بإحياء المغرب الذكرى الأولى لعيد الوحدة في سياق دولي متسارع، تزامنت المناسبة مع جلسة حاسمة لمجلس الأمن وبلاغ للديوان الملكي صدر أمس الجمعة، راسما منعطفات وتطورات جديدة.

وبين مكتسبات سنةٍ مرّت على قرار مجلس الأمن الصادر في 31 أكتوبر 2025 ومآلات ولاية البعثة الأممية، يقدم خبيران قراءتين متقاطعتين لِمَا جرى وما ينتظر الملف من آفاق تصب لفائدة دبلوماسية المغرب وتكريس سيادته على أقاليمه الجنوبية، حسب ما استقته جريدة هسبريس الإلكترونية.

وضعية مُريحة

قال الموساوي العجلاوي، الأكاديمي والخبير المختص في ملف الصحراء، إن الاحتفال بعيد الوحدة ارتبط دائما بالاحتفاء بالتاريخ؛ بدءا من المسيرة الخضراء التي جاءت غداة صدور الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، وهو الرأي الذي سَبَق إدخال قضية الصحراء إلى مجلس الأمن بطلب إسباني في أكتوبر 1975.

وفي تصريح لهسبريس، أضاف العجلاوي أن “الصدفة شاءت أن يصدُر في أكتوبر 2025 قرار لمجلس الأمن يؤكد البحث عن حل سياسي على قاعدة الحكم الذاتي. واعتبر المغاربة جميعا هذا القرار نهاية لمرحلة امتدت منذ سبعينيات القرن الماضي، فصار الاحتفال احتفاء بمرحلة تنتهي وأخرى تبدأ”.

وسجل أن هذه المرحلة الجديدة جسّدها تقرير أنطونيو غوتيريس، الأمين العام للأمم المتحدة، المنشور في فاتح أكتوبر 2026، وإحاطة المبعوث ستافان دي ميستورا أمام مجلس الأمن يوم 8 أكتوبر.

ووضّح المتحدث عينه أن غوتيريس ودي ميستورا “قد وَضَعَا النزاع في صيغة جديدة تقوم على الحل السياسي بقاعدة الحكم الذاتي، وعلى طلب تفصيل المبادرة المغربية لسنة 2007 وتحيينها بعد ثلاث جولات من المفاوضات.

وفي قراءته لجلسة مجلس الأمن الأممي لـ30 أكتوبر، لاحَظ الخبير المغربي المختص في قضية الصحراء أن “الرباط وجدت نفسها في وضعية مريحة؛ لأن بعثة “المينورسو” تنتهي ولاية مهمتها عند منتصف الليل بتوقيت نيويورك.

وزاد شارحا للجريدة: “وهذا ما كان يريده المغرب؛ إما تغيير البعثة، وإما إنهاءها نهائيا بعدما لم تعُد مهامها السبع الموروثة عن 1991 قائمة، كما أوضح مندوب الولايات المتحدة حين استعرض المحطات التاريخية للملف.

وسجّل أن “روسيا استعملت لأول مرة حق النقض ضد مشروع أمريكي، وأن مداخلات الدول المؤيدة جاءت قوية قانونيا وسياسيا وجيوسياسيا؛ فيما ظهرت عزلة موسكو داخل المجلس”.

وخلص العجلاوي إلى أن انتهاء ولاية “المينورسو” يعني انتهاء الاتفاق العسكري رقم واحد؛ وبالتالي زوال المنطقة العازلة شرق الجدار الرملي وغربه، فيصبح المغرب عسكريا في حلّ من أمره. غير أن بلاغ الديوان الملكي أكد في فقرته الأخيرة “احترام وقف إطلاق النار، لأنه مبرم مع الأمين العام ولم تُوجَّه إليه رسالة رسمية بالانسحاب منه”. وتساءل عما إذا كان المغرب سيعيد رسم توزيعه العسكري في الأقاليم الجنوبية، مشيرا إلى أن “البلاغ أبقى الباب مفتوحا للعلاقات الثنائية مع إسبانيا والجزائر وموريتانيا”.

“انسداد مزدوج”

أكد محمد نشطاوي، أستاذ القانون والعلاقات الدولية ورئيس مركز ابن رشد للدراسات الجيوسياسية وتحليل السياسات، أن “احتفال المغرب بـ’عيد الوحدة’ يتزامن مع منعطفات مفصلية داخل مجلس الأمن. فقد استخدمت روسيا حق النقض ضد المشروع الأمريكي، واستخدمته واشنطن ضد المشروع الروسي؛ وهو ما أفضى إلى “انسداد مزدوج” خلّف، وفقه، “فراغا قانونيا ومؤسساتيا بالغ الخطورة”.

وأوضح نشطاوي، في تصريح لجريدة هسبريس، أن انتهاء الولاية القانونية للبعثة يجرّدها من أي تفويض أو غطاء، ما لم يُتوصل إلى قرار توافقي بديل. ويرفع ذلك السند الشرعي عن أزيد من 220 مراقبا عسكريا، وعن مراقبة وقف إطلاق النار المعتمد بالقرار 690 لسنة 1991.

ويُلزم الأمين العام، تطبيقا للمادة 98، بتجميد العمليات وإجلاء الأفراد إلى مناطق آمنة؛ “وهو ما ينسجم مع بلاغ الديوان الملكي بأن المغرب غدَا في حِلٍّ من قرارات المجلس”.

وحصر المصرح عينه الخيارات الإجرائية المطروحة في الساعات المقبلة في ثلاثة مسارات؛ أوّلها دعوة الرئاسة اليونانية للمجلس إلى مشاورات مغلقة وفورية، يقود فيها الوسطاء، ولا سيما بريطانيا وسيراليون، صياغة نص توفيقي ثالث يعتمد الحكم الذاتي حلا واقعيا مع الإبقاء على مسمى البعثة. والمسار الثاني يكمن في “تمديد تقني قصير بين 7 أيام و15 يوما بقرار خالٍ من أي حمولة سياسية خلافية، لفسح المجال لاستكمال التفاوض”.

أما المسار الثالث فهو: “نقل الملف إلى الجمعية العامة إذا استمر الانسداد أكثر من 15 يوما”، حيث يحق لواشنطن تفعيل قرار “الاتحاد من أجل السلام” رقم 377 لعقد دورة استثنائية طارئة. وبما أن الجمعية العامة لا تعرف “الفيتو” وتقرر بالأغلبية، فبإمكانها إصدار قرار سياسي يكرس الحكم الذاتي أرضية وحيدة؛ وهو ما سيشكل ضغطا دبلوماسيا بالغا على الجزائر بالنظر إلى الإجماع الواسع الذي يحظى به الطرح المغربي لدى أغلب الدول الأعضاء.

وشدد المحلل عينه على أن “ما شهدته أروقة الأمم المتحدة ليس انتكاسة للمغرب، وإنما إعلانٌ لشلل منظومة مجلس الأمن”، وأن المستفيد الأول هو الواقع الميداني الذي تبسط فيه المملكة سيادتها الكاملة.

وختم نشطاوي لافتا الانتباه إلى أن “المينورسو” فقدت، عمليّا، مبرّر وجودها “بعد سقوط فرضية الاستفتاء بالتقادم”، باعتراف السفير الأمريكي بالأمم المتحدة مايك والتز؛ “وهو ما يحوّل المسار إلى انتصار يكرس نهاية مهام البعثة، ويثبت الحقائق الثابتة على الأرض”.