المنتجة في مواجهة الشركات الكبرى.

أما في آسيا، فتقدم إندونيسيا تجربة لافتة؛ فقد فرضت قيوداً على تصدير خام النيكل، وألزمت الشركات بالاستثمار في المعالجة والتصنيع داخل البلاد، مستفيدة من موقعها بوصفها واحدة من أبرز الدول المنتجة لهذا المعدن. وكان الهدف نقل جزء أكبر من النشاط الصناعي إلى الداخل، وربط الثروة المعدنية بتطوير صناعات البطاريات والمركبات الكهربائية.

وتكشف التجربة أن الدولة المنتجة تستطيع، عندما تمتلك رؤية واضحة وأدوات تفاوض مناسبة، إعادة صياغة شروط العلاقة مع المستثمرين الأجانب. لكنها تحتاج أيضاً إلى الموازنة بين جذب الاستثمار وحماية البيئة، وتوسيع الإنتاج وبناء القدرات المحلية، حتى لا تتحول المصانع الجديدة إلى جزر صناعية معزولة لا تنقل المعرفة ولا ترتبط بالاقتصاد الوطني.

وفي هذا السياق، يبرز الدور الصيني بوصفه أحد العوامل المؤثرة في التحولات الجارية. فالصين لم تكتفِ بتأمين احتياجاتها من المعادن الاستراتيجية، بل بنت منظومة تمتد من التعدين والمعالجة والتكرير إلى التصنيع والتصدير، وأصبحت تمتلك موقعاً متقدماً في إنتاج البطاريات والمركبات الكهربائية والمكونات الإلكترونية. كما تتوسع شركاتها في الاستثمار بمناطق إنتاج المعادن في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، وتقيم منشآت للمعالجة في بعض الحالات، وتدرب عمالة محلية وتنقل قدراً من الخبرة الفنية والتكنولوجية.

لكن نتائج هذه الشراكات تختلف باختلاف شروط العقود وقدرة الدولة المضيفة على التفاوض ومدى ارتباط الاستثمارات ببناء صناعات محلية. فالفارق الحقيقي لا يكمن في جنسية المستثمر، بل في طبيعة العلاقة الاقتصادية معه؛ إذ لا يكفي استبدال شركة غربية بأخرى صينية إذا بقيت الدولة المنتجة خارج دائرة القرار والتصنيع. والشراكة التي تتيح نقل التكنولوجيا وتطوير المهارات تختلف عن استثمار يكتفي باستخراج الموارد ونقلها إلى الخارج.

وتكتسب هذه التحولات بعداً إضافياً مع صعود مجموعة «بريكس»، التي تسعى إلى توسيع التعاون الاقتصادي والمالي بين أعضائها وشركائها، وتقليل الاعتماد على القنوات المالية التقليدية من خلال بنك التنمية الجديد والدفع بالعملات المحلية في المبادلات التجارية. كما تبرز مبادرة الحزام والطريق الصينية، بما تتضمنه من طرق وسكك حديدية وموانئ ومشروعات للطاقة والاتصالات تربط آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتصل مناطق الإنتاج بمراكز التصنيع والأسواق. وتكمن أهمية هذه الأطر والمشروعات في قدرتها على توفير التمويل والربط التجاري والبنية التحتية اللازمة للتصنيع، لا في مجرد تسهيل نقل المواد الخام وتصديرها.

في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى التوسع الصيني في المعادن الاستراتيجية ومصادر الإمداد بوصفه تحدياً لموقعها الاقتصادي والتكنولوجي. ولذلك تعمل على تنويع مصادر التوريد، وتقليل الاعتماد على الصين في بعض المواد الأساسية، وتشجيع الاستثمارات في دول ومناطق بديلة، إلى جانب استخدام أدواتها السياسية والاقتصادية والأمنية لتعزيز نفوذها في مناطق الإنتاج. وتكتسب أمريكا اللاتينية حساسية خاصة في هذا التنافس؛ فهي قريبة جغرافياً من الولايات المتحدة، وتمتلك موارد استراتيجية ضخمة، ولديها تاريخ طويل من الصراع حول السيادة على الثروات والتدخلات الخارجية. وهكذا لا تقتصر المنافسة على تأمين الموارد، بل تمتد إلى التحكم في مسارات نقلها ومعالجتها وتحديد مواقع النفوذ الاقتصادي والسياسي.

غير أن التحدي الأكبر أمام دول الجنوب لا يتمثل في التنافس بين الولايات المتحدة والصين وحده، ولا في اختيار طرف دولي على حساب آخر، بل في امتلاك القدرة على تحويل هذا التنافس إلى فرصة تخدم مصالحها الوطنية. فالدول التي تفتقر إلى استراتيجية واضحة، ومؤسسات قادرة على إدارة الموارد، ورؤية صناعية طويلة الأجل، قد تجد نفسها مرة أخرى في موقع التابع، حتى لو تعددت الجهات المتنافسة على ثرواتها.

وهناك عقبات حقيقية لا يمكن تجاهلها. فبناء الصناعات التحويلية يحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة، وتكنولوجيا متقدمة، وكفاءات بشرية، وطاقة مستقرة، وأسواق قادرة على استيعاب الإنتاج. كما أن ضعف المؤسسات والفساد وغياب التخطيط طويل الأمد قد تفرغ سياسات حماية الموارد من مضمونها، وتفتح الباب أمام احتكار جديد للثروة داخل الدولة نفسها. ولا بد أيضاً من مراعاة الأبعاد البيئية والاجتماعية، حتى لا يتحول التصنيع إلى شكل آخر من استنزاف الأرض والمياه والمجتمعات المحلية.

إن «قومية الموارد» لا تعني الانغلاق أو رفض الاستثمار الأجنبي، بل تعني أن تكون الدولة المنتجة صاحبة القرار في شروط استغلال ثرواتها، وأن توجّه الاستثمار نحو بناء المعرفة والتكنولوجيا والقدرات الإنتاجية. فامتلاك النفط دون تكريره، أو النحاس دون تصنيعه، أو الليثيوم دون تحويله إلى مكونات للبطاريات، لا يحقق للدولة القوة الاقتصادية التي تتيحها هذه الموارد. والمطلوب هو إقامة شراكات لا تنتزع القرار من الدولة المنتجة، بل تساعدها على الانتقال من موقع المورّد إلى موقع الشريك وصاحب القرار.

إن نجاح هذا التحول لا يقتصر أثره على الاقتصاد، بل يمتد إلى التحرر السياسي؛ فامتلاك الدول قرارها في مواردها وأدوات إنتاجها يوسّع قدرتها على مقاومة الضغوط الخارجية، وحماية استقلالها، والمشاركة في صياغة نظام دولي أكثر توازناً، بدلاً من البقاء أسيرة لمراكز النفوذ ومصالح القوى الكبرى.

فالمعركة لم تعد على من يملك الثروة في باطن الأرض فحسب، بل على من يملك القوة والقرار فوقها. ومن لا يملك القرار في موارده، لا يملك استقلاله كاملاً، وسيظل يمول نهضة الآخرين بثرواته، فيما يُحرم من صناعة مستقبله.

اقرأ النسخة الكاملة