الانشغال بالوحدة الفلسطينية قبل إنجاز التحرير الكامل لأولى القبلتين يستبطن هربا من هذا الاستحقاق المصيري إلى استحقاق آخر لا يبدو أنه سيتحقق، لأن تحقيق الوحدة الداخلية متعذر بهذه الوجوه التي لم تستطع الظروف القاسية التي مر بها شعبها أن تصنع اللحمة بين قلوبها.
إذن ليُترك موضوع الوحدة إلى أهله القادرين عليه ولتنشغل هذه القيادات بواجب المقاومة، المقاومة التي تثخن في العدو وتدفعه لخيار وحيد هو الرحيل الكامل عن قلب العالم الإسلامي، لا “المقاومة” المخملية بالأنشطة الرياضية والأناشيد والانتخابات والمسيرات التي تستذكر جراحات لا تحصيها الأيام.
أيْقَنة الوقائع التاريخية التي تخدم اليهود المتصهينين مكرٌ مكروه في العالم ليستقووا به على الأمة الإسلامية وهي في ضعفها الحالي، وهذه الأيْقنة لا تخدمهم وحدهم، لأنهم ربيئة للغرب الصليبي في قلب عالمنا الإسلامي. بمعنى آخر، إن هذه الحبكة الأسطورية لتاريخ اليهود غير الأصلاء من نسل الذين حرفوا دين الله وحاولوا قتل المسيح وصاحب الشفاعة (عليهما الصلاة والسلام) عمل أحمق للغاية، لا لأن التاريخ سيصحح الوقائع ويعيد الأمور إلى نصابها، بل لأن الإنسانية ستجد من هذا التاريخ المزوَّر والحقيقي معا حججا قوية جدا لا تدع مجالا للاختيار كي تفعل فعلتها النمطية في هؤلاء، وسيفعل المسلمون -وهم مليارَا نسمة حاليا- أيضا ما أشار به سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه، فليهنأ أهلنا الشهداء والمرابطون على الثغور بوعد الله ووعيده!
إن قضية فلسطين لم تعد -بعد السابع من أكتوبر 2023- قضية تعني من يحمل الجنسية الفلسطينية وحدهم، إنها قضية باتت في حضن الأمة جمعاء، كي لا أبالغ وأقول إنها في ضمير العالم أجمع. وعليه، فإن فلسْطَنة القضية تحجيمٌ لها، والعودة بها إلى أدبيات ما قبل السابع من انتخابات وتوافق محض هراء لا يفيد الأمة في شيء.
أعرف أطفالا بعمر الزهور يخصصون من مصروفهم الصغير أقساطا كل شهر لدعم الصمود في غزة ثم يأتي من يحدثنا عن التوافق؟ لقد تجاوزت الثورة الجزائرية التوافق لما أيقنت أنه سعيٌ بلا جدوى وعمل يعطل المطلوب فعله، وهو التوجه بالشعب كله إلى معركة التحرير لا لشيء سواها. فمتى يستفيق الممثلون “المؤقتون” لأهلنا في أولى القبلتين قبل أن يزولوا؟
هنالك تأثيرٌ واضح على حياة الصهاينة بسبب طوفان الأقصى وغلق المضايق، يعني أن المضي في هذا الخيار سيؤدي إلى أزمة في هذا الكيان أو انهياره إن شاء الله تعالى، ولكن من سيستقبل هؤلاء القتلة في بلاده يا ترى؟ كما يبدو الاختلافُ جليا بين الصهاينة، مصداقا لقوله تعالى: “تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى”. صدق الله العظيم.
من تعنيه الحسابات المادية فقط ويكون موضوعيا فسيرى بأن معركة طوفان الأقصى لم تنته بعد، وأنها انتقلت اليوم إلى المضايق البحرية بطريقة الكرة المتدحرجة، وأن حضارة بأكملها باتت تقف على شفا الأفول إن لم تك قد بدأت فيه فعلا. وأن الكيان الصهيوني قد أخِذ من أطرافه شيء غير يسير، وأن التضحيات الجسام في غزة ولبنان واليمن وإيران ستبني عليها الأجيال المعاصرة أو القادمة نضالا أكثر فاعلية حتى يتحقق النصر بإذن الله.
ومن يقرأ فيها أبعادا أخروية -هي الأهم بالنسبة إليه وإلى عموم الأمة بطبيعة الحال- فسيجد بأن المعركة كانت بوابة لجنان الخلد ولحياة أبدية لم يذق فيها من قُتل طعم الموت، وأنها رفعت عن الأمة حرج ترك الجهاد، الفريضة الباقية بقاء الصلاة والصوم إلى يوم القيامة.
تصريح برنامج الأغذية العالمي بأنه سيشطب نصف مليون فلسطيني من المساعدات في غزة بسبب نقص التمويل له وجهان: أحدهما الضغط على الاحتلال والمانحين للوفاء بالتزاماتهم، وهذه سمفونية درب عليها أهلنا المرابطون في الثغور، ومنحتهم قوة لا تضاهى في تحمل الصدمات أنى كانت. علما بأن التخويف من الجوع يستثمر فيه الشيطان كثيرا؛ ووجهٌ ثان أكثر رحمة بأهلنا الصابرين في القطاع، حينما يزداد إيمانهم بأن الرزق من عند الله لا من عند غيره، وإن بدا غيره أنه يقدم المساعدات فما ذلك إلا تسخير رباني لهم، وسيسخِّر آخرين سواهم ليصل الرزق المضمون إلى مستحقيه ولو كانوا في صخرة صماء؛ وعليه فمن واجب من لم يشطب نصيبه أن يتقاسمه مع من شطب، لأن “طَعَامُ الوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ، وطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ، وطَعَامُ الأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَة”، كما أخبر من لا ينطق عن الهوى. “إن هو إلا وحي يوحى”.
وإن كنت لائما قادة الطوفان على شيء، فلومي على أن الجبهات كلها لم تدخل المعركة دفعة واحدة، ما سمح للكيان الصهيوني بأن يستفرد بكل واحدة على حدة، بدءا بغزة، ومرورا بلبنان ثم إيران فاليمن حاليا. ولو أنهم وحّدوا صفوفهم وضربوا ضربة رجل واحد معا لكانت النتائج أكثر فرحا للمؤمنين مما تحقق والله أعلم. “إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص”. صدق الله العظيم.
سلوكاتُ وفد الاحتلال الصهيوني الشاذة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لهذا العام على نوعين. أولها السماح بدخول مجرم الحرب “نتن ياهو” إلى القاعة ومنع محمود عباس من قبل الدولة التي تقع على أراضيها مؤسسات الأمم المتحدة، لا بد أن تقابله الوفود الدولية الرافضة لهذا الخطيب الثقيل ليس بالاستهجان والصراخ والانسحاب من القاعة وبعده يتابع كل واحد منهم خطاب المجرم عبر هاتفه المحمول، فهل هذا إجراءٌ منصوص عليه في تنظيمات الاجتماع السنوي للجمعية العامة؟
أظن بأن أحسن إجراء يجترح في مثل هذه الحالة أن تمنع الوفود هذا المجرم من إلقاء خطابه الاستفزازي من خلال السيطرة على المنصة التي تُلقى عليها الخطابات. أما السلوك الشاذ الثاني الذي تولى القيامَ به السفيرُ الصهيوني المراهق لممثل إيران، فردُّ الفعل عليه يجب أن يكون صفعة أو لكمة حتى يقع على الأرض، لأن تجاهل هذا التحرش يطبِّعه مع الزمن، ووقفه عند حده بمنع تكراره مستقبلا. وعلى منظمي الجمعية العامة بعد ذلك أن يسنوا ما شاؤوا من تنظيمات بناء على هذه الوقائع وتداعياتها.
غزة كانت كاشفة لعورات كثيرة، وحرب المضايق كاشفة لأشخاص كثر؛ فعلى الناس أن تزن بهذه الموازين التي جاد بها القدر على الناس، فإن الأقدار قلما تجود بمثل هذا على الناس. إنه لا فرق بين الصهاينة عموما، سواء أكانوا يسارا أم يمينا، متدينين أم علمانيين، ما داموا محتلين لأرض فلسطين ويطمعون في التوسع تحت عقائد تلمودية شريرة. وربما كان حزب العمل أكثر خطورة على وعيِنا من هؤلاء المجاهرين بالعداوة والممعنين فينا تقتيلا، لأن من كان سيأخذ ثلاثة أرباع أرضك وأنت غافل تعطيه “السلام” المزعوم، أشد مكرا ممن يريد انتزاعك من أرضك والتمدد على أراضي جيرانك.
والله لقد بحثتُ فوجدت المحتطبين ليلا وهم عمش كثرا، أسأل الله لهم الهداية والشفاء. “صح النوم يا أهلنا في أراضي 48! بعدكم بالمسيرات والانتخابات شادين”؟ إنكم أنتم الأقرب إلى الاحتلال من سائر الأمة، والأنظمة الخاصة مجدية في مثل هذه الأحوال، فعسى أن تصفح عنكم بها الأجيال القادمة. الأنظمة المطبِّعة والطامعة في التطبيع دخلت في مرض الموت، ولا يمكنها الاستمرار في الحياة وهي بهذا الحال، والزمن سيتكفل بها إن شاء الله.
أعرف أطفالا بعمر الزهور يخصصون من مصروفهم الصغير أقساطا كل شهر لدعم الصمود في غزة ثم يأتي من يحدثنا عن التوافق؟ لقد تجاوزت الثورة الجزائرية التوافق لما أيقنت أنه سعيٌ بلا جدوى وعمل يعطل المطلوب فعله، وهو التوجه بالشعب كله إلى معركة التحرير لا لشيء سواها. فمتى يستفيق الممثلون “المؤقتون” لأهلنا في أولى القبلتين قبل أن يزولوا؟
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر