القصر
العالم العربي

طهروا الحزب من ترمب

محرر العالم العربي 1 5 دقائق قراءة

الكاتب: عمر حلمي الغول

في اعقاب الهزيمة الزلزالية للحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي – الثلاثاء 3تشرين ثاني / نوفمبر 2026 – سادت أوساط الجمهوريين حالة سخط وغضب شديدين، دعت في معظمها لمراجعة المنهجية السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية التي سّنها الرئيس دونالد ترمب، ووصلت المطالبات الى حد الدعوة الى طرده من الحزب، كما جاء في تغريدة عضو الكونغرس السابقة ماجوري تايلور غرين، المعروفة بمواقفها اليمينية المتطرفة، والتي انقلبت على ترمب، فذهبت الى حد المطالبة ب "ابعاده عن الحزب الجمهوري". وقالت "إذا أراد الحزب أن تكون لديه أي فرصة في المستقبل، فعليه طرد دونالد ترمب من الحزب." وأعتبر عضو الكونغرس السابق بوب غود: "علينا أن نبدأ بالاعتراف بأن ترمب كان ولا يزال هو المشكلة، الهمس بذلك سراً لن يجدي نفعا." وتابع "حان الوقت للتوقف عن توجيه الانتقادات في السر."
وبالتوقف أمام ما صرح به عضوي الكونغرس السابقين غرين وغود، يميط اللثام عن عمق الازمة التي يعيشها الحزب الجمهوري، الذي يعيش اعضاءه ونخبه حالة من الرعب والخوف الشديد بالبوح بمواقفهم من رئيس حزبهم، نتاج انتفاء حرية الرأي والتعبير عن وجهات نظرهم، حتى بات أحد الحزبين المركزيين عنوانا للديكتاتورية، في الولايات المتحدة عرين ما يسمى "عرين الديمقراطية"، ولا يقتصر الامر على نخب وكوادر الحزب القيادية، انما طال رؤساء الشركات الكبرى الذين يعارضون سياسات الرئيس البرتقالي، وباتوا يخشون التعبير عن مواقفهم من التوجهات الاقتصادية، والرسوم الجمركية، والحرب على إيران، ودعم إسرائيل والابادة الجماعية على الشعب الفلسطيني، لتفادي تغول الرئيس ال 47 عليهم وعلى شركاتهم، وبسبب ارتيابهم  وفزعهم من انصاره من حركة "ماغا" اليمينية المتطرفة، التي تبنت شعاره الناظم لحملته الانتخابية في ولايته الأولى 2015 و2016، ووسم السياسة الأميركية بمبادئها الرئيسية: أولا الحمائية القومية، التي تقوم على توجيه السياسات الاقتصادية والتجارية لحماية المصالح الأميركية أولا، ويرفض أنصارها العولمة، ويدعمون فرض الرسوم الجمركية، وإعادة التفاوض على الاتفاقيات التجارية ثانيا رفض الهجرة، وتقييدها بكوابح شديدة، واستنادا للمبدأ، تم مطاردة المهاجرين غير الشرعيين، وحتى الشرعيين، وترحيلهم الجماعي بطريقة تتنافى مع ابسط معايير الديمقراطية؛ ثالثا العداء لما يُعرف ب "الدولة العميقة"، أو النخبة السياسية والإعلامية التقليدية، واعتبار المؤسسات الدولية والاتفاقات العالمية (مثل اتفاقية باريس للمناخ) مقيدة للسيادة الأميركية؛ رابعا التركيز على الهوية الوطنية الأميركية والقيم المحافظة، وتمجيد التاريخ والثقافة الأميركية، مع أن الهوية الأميركية التي أقيمت على انقاض الهنود الحمر، هي هوية مركبة وخليط من مجموع هويات المهاجرين من الاثنيات المختلفة، ورفض التيارات التقدمية وبرامج التنوع والدمج المجتمعي؛ خامسا تقليص التدخل في السياسة الخارجية غير المجدية، واعتماد مبدأ "اميركا أولا"، ومطالبة الحلفاء بزيادة مساهماتهم المالية (مثل حلف الناتو)، وتوجيه المواقف الدولية بما يخدم المصلحة المباشرة لواشنطن، والمبدأ الأخير كرسه ترمب لحسابه الخاص، ووجه الدول لتعزيز وتضخيم ثروته الخاصة وليس ثروات الولايات المتحدة الأميركية.
هزيمة الحزب الجمهوري الساحقة في الانتخابات النصفية، فتحت الأبواب الموصدة في الحزب، وبدأت التقيحات تنفجر، وزاد الجدل والنقاش حول مستقبل الحزب الجمهوري، ودور ترمب فيه، والاليات والسياسات التي سينتهجها خلال العامين القادمين، هذا إن لم يطرد من الحزب، لا سيما وان الأصوات المنادية بذلك آخذة بالارتفاع تدريجيا، كما ان مصير ومستقبل حركة ماغا أمسى على المحك، لأن غالبية من الجمهوريين الذين بدأوا ينشرون وجهات نظرهم في الصفحات الحرة على صحيفة "وول ستريت جورنال" بدءً من يوم الأربعاء 4 نوفمبر الحالي، واحتلت الدعوة لمراجعة مسار السياسات العقيمة للحزب ومبادئ ماغا مكانا مركزيا فيها، وطالبوا بالتخلي عن الخطاب القائم على الخطاب الترامبي الشعبوي، واعتبروا أن "فرض الرسوم الجمركية والترحيل الجماعي ليسا بديلا عن زيادة حقيقية للدخل، ومداهنة انصار ترمب من حركة "ماغا"، ليست بديلا عن استقطاب اللاتينيين والناخبين المترددين في الضواحي الذين تخلوا عن الحزب."
وكان جي دي فانس نائب الرئيس ترمب، أعلن مباشرة بعد بروز معالم نتائج التصويت في الانتخابات النصفية: قال "ان سبب خسارة الحزب يعود للحرب على إيران، والازمة الاقتصادية وارتفاع مستوى المعيشة، ودعم إسرائيل، التي ورطت الرئيس الأميركي في متاهة الحروب، وليس حربا واحدة. وليمنح فانس موقفه مصداقية، كتب على منصة "اكس" يوم الأربعاء الماضي، أن "الرئيس نفسه قال ذلك الليلة الماضية." أضف الى انه اعتبر أن مرشحي الحزب ضعاف، وليسوا اهلا للترشيح. بدوره أكد المشّرع الجمهوري دون بايكون: "رفض الناخبون الشعبوية والفوضى وبوتين والرسوم الجمركية." وكتب ماثيو بويل، الشخصية البارزة في موقع "برييت بارت" الاخباري اليميني، الجمهوريين الى "العودة للأساسيات"، مشددا على إعادة النظر في الأولويات السياسية والاقتصادية للحزب." وأضاف "لا مزيد من الحروب التي لا تنتهي... وفيما يتعلق بالاقتصاد، وهو القضية الأولى، ينبغي تبني سياسات تساعد عامة الناس لا المصالح الخاصة." غامزا من قناة ترمب وعصابته الاسرائية، مضيفا أنه "يجب التعامل بتعقل مع تطبيق قوانين الهجرة."
بالنتيجة انكسر بعبع ترمب، وأمست المطالبة بطرده من الحزب على افواه الذين هزمهم ترمب نتاج سياساته العرجاء والعبثية. وكما قال نادر الغول المختص بالشأن الأميركي في عام 2016، أن "ترمب سيكون آخر رئيس للحزب الجمهوري"، أي بمعنى أن أزمة الحزب تتفاقم، ولعل الهزيمة التي اصابت الحزب في مقتل يوم الثلاثاء الماضي، كانت بمثابة الضربة القاضية، إن لم يتدارك قادة الحزب تداعيات الهزيمة المتدحرجة، والتي ستظهر ارتداداتها خلال العام القادم، ومع بقاء ترمب على رأس الحزب، وهذا ما أكده في تغريدة له على منصة "اكس": جاء فيها "ترمب مازال رئيسكم"، معتقدا انه سيبقى حتى مطلع 2029. بيد ان الحزب يقف امام مفترق طرق خطير، وتحمل مؤشرات التطور في الساحة الأميركية ظهور أحزاب جديدة، وقد تكون مؤثرة في المشهد الأميركي لأكثر من سبب: أولا هزيمة الجمهورين الساحقة، ستفتح الطريق أمام انشقاقات داخل الحزب؛ ثانيا صعود تيار تقدمي داخل الحزب الديمقراطي، لن يبقى طويلا تحت عباءة التيار المحافظ في الحزب الديمقراطي؛ ثالثا التحولات الجيوسياسية العالمية، وتراجع مكانة واشنطن عالميا؛ رابعا تراجع حدة التيار اليميني الافنجليكاني المتصهين والصهيوني، وغيرها من العوامل.

اقرأ النسخة الكاملة