ويأتي إحياء هذه المناسبة هذا العام في ظل واقع بالغ الخطورة يواجهه الصحفيون الفلسطينيون، ولا سيما منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث تصاعدت وتيرة الانتهاكات واتسعت أشكالها، في مشهد يعكس استهدافا متواصلا للصحفيين والمؤسسات الإعلامية، وسط غياب المساءلة الفعلية عن الجرائم المرتكبة بحقهم. ولم تعد المخاطر تقتصر على الاعتداءات الفردية أو منع التغطية الصحفية، بل امتدت لتشمل القتل والتدمير والاعتقال والتعذيب واستهداف المنازل والمقار الإعلامية، بما يهدد قدرة الصحفيين على أداء عملهم، ويقوض حق المجتمع في معرفة ما يجري على أرض الواقع.

ووفقا لتوثيق مركز مدى، فقد بلغ عدد الانتهاكات المرتكبة بحق الصحفيين والمؤسسات الإعلامية الفلسطينية منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى نهاية أيلول/سبتمبر 2026، ما مجموعه 2542  انتهاكا، من بينها 314  حالة قتل بحق صحفيين وعاملين في الإعلام، شكلت نحو 12% من إجمالي الانتهاكات، إضافة إلى 372 اعتداء جسديا، و7 حالات تعذيب وإساءة معاملة، و138 حالة اعتقال، و209 حالات احتجاز.

كما وثق المركز خلال الفترة ذاتها 582 حالة منع تغطية، و404 حالات استهداف بهدف منع التغطية الصحفية، أي ما يقارب 39% من مجمل الانتهاكات، وهو ما يعكس حجم القيود المفروضة على العمل الصحفي، ويشير إلى نمط متواصل من الممارسات التي تحول دون نقل الوقائع وتوثيق الأحداث وإيصال المعلومات إلى الجمهور. ولا تقتصر خطورة هذه الممارسات على حرمان الصحفيين من ممارسة مهنتهم، بل تمتد إلى المساس بحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات، وإضعاف قدرة وسائل الإعلام على أداء دورها الرقابي والمهني.

ولم يقتصر الاستهداف على الصحفيين أثناء أداء عملهم الميداني، بل امتد إلى أماكن إقامتهم ومصادر أمنهم واستقرارهم، إذ وثق مركز مدى 120  حالة قصف وتدمير لمنازل صحفيين في قطاع غزة، كليا أو جزئيا، إلى جانب 43  حالة إغلاق أو تدمير لمؤسسات إعلامية، و31  حالة دهم واقتحام لمقار مؤسسات إعلامية. وتعكس هذه المعطيات أن الأضرار لم تطل الأفراد وحدهم، وإنما امتدت إلى البنية التحتية للقطاع الإعلامي، وما يترتب على ذلك من إضعاف قدرته على الاستمرار في العمل وتقديم التغطية الصحفية.

ويرى مركز مدى أن خطورة هذه الأرقام لا تكمن في حجمها فحسب، بل في تعدد أشكال الانتهاكات وتداخلها، وفي ما تكشفه من آثار تتجاوز الضحايا المباشرين إلى البيئة الإعلامية والمجتمع بأكمله. فقتل الصحفي أو اعتقاله، وتدمير مؤسسته أو منزله، ومنعه من التغطية، كلها ممارسات تؤدي إلى تقويض حرية الصحافة، وتحد من تدفق المعلومات، وتحرم الجمهور من حقه في الاطلاع على الوقائع، ولا سيما في أوقات النزاعات والحروب التي تزداد فيها الحاجة إلى إعلام مستقل قادر على نقل الحقيقة.

إن استمرار هذه الانتهاكات دون تحقيقات مستقلة وشفافة أو إجراءات مساءلة ومحاسبة جدية يكرس مناخ الإفلات من العقاب، ويبعث برسالة خطيرة مفادها أن استهداف الصحفيين يمكن أن يمر دون تبعات قانونية، فالمساءلة ليست مجرد استجابة لاحقة للجرائم، بل تمثل أحد الشروط الأساسية لمنع تكرارها، وضمان عدم تحول استهداف الصحفيين إلى ممارسة يمكن الاستمرار فيها دون رادع.

ويشدد مركز مدى على أن توثيق الانتهاكات، على أهميته، لا ينبغي أن يكون الغاية النهائية، بل يجب أن يشكل أساسا لمسار متكامل يفضي إلى التحقيق والملاحقة القضائية والإنصاف. فحفظ الأدلة، والتحقق من الوقائع، وتوثيق شهادات الضحايا والشهود، وتحديد المسؤوليات، كلها خطوات لا تكتسب أثرها الكامل ما لم تترجم إلى إجراءات قانونية ومؤسسية تضمن محاسبة المسؤولين وجبر الضرر، وتحول دون تكرار الجرائم.

كما أن التعامل مع الجرائم المرتكبة بحق الصحفيين باعتبارها حوادث منفصلة أو وقائع معزولة من شأنه أن يحجب طبيعة النمط الأوسع للانتهاكات وآثارها على العمل الإعلامي. ومن هنا تبرز أهمية اعتماد مقاربة شاملة للمساءلة، تأخذ في الاعتبار القتل والاعتداءات والاعتقال ومنع التغطية واستهداف المؤسسات والمنازل، وتربط بين توثيق كل واقعة وفهم سياقها والآثار المترتبة عليها.

وفي هذا السياق، يؤكد مركز مدى أن المجتمع الدولي، بما يشمل الأمم المتحدة وآلياتها المختصة، والمؤسسات الحقوقية الدولية، والدول الأطراف في الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، يتحمل مسؤولية في اتخاذ خطوات عملية تتجاوز بيانات الإدانة والتعبير عن القلق. ويتطلب ذلك استخدام الآليات القانونية والدبلوماسية المتاحة، وممارسة ضغط جدي لضمان إجراء تحقيقات مستقلة، ومتابعة نتائجها، وعدم السماح بإغلاق الملفات أو تمييعها أو إبقائها دون نتائج ملموسة.

وبمناسبة اليوم العالمي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، يجدد مركز مدى مطالبته بما يلي:

  1. فتح تحقيقات دولية مستقلة وجادة في جرائم قتل الصحفيين، وضمان جمع الأدلة وتحديد المسؤوليات ومحاسبة مرتكبيها، خاصة في حالات القتل الجماعي.
  2. ضمان حماية الصحفيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ووقف الاعتداءات والاستهداف المباشر، وكفالة حرية تنقلهم ووصولهم إلى مواقع الأحداث لأداء عملهم دون تهديد أو عرقلة.
  3. وقف سياسات منع التغطية والاستهداف الهادف إلى تعطيل العمل الصحفي، وضمان حق الصحفيين في التغطية الميدانية ونقل المعلومات دون قيود أو تضييق.
  4. الإفراج الفوري عن الصحفيين المعتقلين والمحتجزين، ووقف التعذيب وسوء المعاملة، وضمان حقوقهم القانونية والإنسانية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات بحقهم.
  5. حماية المؤسسات الإعلامية ومقارها ومعداتها، ووقف استهدافها أو تدميرها أو إغلاقها، وضمان قدرتها على مواصلة عملها.
  6. اعتماد إطار دولي موحد وفعال لتوثيق الانتهاكات، يستند إلى معايير مهنية وحقوقية واضحة، ويستفيد من خبرات المنظمات المحلية، ويضمن التعامل الجدي مع الأدلة والمعلومات المقدمة.
  7. تعزيز التعاون بين المؤسسات الدولية والمنظمات الحقوقية المحلية في جمع الأدلة وحفظها وتبادل المعلومات ومتابعة الملفات القانونية، ودعم جهود التوثيق والمساءلة.
  8. الانتقال من الإدانة إلى إجراءات عملية للمحاسبة، عبر تفعيل آليات المساءلة الدولية ومتابعة التحقيقات، وضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب.

ويؤكد مركز مدى أن إنهاء الإفلات من العقاب لا يقتصر على إنصاف الصحفيين ضحايا الانتهاكات، بل يشكل ضرورة لحماية حرية الصحافة وصون حق المجتمع في المعرفة، وضمان قدرة الإعلام على كشف الانتهاكات ونقل الحقيقة. فلا حماية للصحفيين دون محاسبة، ولا عدالة للحقيقة ما دامت الجرائم المرتكبة بحق ناقليها تمر دون تحقيق أو إنصاف.