في إسرائيل جرت الانتخابات وظهرت نتائجها، لكن السؤال: ماذا بعد؟
الكاتب: د. محمد عودة
لم تكن الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 مجرد منافسة على رئاسة الحكومة، بل كشفت عن أزمة سياسية عميقة داخل إسرائيل، وعن عجز المعسكرات المتنافسة عن حسم الصراع لمصلحتها. فقد أظهرت النتائج أن المعسكر الذي يقوده بنيامين نتنياهو حصل على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا للمعسكر الذي يقوده غادي آيزنكوت، فيما حصلت القوائم العربية على 19 مقعدًا من أصل 120 في الكنيست. وبذلك لم يتمكن أيٌّ من المعسكرين الرئيسيين من بلوغ عتبة الأغلبية المطلوبة، وهي 61 مقعدًا، ما جعل تشكيل الحكومة الجديدة رهينًا بمفاوضات معقدة وحسابات تتجاوز مجرد جمع المقاعد.
هذه النتائج لا تعني بالضرورة نهاية نتنياهو السياسية، لكنها تعني أن العودة إلى الحكم بالشروط نفسها التي حكم بها خلال السنوات الماضية لم تعد مضمونة. فالرجل الذي قاد ائتلافًا من أحزاب اليمين المتطرف والمتدينين، مستندًا إلى تحالفات وفّرت له أغلبية برلمانية، يجد نفسه اليوم أمام مشهد مختلف؛ إذ خسر معسكره أغلبيته، ولم يتمكن خصومه في المقابل من تشكيل بديل واضح ومتماسك. وهنا تكمن المفارقة: نتنياهو لم ينتصر بما يكفي ليحكم منفردًا مع حلفائه، ومعارضوه لم ينتصروا بما يكفي لإبعاده عن السلطة.
ولا يمكن فصل هذه النتيجة عن تداعيات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والعدوان على غزة، والحروب التي امتدت إلى جبهات أخرى في المنطقة. فقد حاول نتنياهو تقديم نفسه باعتباره القائد القادر على إدارة الحروب ومواجهة التهديدات الأمنية، مستندًا إلى العمليات العسكرية التي خاضتها إسرائيل، لكنه واجه في الوقت نفسه انتقادات داخلية بشأن الإخفاق الأمني الذي سبق هجوم السابع من أكتوبر، وإطالة أمد الحرب، وعدم تحقيق الأهداف التي أعلنها، فضلًا عن الانقسامات التي تعمقت داخل المجتمع الإسرائيلي حول المسؤولية والمستقبل السياسي والأمني.
كما أن خسارة الأغلبية لا تعني أن المجتمع الإسرائيلي اتجه بالضرورة نحو تغيير جوهري في سياساته. فالمعسكر الذي يقوده آيزنكوت يضم قوى مختلفة في حساباتها ومواقفها، لكنه لا يمثل قطيعة كاملة مع النهج الأمني الإسرائيلي، ولا يعني وصوله إلى الحكم — إن حدث — أن سياسات الاحتلال أو الاستيطان أو الموقف من قيام الدولة الفلسطينية ستتغير تلقائيًا. إن جوهر الأزمة الراهنة يتعلق بالصراع على القيادة وتشكيل السلطة، وبكيفية إدارة التناقضات الداخلية، أكثر مما يتعلق بوجود إجماع إسرائيلي على مراجعة السياسات تجاه الفلسطينيين.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الانتخابات، بعدما أعلن تأييده العلني لنتنياهو قبل الاقتراع، وقدمه بوصفه شريكًا في مواجهة إيران. وقد منح هذا التأييد نتنياهو ورقة سياسية استخدمها في حملته، وأظهر مدى أهمية العلاقة مع واشنطن في حسابات القيادة الإسرائيلية. لكن النتائج لم تمنح نتنياهو الأغلبية التي يحتاج إليها، وهو ما يوضح أن الدعم الأميركي، مهما بلغت قوته، لا يلغي الانقسامات داخل إسرائيل ولا يضمن حسم الانتخابات لمصلحة من يحظى به. كما أن موقف الإدارة الأميركية من شكل الحكومة المقبلة سيظل عاملًا مؤثرًا في المفاوضات، من دون أن يعني ذلك أنها تستطيع فرض صيغة بعينها على جميع الأطراف.
أما القوائم العربية، فقد حققت حضورًا برلمانيًا لافتًا بحصولها على 19 مقعدًا، وهو ما يضعها في موقع مؤثر في الحسابات المتعلقة بتشكيل الحكومة. لكن هذا الوزن العددي لا يتحول تلقائيًا إلى قوة سياسية فعلية؛ فالمسألة تتوقف على قدرة هذه القوائم على التنسيق فيما بينها، وعلى طبيعة العلاقة التي يمكن أن تنشأ بينها وبين المعسكر الذي يقوده آيزنكوت، فضلًا عن استعداد الأحزاب اليهودية لقبول الاعتماد على دعمها. وقد أعلنت قوى في المعسكر المعارض رفضها الشراكة الحكومية مع الأحزاب العربية، ما يضيّق الخيارات المتاحة أمام تشكيل ائتلاف بديل، حتى مع وجود عدد من المقاعد يمكن أن يكون حاسمًا في الحسابات البرلمانية.
وهنا يظهر التناقض بين الحاجة الحسابية إلى الأصوات العربية والرفض السياسي لمنحها دورًا في الحكم. فالأحزاب العربية قد تجد نفسها أمام فرصة للتأثير في القرار، لكنها قد تواجه أيضًا محاولات لإبقائها خارج المعادلة أو استخدام حضورها لتخويف الناخبين اليهود من أي تعاون معها. وقد تصاعد هذا التوتر بعد الانتخابات مع اتهمات أطلقها نتنياهو بشأن مخالفات انتخابية، من دون أن يقدم دليلًا على وقوع تزوير منهجي، فيما شددت جهات انتخابية على عدم وجود أساس للقول إن نزاهة العملية الانتخابية تعرضت لضرر منهجي. وهذا يضيف إلى أزمة تشكيل الحكومة صراعًا آخر حول شرعية المشاركة العربية وحدودها داخل النظام السياسي الإسرائيلي.
أمام هذا المشهد، تبرز خمسة سيناريوهات رئيسية للمرحلة المقبلة:السيناريو الأول: أن ينجح نتنياهو في استقطاب أعضاء من معسكر خصومه، أو إقناع أحزاب وشخصيات معارضة بالانضمام إلى ائتلاف جديد، بما يسمح له بتجاوز عتبة الأغلبية. وقد يستند في ذلك إلى مخاوف أمنية أو إلى الخلافات بين خصومه، أو إلى إغراءات سياسية ومناصب حكومية. وليس هذا الخيار مستحيلًا في نظام سياسي اعتاد تبدل التحالفات، لكنه يتطلب استعداد أطراف معارضة للتراجع عن تعهداتها الانتخابية، وتحمُّل كلفة سياسية أمام ناخبيها.
السيناريو الثاني: أن يتمكن آيزنكوت من تشكيل حكومة تستند إلى دعم القوائم العربية من خارج الائتلاف، بما يتيح له تجاوز حاجز الأغلبية من دون إشراك تلك القوائم رسميًا في الحكومة. غير أن هذا المسار يصطدم برفض قوى داخل معسكره التعاون مع الأحزاب العربية، وبالخلافات حول طبيعة الدعم المطلوب وشروطه. كما أن نجاحه لا يتوقف على الحسابات العددية وحدها، بل على قدرة آيزنكوت على إقناع شركائه بأن الاعتماد على دعم عربي خارجي لن يهدد تماسك حكومته أو يعرّضها للسقوط عند أول اختبار برلماني.
السيناريو الثالث: تشكيل حكومة وحدة وطنية تجمع نتنياهو وآيزنكوت، أو بعض القوى الرئيسية في المعسكرين، تحت ضغط الحاجة إلى الاستقرار السياسي والأمني، وربما بدفع أميركي. مثل هذه الحكومة قد تُقدَّم باعتبارها استجابة لمرحلة إقليمية مضطربة وتحديات أمنية واقتصادية، لكنها ستواجه مشكلة أساسية تتمثل في انعدام الثقة بين الطرفين، فضلًا عن الخلافات بشأن مستقبل نتنياهو السياسي، والمسؤولية عن إخفاقات السابع من أكتوبر، والعلاقة مع الأحزاب المتطرفة، وسياسات الحرب والتسوية. لذلك فإن طرح هذا الخيار لا يعني أن الطريق إليه سهل أو أن أطرافه مستعدة بالفعل لقبوله.
السيناريو الرابع: استمرار المفاوضات من دون التوصل إلى اتفاق، بما يبقي نتنياهو في موقع رئيس الحكومة لتصريف الأعمال، ويفتح الباب أمام تكليف مرشحين آخرين بمحاولة تشكيل الحكومة وفق الإجراءات المعمول بها. وإذا أخفقت المحاولات المتعاقبة في إنتاج أغلبية مستقرة، فقد تجد إسرائيل نفسها أمام انتخابات جديدة. لكن العودة إلى صناديق الاقتراع لن تضمن بالضرورة تغيير المعادلة؛ إذ قد تعيد إنتاج الانقسام نفسه، وتطيل حالة عدم اليقين، وتترك القضايا التي فجّرت الأزمة من دون معالجة.
السيناريو الخامس: يتمثل في تصاعد التوتر الداخلي إذا تحولت أزمة تشكيل الحكومة إلى مواجهة سياسية واجتماعية أوسع، خصوصًا في ظل الاستقطاب الحاد، وتنامي نفوذ اليمين المتطرف، والخلافات بشأن القضاء والدين والدولة، ومستقبل الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. ويزيد من حساسية هذا الاحتمال ملف تسليح المستوطنين الذي دفع به إيتمار بن غفير، وما يثيره من مخاوف بشأن اتساع دائرة العنف. ولا يعني ذلك أن مواجهة أهلية باتت حتمية، لكن استمرار التحريض والانقسام، مع وجود السلاح وانتشار خطاب الإقصاء، قد يرفع كلفة أي أزمة سياسية ويجعل احتواءها أكثر صعوبة.
في المحصلة، لا تكمن أهمية هذه الانتخابات في توزيع المقاعد وحده، بل في ما ستكشفه المفاوضات المقبلة عن طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي وقدرته على إدارة انقساماته. فنتنياهو يملك كتلة أكبر من خصمه، لكنه لا يملك الأغلبية؛ وآيزنكوت يستطيع منافسته، لكنه لا يملك طريقًا سهلًا إلى الحكم؛ والقوائم العربية تمتلك وزنًا برلمانيًا مهمًا، لكن تحويله إلى نفوذ سياسي فعلي يصطدم بحواجز حزبية وأيديولوجية واضحة.
والسؤال الحقيقي ليس فقط مَن سيجلس في مكتب رئيس الحكومة، بل أي سياسات ستنتجها الحكومة المقبلة، وما إذا كانت الأزمة ستدفع إلى مراجعة أسباب الانقسام والإخفاق، أم ستتحول إلى جولة جديدة من الصراع على السلطة من دون تغيير جوهري في النهج القائم. فالمقاعد تمنح أصحابها موقعًا في المعادلة، لكنها لا تصنع وحدها سياسة ولا تفرض تنازلات. وما سيحسم قيمة هذه النتائج هو قدرة القوى المختلفة على تحويلها إلى قرارات والتزامات واضحة، لا الاكتفاء بتوظيفها في معركة جديدة على الحكم.