حقق الديمقراطيون فوزاً تاريخياً في الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، واستعادوا السيطرة على مجلس النواب ومجلس الشيوخ. وسيحد هذا الفوز الكاسح من صلاحيات الرئيس ترامب ويجعل احتمال إعادة انتخابه في الاستحقاق المقبل أقل.
وفاز الديمقراطيون في ولايات صوتت للجمهوريين لعقود، وكان ترامب قد فاز فيها بفارق من رقمين قبل عامين فقط. النتائج تكشف بوضوح عن مدى إحباط الناخبين الأميركيين من ارتفاع الأسعار، وحرب إيران، وسياسات المناخ.
وقالت ليزا ساكس، أستاذة مشاركة في مدرسة كولومبيا للمناخ، إن "المناخ نادراً ما كان مطروحاً بالاسم على أوراق الاقتراع، لكن سياسات ترامب المناهضة للمناخ شكلت النتيجة. أمن الطاقة، وكلفتها الميسورة، وجودة الوظائف، وقدرة المجتمعات على الصمود، أصبحت اليوم تشكل أجندة واحدة متماسكة، وتصويت أمس رفض السياسات التي جعلت كل واحد من هذه العناصر أسوأ".
وكان ترامب خبراً سيئاً للغاية بالنسبة للعمل المناخي في الولايات المتحدة، إذ أعاق التقدم الذي حققته الإدارات السابقة في خفض انبعاثات الكربون في ثاني أكبر ملوث في العالم، بعد الصين.
وبحسب منظمة متابعة العمل المناخي (Climate Action Tracker)، فإن الحكومة الأميركية في عهد ترامب "تعرقل بشكل نشط التحول إلى الطاقة النظيفة، وفي الوقت نفسه تشجع إنتاج واستهلاك الوقود الأحفوري".
فهل يمكن لكونغرس يسيطر عليه الديمقراطيون أن يلغي سياسات ترامب المناهضة للمناخ؟ وهل يستطيعون إنهاء أزمة الطاقة التي تسببت بها حرب إيران؟ وماذا عن تأثير ذلك على فواتير الطاقة في أوروبا؟ تحدثت "يورونيوز إرث" إلى خبراء في المناخ للحصول على تحليلاتهم.
هل ستنخفض فواتير الطاقة في أوروبا؟
ارتفعت فواتير الطاقة في أنحاء أوروبا بشكل حاد منذ أن هاجم ترامب إيران، ما أدى إلى اضطرابات وسقوط قتلى في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، فضلاً عن فاتورة ضخمة لدافعي الضرائب الأميركيين. وعلى صعيد الطاقة، أدى تضرر البنى التحتية للنفط والغاز وإغلاق مضيق هرمز إلى تقييد إمدادات النفط والغاز، ما تسبب في ارتفاع الأسعار عالمياً.
وقد اعترف ترامب بالفعل بأن حرب إيران لعبت دوراً في هزيمة حزبه، إذ قال لقناة "فوكس نيوز": "أعتقد أن جزءاً من الأمر كان إيران، لكن في الوقت نفسه، كان الناس يدركون أهمية ما فعلته بشأن إيران".
ولإنهاء حرب إيران، سيتعين على أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين الجدد الحصول على تأييد ثلثي أعضاء المجلسين لدعم الانسحاب، ما يعني ضرورة انضمام بعض الجمهوريين أيضاً. لكن حتى من دون ذلك، يمكنهم ابتداءً من اليوم الحد من كثير من التحركات عبر تشديد القيود على ميزانية الجيش، وكذلك المطالبة بتحقيقات في الحرب.
ولذلك فإن انخفاض فواتير الطاقة على المدى القصير يبدو غير مرجح، لكن الآفاق بالتأكيد أكثر إشراقاً مما كانت عليه أمس.
هل يمكن أن تنخفض الانبعاثات الأميركية في عهد الديمقراطيين؟
بوصفها ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري في العالم، تعد الولايات المتحدة من أكثر الدول مسؤولية عن الاحترار العالمي. وبما أن الجميع يتقاسمون المناخ نفسه، فإننا نحتاج إلى أن تتحرك كل دولة بسرعة لاستبدال الوقود الأحفوري بمصادر طاقة نظيفة مثل الرياح والطاقة الشمسية.
وقد أدت سياسات ترامب التي ترفع شعار "احفر، يا صغيري، احفر" إلى مضاعفة الرهان على الوقود الأحفوري الشديد الانبعاثات، مع الابتعاد عن مصادر الطاقة الأنظف مثل الرياح والطاقة الشمسية.
ويمكن للديمقراطيين أن يقدموا دعماً أكبر لمصادر الطاقة المتجددة والكهربة، وفي الوقت نفسه يدققوا في مشاريع جديدة لـحفر النفط والغاز، وفي انبعاثات الميثان، وفي الدعم المالي المقدم للوقود الأحفوري. ويمكنهم أيضاً الدفع نحو معايير بيئية أكثر صرامة وتطبيقها بفعالية.
هل يستطيع الديمقراطيون عكس سياسات ترامب المناهضة للمناخ؟
لقد أضعفت إدارة ترامب ووضعت حداً للعديد من الإجراءات المناخية المهمة، بدءاً من "استنتاج التهديد" المناخي التاريخي لعام 2009 الذي يدعم القواعد الفدرالية الخاصة بالانبعاثات، وصولاً إلى الحوافز الضريبية للطاقة النظيفة، بما في ذلك قرار المناخ المعروف باسم "الاستنتاج بشأن التهديد".
ورغم أن الديمقراطيين لن يكونوا بالضرورة قادرين على إلغاء القرارات السابقة، فإنهم اكتسبوا صلاحيات جديدة مهمة للحد من الأضرار.
ويمكنهم فتح تحقيقات في شبهات فساد وتضارب مصالح محتملة، وفحص التخفيضات في عدد موظفي الهيئات البيئية وتمويلها، وتمحيص خطط توسيع إنتاج النفط والغاز.
كما سيحظون بقوة أكبر لمعارضة الهجمات المستقبلية على سياسات المناخ، إذ إن تمتُّعهم بتأثير أوسع على الميزانيات المستقبلية وتشريعات الإنفاق قد يتيح لهم إضافة بنود بيئية إلى مشاريع القوانين الكبرى.
ويمكن لقدرة مجلس الشيوخ على المصادقة على التعيينات المستقبلية في الحكومة وعلى القضاة الفدراليين أن يكون لها أثر كبير أيضاً، إذ إن هؤلاء القضاة يشغلون مناصبهم مدى الحياة، ما يعني أنهم يحتفظون بسلطتهم إلى ما بعد انتهاء الولاية الرئاسية بكثير.
غير أن الرئيس ترامب لا يزال يملك صلاحية استخدام حق النقض ضد أي تشريع يقره الكونغرس، ولا يمكن تجاوز هذا الفيتو إلا بدعم ثلثي أعضاء المجلسين.
وقد تشهد الولايات التي تحولت من حمراء إلى زرقاء زخماً سياسياً متجدداً خلف سياسات المناخ والبيئة، على سبيل المثال دعم مشاريع الطاقة النظيفة.
هل يمكن أن يعطي الديمقراطيون أولوية للطاقة النظيفة على مراكز البيانات؟
وقالت ساكس من مدرسة كولومبيا للمناخ إن مراكز البيانات تواجه معارضة متزايدة في أنحاء الولايات المتحدة لأنها "تزيد الانبعاثات، وترفع فواتير الكهرباء المنزلية، وتتنافس مع المجتمعات على المياه، غالباً في أماكن تعاني أصلاً شحاً فيها".
وغالباً ما تتمكن المراكز المملوكة لعمالقة التكنولوجيا من تجاوز قائمة الانتظار والاتصال بالشبكة الكهربائية أسرع من مصادر الطاقة المتجددة، مثل مزارع الرياح والطاقة الشمسية، ما يثير مخاوف بشأن كيفية تخصيص البنية التحتية المحدودة للكهرباء.
وقد يكون تصاعد الإحباط من تكلفة الكهرباء، ونفوذ مليارديرات التكنولوجيا مثل إيلون ماسك، والبصمة البيئية لمراكز البيانات، قد أثار غضب الناخبين بما يكفي لدفعهم إلى التصويت ضد الحزب الجمهوري.
ورغم أن ترامب ألغى كثيراً من مشاريع الطاقة النظيفة وتمويلها، فإن هناك أملاً في أن يتمكن الديمقراطيون المنتخبون حديثاً من البدء في تغيير الاتجاه وقيادة ولاياتهم مجدداً نحو مصادر الطاقة المتجددة.
وقالت الدكتورة إيفي كليمنجارو، المديرة التنفيذية لشبكة العمل المناخي في الولايات المتحدة، إن "الناخبين في أنحاء البلاد وجهوا رسالة قوية، والآن يتعين على القادة المنتخبين في واشنطن أن يبدأوا العمل لتقديم العون للشعب الأميركي. وأحد أوضح السبل لتحقيق ذلك هو الدفع باتجاه انتقال بعيداً عن الوقود الأحفوري القذر المُلوِّث نحو طاقة نظيفة ومتجددة".
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر