القصر
العالم العربي

في دير ويستمنستر هيكل غامض بتابوت روماني.. هل كُشفت هويته؟

محرر العالم العربي 4 5 دقائق قراءة

(CNN) -- أثار تابوت حجري يعود لقرون، اكتُشف قبل أكثر من 150 عامًا في دير وستمنستر بلندن، سؤالًا ظل بلا إجابة حتى اليوم: من يرقد في داخله؟ 

وعثر علماء الآثار الآن، على أدلة تُشير إلى شخصية مرموقة من العصور الوسطى، لم تكن صاحبة القبر الأصلية.

وأظهرت أبحاث سابقة أنّ التابوت يعود إلى العصر الروماني، وتحديدًا إلى القرن الرابع الميلادي، ويحمل نقشًا لاتينيًا من ثلاثة أسطر أُهدي "لذكرى فاليريوس أماندينوس". وتُشير جودة التابوت إلى أنّ أماندينوس كان على الأرجح شخصية بارزة في لندن، لكن لا تتوافر معلومات حول حياته أو إنجازاته.

لكنّ صليبًا محفورًا على غطاء التابوت، بطول 1.8 متر، يعود طرازه إلى أواخر العصر الأنغلوسكسوني، يُرجّح أنه أُضيف بعد صنع التابوت بستة قرون بالحد الأدنى. وأثار وجوده شكوكًا حول عمر الهيكل العظمي وهوية صاحبه، وفقًا لوارويك رودويل، عالم الآثار الاستشاري في دير وستمنستر.

وأعاد رودويل فحص الرفات، وخلص إلى أنّ صاحب التابوت كان على الأرجح راهبًا أو رئيسًا للرهبان في الدير خلال العصور الوسطى. ونشر نتائجه بمجلة "Journal of the British Archaeological Association" في 20 أكتوبر/تشرين الأول.

واكتشف عمّال القبرَ للمرة الأولى داخل الدير عام 1820. وخلال أعمال التنقيب، حطّموا غطاء التابوت إلى ست قطع، وألحق تعاملهم الخشن به أضرارًا في الجمجمة. كما جُمعت العظام في كومة وتركت مبعثرة، وربما عبث بها لصوص أثناء بقاء الغطاء مفتوحًا. وبعد ذلك، أُعيد دفن التابوت ومحتوياته من دون توثيقها أو دراستها.

أُعيد اكتشاف التابوت عام 1869، خلال أعمال ترميم، ونُقل من المنطقة الشمالية للدير إلى الرواق الشرقي. ووفقًا للدراسة، كتب تشارلز ديكنز الابن، أكبر أبناء الروائي الشهير، عن مشاهدته التابوت في الدير عام 1879.

ونُقل التابوت لاحقًا إلى قاعدة البرج الشمالي الغربي للدير، واستغرقت العملية أكثر من 36 ساعة بسبب ثقله.

تعرّف رودويل إلى تاريخ التابوت للمرة الأولى عام 2009. وعندما علم أن تنظيفه وترميمه مقرران عام 2016، تمهيدًا لعرضه في صالات جديدة كان الدير يعمل على إنشائها، انتهز الفرصة النادرة لإعادة فحص هذا القبر الغامض.

وقال رودويل لـCNN: "رأيت في ذلك فرصة لإعادة فحص التابوت ومعرفة ما بداخله، إن كان هناك شيء أصلًا، بعدما بَقِيَ مغلقًا لأكثر من 150 عامًا".

تحديد هوية رئيس الرهبان

وجد رودويل أنّ العظام لا تزال متداخلة داخل التابوت، المنحوت من كتلة واحدة من الحجر الجيري، ويبلغ طوله نحو مترين، فيما متوسط سماكة جدرانه 10 سنتيمترات.

وكان الهيكل العظمي مكتملًا بنسبة 90% تقريبًا، كما أُعيد تركيب الجمجمة عندما فُتح التابوت للمرة الأخيرة عام 1869، وفقًا للدراسة.

وأظهر تحليل العظام أن الرفات تعود إلى رجل توفي عن عمر يتراوح بين 35 و49 عامًا، فيما حدّد التأريخ بالكربون المشع أن عظامه تعود إلى الفترة ما بين العامين 987 و1052 ميلاديًا. وكانت أسنانه بحالة جيدة، ورغم وجود آثار لكسور التأمت والتهاب المفاصل والنقرس في بعض العظام، لم تظهر أي علامات على مرض خطير أو إصابة قد تكون سببًا لوفاته.

وعندما أخرج الباحثون الهيكل العظمي وأزالوا التربة والأنقاض من التابوت، عثروا على نحو مفاجئ على بقعة مستطيلة من الجير، وهي مادة كان يُعتقد أنها تسرّع التحلّل وتحاصر ما كان يُسمى "الأبخرة السامة"، التي رُبطت خطأً بالأمراض.

وأوضح رودويل أنّ شكل البقعة يُشير إلى أنّ الجثمان وُضع داخل تابوت خشبي مستطيل، مُلئ بالجير قبل وضعه داخل التابوت الحجري. وأضاف: "لم يكن أحد يتوقع ذلك، وقد تحلّل التابوت الخشبي بالكامل".

وأشار إلى أن تغطية الجثامين بالجير كانت ممارسة نادرة في العصور الوسطى، واقتصرت عادةً على المدافن المخصصة لشخصيات رفيعة المكانة.

دفعت هذه القرينة، إلى جانب الصليب المنقوش على التابوت، الباحثين إلى ترجيح أن الهيكل العظمي يعود إلى رجل ذي مكانة رفيعة، وعلى الأرجح رئيس دير وستمنستر.

وظهرت شخصيتان تاريخيتان مرشحتان من تلك الفترة: ألفويغ، الذي تولى رئاسة الدير بين عام 993 ونحو عام 1020، وولفنوت، الذي تولى المنصب عام 1020. وترجّح الدراسة أن ألفويغ هو المرشح الأقوى قليلًا، إذ عُرف بأنه كان راهبًا في وستمنستر قبل توليه رئاسة الدير، ما قد يُفسّر ارتباطه الوثيق بالكنيسة.

وقال رودويل: "لم تحسم أي قرينة الأمر، بل تطلّب الأمر جمع الأدلة المختلفة وموازنتها".

إعادة استخدام الآثار القديمة

لكن لماذا دُفن رئيس دير مرموق في تابوت روماني سبق استخدامه؟ يرى رودويل أن ذلك قد يكون في حد ذاته تعبيرًا عن مكانته الرفيعة.

وقال: "في أواخر العصر الأنغلوسكسوني، كان العثور على توابيت حجرية أمرًا صعبًا، إذ كانت صناعة هذه التوابيت قد اندثرت. وكان الحصول على تابوت حجري مستعمل يُعد مكسبًا ثمينًا".

وأضاف أن هذه التوابيت كانت تحظى بتقدير كبير، مشيرًا إلى أنّ رهبانًا بريطانيين من دير في إيلي سافروا في القرن السابع إلى مقبرة رومانية في كامبريدج، ونبشوا تابوتًا حجريًا لنقله ودفن رئيسة ديرهم الراحلة إثيلثريث فيه.

ومن الأمثلة الأخرى على إعادة استخدام التوابيت الحجرية، تابوت روماني فخم يعود إلى القرن الرابع، ويُعرض حاليًا في متاحف الفاتيكان، ويُعتقد أنه يضم رفات هيلانة، والدة الإمبراطور قسطنطين الكبير، وفقًا للدكتور سايمون روفي، أستاذ علم الآثار في العصور الوسطى بجامعة وينشستر البريطانية. ويُرجّح أنّ التابوت صُنع أصلًا لرجل، إذ نُقشت عليه مشاهد عسكرية لجنود رومانيين يدوسون بأقدامهم البرابرة.

وقال روفي، غير المشارك في الدراسة الجديدة، لـCNN، إنه لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم دوافع وأسباب إعادة استخدام المقابر والتوابيت الوثنية خلال الحقبة المسيحية في العصور الوسطى.

ورغم أن ألفويغ، رئيس الدير، ليس شخصية معروفة على نطاق واسع، فإن هذا الاكتشاف نجح في حل لغز حيّر الباحثين منذ العام 1869، وسدّ فجوة مهمة في تاريخ دير وستمنستر خلال العصر الأنغلوسكسوني، الذي وصفه رودويل بأنه "أهم كنيسة في بريطانيا".

اقرأ النسخة الكاملة