غلاء التذاكر يعزل مدن السودان.. السفر لمن استطاع إليه سبيلا
لم تعد المسافات بين المدن السودانية تقاس بالكيلومترات وحدها، بعدما تحولت كلفة السفر إلى عبء يثقل حركة السكان ويضعهم أمام خيارات قاسية، فمع ارتفاع أسعار الوقود وتراجع الحافلات العاملة، بات الوصول إلى الأهل أو قضاء الحاجات الأساسية بالغ الصعوبة.
ورصد تقرير أعده مراسل الجزيرة وضاح الطاهر من الخرطوم موجة الغلاء التي امتدت إلى تذاكر السفر، في ظل تزايد تكاليف التشغيل وتراجع أعداد وسائل النقل المتاحة، ولم تعد الزيادة مجرد عبء مالي عابر، بل تهدد قدرة المواطنين على التنقل بين الولايات.
أخبار مقترحة
- السودان.. موجة غلاء تضرب قطاع النقل وتقلل من فرص سفر الأهالي فيديو, 02:3302:33
- الجيش السوداني يعلن إسقاط "مسيرة معادية" عبرت الحدود من إثيوبيا
وتظهر آثار الارتفاع في تفاصيل الحياة اليومية؛ إذ قال الطالب الجامعي عبد الرحمن إنه كان يدفع 70 ألف جنيه (نحو 58 دولارا) للرحلة إلى المناقل الأسبوع الماضي، قبل أن ترتفع قيمة التذكرة إلى 95 ألفا (نحو 79 دولارا)، مع توقعاته باستمرار الزيادة خلال الأيام المقبلة.
وربط عبد الرحمن هذا الارتفاع بزيادة أسعار البنزين وتزامن أزمات المعيشة، متسائلا: كيف يستطيع المواطن توفير الطعام والشراب ثم تحمل كلفة السفر أيضا، وأضاف أن زيارة الأهل، حتى إن كانوا في مناطق قريبة، قد تصبح مؤجلة لسنوات.
وفي الميناء البري بالخرطوم، تتصاعد كلفة الرحلات كلما طالت المسافة وزمن الطريق، بينما تقلص عدد الحافلات العاملة على الخطوط التي تربط العاصمة بولايات البلاد، وقال أحد السائقين إن ارتفاع أسعار الجازولين وصعوبة الحصول عليه أثرا بشكل مباشر في حركة الحافلات.
وأشار السائق إلى أن عدد الحافلات التي كانت تتحرك في السابق، والذي كان يقدر بنحو 100 إلى 150 حافلة، تقلص إلى أقل من 30، ويعكس هذا التراجع، إلى جانب ارتفاع الوقود، شح المعروض من وسائل النقل مقابل تزايد كلفة الرحلات.
وقالت غرفة الحافلات السفرية بالخرطوم إن أسعار التذاكر ارتفعت 40% عن السابق بفعل زيادة تكاليف التشغيل، ولا سيما الوقود والإطارات، وأكد عامل في القطاع أن هذه الأعباء وراء السعر الجديد، فيما وصف متابعون الزيادة بأنها غير طبيعية وربطوها بما يرونه حربا اقتصادية مفروضة على البلاد.
بدائل غائبة
وفي تعقيبه على هذه الزيادات، قال الخبير الاقتصادي محمد الناير، في مداخلة عبر الجزيرة، إن ارتفاع تكاليف التشغيل لا يقدم تفسيرا كافيا لما يتحمله المواطن، محملا الدولة مسؤولية التدخل، وأشار إلى أن حكومات دول أخرى واجهت ارتفاع النفط بإجراءات لتخفيف أثره.
وأوضح الناير أن بعض الدول امتصت الزيادات عبر خفض الرسوم الجمركية والضرائب المفروضة على المشتقات النفطية، أو مطالبة شركات الاستيراد بالتنازل عن جزء من أرباحها، مرجحا أن مثل هذه الإجراءات كان يمكن أن تحد من انتقال الزيادة العالمية إلى المستهلك.
لكنه أشار إلى أن أسعار المحروقات في السودان تواصل الارتفاع، لافتا إلى إعلان زيادة جديدة أمس، لا تقل عن 30% في البنزين، إلى جانب ارتفاع أسعار الجازولين، وقال إن انعكاس ذلك لا يقتصر على النقل، بل يمتد إلى مجمل الأوضاع الاقتصادية.
وربط الخبير تفاقم أزمة التنقل بغياب بدائل كافية للنقل البري، وفي مقدمتها السكك الحديدية، موضحا أن انتشار القطارات كما كان في السابق كان سيخفف الضغط على الحافلات، ويوفر للمواطنين وسيلة انتقال بأسعار تفضيلية وتشجيعية بين الولايات.
وعن الحلول العاجلة، أقر الناير بأن إعادة تنشيط السكك الحديدية ليست إجراء فوريا، بل خيار على المديين المتوسط والبعيد، ودعا في المقابل إلى تدخل حكومي سريع لخفض الرسوم والضرائب المفروضة على المشتقات النفطية، التي قال إنها تُفرض بصورة مزدوجة، بما يحد من ارتفاع كلفة الوقود محليا.
كما اقترح عقد تفاهمات مع شركات استيراد النفط، والمؤسسة النفطية التابعة لوزارة النفط، لخفض أسعار المحروقات وتقليص هوامش الأرباح بصورة استثنائية ومؤقتة، معتبرا أن التنسيق بين الدولة والقطاع الخاص يمكن أن يساعد في استقرار الأسعار خلال فترة محددة.
وحذر الناير من أن استمرار ربط الأسعار المحلية بكل زيادة في أسعار النفط عالميا سيقود إلى مزيد من التراجع في وسائل النقل بين الولايات، وربما يدفع القطاع إلى حافة التوقف. وشدد على ضرورة تنسيق حكومي مع غرفة النقل لمعالجة الأزمة وحماية قدرة المواطنين على التنقل.