التحركات والتطورات الدبلوماسية الأخيرة في أوروبا وأمريكا تشير إلى تسارع الجهود الدولية لإطلاق مسار تفاوضي جديد لإنهاء حرب أوكرانيا، وسط حديث متزايد لا يقتصر على وقف القتال، بل يمتد إلى إعادة رسم الترتيبات الأمنية في أوروبا. وفيما يستعد مفاوضون من أوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة لعقد محادثات في أبوظبي الأسبوع المقبل، تثير التصريحات الأمريكية الأخيرة تساؤلات أوروبية متزايدة بشأن طبيعة التسوية المطروحة ودور أوروبا فيها.

وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عقب لقائه المبعوث الروسي كيريل ديميترييف في البيت الأبيض، أنه يتوقع التوصل إلى اتفاق "كبير للغاية" مع روسيا يتجاوز حدود الأزمة الأوكرانية. وقال للصحافيين: "لا أستطيع أن أخبركم ما الذي ناقشته. لكنني أقول لكم فقط إنه سيكون هناك اتفاق، وسيكون اتفاقا كبيرا". وأضاف: "سيكون كبيرا للغاية. وسيشمل ما هو أكثر من أوكرانيا، بل يمكنني القول إنه قد يشمل أوروبا بأكملها. سيكون اتفاقا كبيرا والجميع سيكونون سعداء".

وأثارت هذه التصريحات مخاوف الأوروبيين من احتمال ممارسة ترامب ضغوطا على كييف للقبول بتسوية لا تلبي جميع مطالبها، كما زادت التكهنات بشأن استعداد واشنطن للنظر في بعض المطالب الروسية المرتبطة بالنفوذ العسكري والأمني في القارة الأوروبية، خاصة بعد تصريحات سابقة لترامب ألمح فيها إلى إمكانية سحب قوات وتقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا.

من جانبهم شدد المسؤولون الأوروبيون على أن أي تسوية للحرب يجب أن تتم بمشاركة أوكرانيا وأوروبا. حيث طالب وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول بأن يكون لأوروبا دور محوري في المفاوضات بشأن مستقبل أوكرانيا، وذلك قبل المحادثات المقرر عقدها في أبو ظبي. وقال فاديفول اليوم الجمعة (السادس من نوفمبر/ تشرين الثاني 2026) قبل مغادرته إلى وارسو للقاء نظرائه في مجلس دول بحر البلطيق إن الحكومة الألمانية تتمسك بـ"مبدأ لا يقبل التغيير، وهو أنه لا يجوز اتخاذ قرارات بشأن مستقبل أوكرانيا دون مشاركة أوكرانيا، ولا بشأن أمن أوروبا دون مشاركة أوروبا". وقال إن "مستقبل تعايشنا في أوروبا يتقرر في أوكرانيا".

ودعا فاديفول إلى مواصلة الضغط على موسكو مع الاستمرار في دعم كييف سياسيا وماليا، معتبرا أن تحقيق سلام مستدام وأمن أوروبي دائم لا يمكن أن يتحققا من دون هذا النهج. وفي هذا الإطار، أعلنت ألمانيا تقديم 200 مليون يورو إضافية لدعم قطاعي الطاقة والتدفئة في أوكرانيا، إلى جانب المساعدات الإنسانية.

تباينات داخل المعسكر الأوروبي

يتبنى حلف شمال الأطلسي موقفا مشابها، إذ أكد أن المشاورات التي جرت في بروكسل بمشاركة مسؤولين من الحلف والولايات المتحدة وأوكرانيا وعدد منالدول الأوروبية هدفت إلى الدفع نحو إنهاء الحرب. كما أشار المبعوث الأمريكي غاريد كوشنر إلى إجراء "محادثات بناءة" بين الولايات المتحدة والحلف وأوكرانيا وشركاء أوروبيين، تمهيدا للمفاوضات المقررة في أبوظبي.

وقالت متحدثة باسم الحلف إن المحادثات التي عُقدت الخميس في بروكسل بمشاركة مسؤولين من حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة وأوكرانيا ودول أوروبية "استندت إلى مناقشات مثمرة جرت في ميامي وأوسلو، وسعت إلى إحراز تقدم نحو إنهاء الحرب في أوكرانيا بطريقة عادلة ودائمة".

في الوقت نفسه، كشفت التطورات والتصريحات الأخيرة لمسؤولين أوربيين، عن تباينات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن إدارة الملف التفاوضي بشأن أوكرانيا. وفي هذا السياق وجهت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني انتقادات حادة لما وصفته بـ"التخبط" الأوروبي، معتبرة أن تعدد المبادرات واللقاءات بصيغ مختلفة يضر بمصداقية الاتحاد الأوروبي ويضعف قدرته على التأثير في مجريات المفاوضات.

وكتبت ميلوني في رسالة إلى رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا: "كل هذا يوحي أننا أناس يفتقرون تماما إلى المصداقية في إدارة ملف هو من الملفات الأكثر تعقيدا التي تواجهها دولنا". وأضافت: "أنا على يقين أننا ندرك جميعا أن إظهار أوروبا بمظهر من يتحرك بشكل غير منسق، لا يخدم سوى مصالح أولئك الذين يريدون استمرار هذه الحرب".

تعزيز الدعم الأوروبي الاقتصادي لأوكرانيا

وطالبت ميلوني قادة الاتحاد الأوروبي بحسم مسألة التمثيل الأوروبي في أي مفاوضات مستقبلية، وتحديد الجهة المخولة للتحدث باسم الاتحاد وصلاحياتها. وقالت: "إن المضي قدما في حالة من التخبط، مع مبادرات تتوالى وتتداخل في ما بينها، لن يساعدنا في تعاملنا مع شركائنا، ولا مع أولئك الذين نحتاج إلى إقناعهم بوضع حدٍّ لهذا العدوان العبثي". وأضافت: "بدون ذلك، أخشى أن نخاطر بجعل أوروبا من دون أي تأثير يذكر في مسار المفاوضات".

من جانبه، أبدى رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا تفهما لموقف ميلوني، مؤكدا أن "أوروبا بحاجة إلى التحرك بتناغم ووحدة وعزيمة"، وأن مصالح الاتحاد الأوروبي يجب أن تمثل عبر مؤسساته بصورة تضمن إيصال موقف موحد ودعم أوكرانيا بفاعلية، وتعهد كوستا بطرح هذه المسألة في الاجتماع المقبل لقادة الاتحاد الأوروبي.

وقال في رسالته التي نشرها مكتبه "ينبغي تنظيم مشاركة الاتحاد الأوروبي على نحو يتيح له إيصال رسالة واضحة وموحدة والدفاع عن مصالحه ودعم أوكرانيا". وتسعى أوروبا منذ فترة طويلة إلى أداء دور أكثر فاعلية في المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا.

وبالتوازي مع هذه التحركات الدبلوماسية، يواصل الاتحاد الأوروبي تعزيز دعمه الاقتصادي والعسكري لكييف. فقد أعلنت المفوضية الأوروبية صرف دفعة جديدة بقيمة 4,36 مليار يورو ضمن برنامج دعم أوروبي تبلغ قيمته الإجمالية 90 مليار يورو للفترة 2026-2027. وتتوزع الدفعة بين 3,7 مليار يورو لدعم ميزانية الدولة الأوكرانية و658 مليون يورو لتمويل مشتريات عسكرية.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين: "في الوقت الذي تواصل فيه روسيا هجماتها المتواصلة بلا هوادة، تستعد أوكرانيا لاستقبال خامس شتاء لها منذ اندلاع الحرب. وبينما تتواصل الجهود الرامية إلى تحقيق سلام عادل ودائم لأوكرانيا، يواصل الاتحاد الأوروبي تقديم دعمه الثابت لها".

وتعكس هذه التطورات والتحركات النشطة، الحذر والترقب لمحادثات أبوظبي الثلاثية، التي قد يمكن أن تؤدي إلى مفاوضات أكثر جدية وعمقا.