فلاسفة وشعراء ومتصوفة عرب خالفوا السائد
ما نحن بصدده ليس كتاباً في التاريخ. صحيح أنه كتاب يضم سير أشخاص يذكر التاريخ أنهم عاشوا بين القرنين السادس والرابع عشر الميلاديين، تباينت حظوظهم من الشهرة، لكنهم التقوا في ملاقاة مصائر مأسوية بسبب أفكارهم، إلا أن أحمد الشهاوي كتبه بمخيلة شاعر وأحاسيس متصوف. ومن ثم لا تصح مطابقة ما كتبه هو هنا بما كتبه المؤرخون وعكَسَ اختلافاتهم في سعي كل منهم لتصوير ما يقدمه على أنه عين اليقين. عين اليقين في كتاب "يمشون على الماء"، هي الصدق الفني منبثاً في ثنايا عمل إبداعي. ومن هنا اختار الشهاوي أن يسميه كتاباً شعرياً، على الرغم من أنه جرى العرف عربياً، على إطلاق تسمية "ديوان" على الكتاب الذي يضم عدداً من القصائد. وما ينبغي الالتفات إليه هنا هو أن تلك المفردة ذات الأصل الأعجمي، كانت تطلق عادة على الدفتر أو السجل الذي يتضمن بيانات رسمية، أو على المكان الذي يدار فيه عمل رسمي.
سر الحرف
في كتاب "يمشون في السماء" الصادر عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة، حضور مهيمن لضمير المخاطب، فالذات الشاعرة تتوجه عادة بالخطاب إلى آخر يكاد يكون من ابتكارها تماماً، لولا أنه مذكور من قبل في كتب سابقة، بعضها من تأليف الشهاوي نفسه مثل "سلاطين الوجد.. دولة الحب الصوفي" (2022)، الذي لا أعرف لماذا هو الوحيد بين كتبه المصنَّف على أنه من "الأدب الصوفي"، مع أن هذا اللون الإبداعي موجود في مشواره منذ صدور كتابه الأول "ركعتان للعشق" عام 1988. يقول مخاطباً الحلَّاج: "كيف حملتَ الفكرة وحدك، كأنك آخر العارفين بسر الحرف؟" ص 185. والشهاوي الملقب من جانب البروفيسور التركي محمد حقي صوتشين بـ "طفلُ العشق المستحيل والفلسفة واللغة والمجازات المبتكرة"، ضمن تقديمه ترجمة كتاب "سماء باسمي" إلى اللغة التركية، هو من العارفين بسر الحرف، وتشهد على ذلك كتبه الشعرية ومنها المصنَّف في باب "أدب العشق"، والذي لا أعرف غيره يكتب فيه من المعاصرين، حتى بدا لي وكأنه في هذا وفي ذاك قد صنع لنفسه سماءً باسمه.
ألم يكن الحلاج يعبر عن "عين اليقين"، حين قال: "الناس موتى وأهل الحب أحياءُ". قال ذلك ليس باعتباره حقيقة علمية، بل كفيضِ معنى صوفي، وهو ربما كان يدرك أن فيوضاته ستفضي به حتماً إلى التهلكة. وهكذا نجد الشهاوي يستهل القصيدة الأولى في كتاب "يمشون في السماء"، بقوله: "كل شاعر يحمل قطعة من خشبة الحلاج / كل عاشق يعرف أن الطريق إلى الله يمر بساحة الإعدام" ص 17. وعلى الدرب نفسه سار السُهْرَوَرْدي، الذي يضم الكتاب قصيدة مهداة إليه، فقال: "بالسر إن باحوا تباح دماؤهم / وكذا دماء العاشقين تباحُ".
المقتولون بالمعنى
كُتبت قصائد "يمشون في السماء"، في أربعة شهور، بين ربيع وصيف العام الحالي، فجاءت وكأنها دفقة ساخنة، لكنها استندت بالتأكيد إلى مخزون كبير تراكم عبر سنوات طويلة تشكلت خلالها علاقة حميمة بين الشهاوي، وعوالم هؤلاء المضطهدين بسبب المعنى، سواء كان في شعرٍ أو فلسفة أو تجليات صوفية، أو مواقف سياسية تناهض التجبر في عصور عدة. هؤلاء استهدفتهم في أزمنة متتالية من "العصر الجاهلي"، مروراً بعصور حكم إسلامي عدة، سلطةٌ بوجهيْن، أحدهما ديني والآخر سياسي. هنا ليس من الصعب ملاحظة ارتباط هذا العمل بمجمل الرحلة "الشهاوية"، شعراً ونثراً، ومواقف تتسق مع إيمانه بحرية الإبداع، اتهمه بسببه متشددون بالزندقة. تلك الرحلة التي رافقت الأم نوال عيسى كل مراحلها رغم غيابها الفيزيقي، الذي حدث قبل أن يكتب الشاعر حرفاً، ومن هنا جاءت في مقدمة من أهدى إليهم كتابه هذا. والتالي كان ابنه الوحيد باعتباره عنوان الأمل في غد أفضل، خصوصاً وأنه على ما يبدو قد ورث جينات الإبداع. ثم إلى شريكة الحياة سارة حواس، وهي أيضاً مبدعة شاعرة ومترجمة للشعر، وبالتأكيد هي أيضاً نبعُ إلهام. اكتملت المقدمة قبل أن يكتمل الكتاب، فهي مؤرخة بـ 14 يونيو/جزيران 2026، بينما هناك إشارة في صدر الكتاب إلى أن إنجازه استغرق الشهور من أبريل/نيسان إلى يوليو /تموز من العام نفسه. وأظن أن انشغاله بفكرته يعود إلى عام 2022 فقد أدلى في أواخر ذلك العام بتصريح صحافي أكد فيه أنه يعود من حين إلى آخر إلى سير المتصوفة المقتولين مثل الحلاج والسُهْرَوَرْدي والهمداني وسواهم، "وهو حقلٌ أقرأ فيه بشكلٍ منتظم منذ صباي".
مادي ومعنوي
بين العشرين المقتولين بالمعنى، مَن تعرَّض لقتل مادي بشع، ومنهم من قتل معنوياً، على نحو لا يقل بشاعة. بينهم واحد فقط ينتمي إلى عصر ما قبل الإسلام، هو طرفة بن العبد الذي قتل وهو في مقتبل الشباب بسبب أبيات شعر رأى ملك الحيرة وقتذاك عمرو بن هند أنها تهجوه، ولذلك لُقِب بـ"الغلام القتيل"، و"ابن العشرين". الصورة التي رسمها له الشهاوي، عنوانها "يرتب موته كقصيدةٍ ناقصة"، مستلهماً قوله: "أرى العيش كنزاً ناقصاً كل ليلة / وما تنقص الأيام والدهر ينفد". ومعلقة طرفة بن العبد، كما لاحظ الشهاوي، "امتازت برصانة الألفاظ والوعي الفلسفي والوصف الدقيق للنوق"، وتبدأ ببيت الوقوف على الأطلال الشهير: "لخولة أطلال ببُرقة ثهمَد / تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد".
ومنهم واحد فقط من أصل مصري، هو غيلان الدمشقي، المولود لأسرة قبطية مصرية هاجرت إلى دمشق. تتلمذ على يد الحسن البصري في البصرة. قال بمذهب الاختيار بين الخير والشر، فصدرت بحقه عقوبة تقضي بقطع يديه ورجليه وصلبه. اشتهر باعتراضه الشديد على تبرير الحكام الأمويين لمظالمهم بأنها "أقدار الله"، وكان يرى أن أفعال الطغاة مآثم ومظالم تجب محاربتها بثورة تحطم عروشهم، بحسب ما أورده عنه في ملحق في نهاية الكتاب.
ومنهم ابن سينا الملقب بـ "الشيخ الرئيس"، والذي حملت القصيدة المهداة إليه عنوان "خيول المخيلة"، وهي مكتوبة بضمير الغائب؛ "يمشي فتتبعه الظنون كغربان عمياء / ويصمت فتخترع له المجالس ألف عبارة"، لكنه ظل حتى بعد موته عام 1037م، "شجرة نور ترسّخت في هبوب العواصف"، و"فكرة تواصل السفر وحدها تحلق على حافات الكون". والقصيدة المهداة إلى ابن رشد المتوفى عام 1198م عنوانها "جرح تعلم البقاء فينا"، ويحضر فيها ضمير المخاطب: "حين انطفأتْ قناديل الحكمة / كنتَ تمشي في جمر المعنى تحمل رماد كتبٍ"، في إشارة إلى محنة نفيه من الأندلس بعد حرق بعض كتبه على خلفية اتهام خصومه له بالزندقة، هو الفيلسوف الملقب بـ "الشارح الأكبر" لدوره في شرح فلسفة أرسطو، والمعروف لدى الغرب الأوروبي بأبي العقلانية والمنهج العلمي.
وإذا كان هؤلاء "المقتولون بالمعنى"؛ بتعبير الشهاوي، ينتمون إلى أزمنة عنها تفصلنا عنها قرون طويلة، فإن لهم بلا شك امتدادات، في عصرنا الحديث، تتمثل في كثيرين دفعوا أثماناً باهظة لأفكارهم من سلطة لها أيضاً وجهان؛ ديني وسياسي، وظهير اجتماعي لا يقبل الخروج على الثابت من أعراف وتقاليد، منهم مثلاً طه حسين الذي أبعد عن عمله في الجامعة وكاد أن يُسجن بسبب كتابه "في الشعر الجاهلي"، ولا تزال تطارده تهمة الزندقة من جانب المتشددين، حتى بعد مرور أكثر من نصف قرن على رحيله.