ضوضاء السفن تُهدّد الحيتان القاتلة.. وتقنيات الذكاء الاصطناعي تسعى لإنقاذها
ملاحظة المحرر: "نداء الأرض" عبارة عن سلسلة تحريرية من CNN تلتزم بتقديم التقارير حول التحديات البيئية التي تواجه كوكبنا، والحلول لمواجهتها. أبرمت رولكس عبر مبادرة "الكوكب الدائم" شراكة مع شبكة CNN لزيادة الوعي والمعرفة حول قضايا الاستدامة الرئيسية وإلهام العمل الإيجابي
(CNN)-- في شهر سبتمبر/أيلول الماضي، وصل 76 حوتًا من "الأوركا" إلى بحر ساليش، مُسجّلين آخر ظهور لجماعة مُهدّدة بالانقراض، تُعرف باسم "الحيتان القاتلة المُقيمة في الجنوب".
في كُلّ عام، تتّجه الأعداد القليلة المتبقية من هذه الحيتان إلى مضيق "أدميرالتي"، قبل أن تُواصل طريقها نحو خليج "بيوجيت" في ولاية واشنطن الأمريكية، حيث تتنقل في مياهه ذهابًا وإيابًا من أواخر الصيف حتى مطلع الشتاء.
وتُصنّف هذه الحيتان ضمن أكثر الأنواع المُهدّدة بالانقراض، كما أنها من بين جماعات "الأوركا" القليلة التي تعتمد على الأسماك كمصدر لغذائها.
وتخوض هذه الرحلة عبر المضائق البحرية بحثًا عن سمك السلمون من نوع "شينوك".
وتُؤثّر الضوضاء الناجمة عن حركة الملاحة البحرية الكثيفة في قدرتها على الصيد والتواصل وتحديد مواقع فرائسها باستخدام الصدى الصوتي، فيما تُشكّل السُفُن خطرًا إضافيًا يُهدّد حياتها، نظرًا لاحتمال اصطدامها بها.
في سبعينيات القرن الماضي، توصّل العلماء إلى أن الحيتان القاتلة المُقيمة في الجنوب تنتمي إلى جماعة مُستقلّة ومُتميّزة وراثيًا عن حيتان "بيغ" القاتلة، والأكثر انتشارًا.
وأظهر أول مسح علمي لهذه الجماعة، أُجري عام 1974، أن أعدادها بلغت 71 حوتًا فقط، قبل أن ترتفع إلى 97 حوتًا عام 1996، ثم تتراجع إلى 79 حوتًا بحلول عام 2001.
وفي عام 2005، أُدرجت هذه الجماعة رسميًا على قائمة الأنواع المُهدّدة بالانقراض.
وقالت راتشيل آرونسون، مديرة البرامج في مبادرة "كوايت ساوند" التابعة لمنظمة "ماريتايم بلو"، التي تعمل على تعزيز المُمارسات المستدامة في القطاع البحري: "يُشكّل الضجيج تحت الماء تهديدًا واسع النطاق".
وأضافت: "كُلّما ارتفع مستوى الضوضاء تحت الماء، ازدادت صعوبة العثور على الغذاء بالنسبة إلى الحيتان القاتلة المقيمة في الجنوب.. ففي بعض الأحيان، تُطارد هذه الحيتان فرائسها دون أن تتمكّن من اصطيادها، ما يجعلها تُهدر طاقتها دون الحصول على أيّ غذاء.. وفي أحيان أخرى، تتخلّى عن الصيد تمامًا، وهو أمر يُثير القلق، لا سيّما إذا كانت الأنثى تستعد للحمل أو تُرضع صغيرًا".
وأظهرت دراسة نُشرت عام 2024 أن ارتفاع الحدّ الأقصى لمستوى الضوضاء بمقدار ديسيبل واحد يُقلّص احتمال مُطاردة الإناث لفرائسها بنسبة 58%، كما يُخفّض فرص نجاح الذكور والإناث في اصطياد الفرائس بنسبة 12.5%.
تعتمد واشنطن اعتمادًا كبيرًا على التجارة الدولية، إذ ترتبط بها نحو 40% من الوظائف في الولاية، ما يجعل الموازنة بين مصالح القطاع البحري ومُتطلّبات حماية الحياة البرّيّة مُهمّة دقيقة للغاية.
وبالاستفادة من تجربة البرنامج الكندي "إيكو"، أطلقت مبادرة "كوايت ساوند"، عام 2022، برنامجًا طوعيًا لتشجيع السُفُن على خفض سرعتها، على امتداد مسار بحري بطول 20 ميلًا، باتجاه سياتل وتاكوما وإيفريت، أكبر ثلاثة موانئ في ولاية واشنطن الأمريكية.
وبشكل عام، يؤدي إبطاء حركة السُفُن إلى تقليل التلوث الضوضائي.
وأوضحت آرونسون أن نسبة المشاركة في البرنامج بلغت 73% حتى الآن، فيما انخفضت الضوضاء تحت الماء بنسبة تصل إلى 50% منذ بدء تطبيق المبادرة.
لكن، يبقى رصد تحرّكات الحيتان القاتلة، وتحديدًا الجماعة المقيمة في الجنوب، لتجنّب تعريضها للخطر، تحدّيًا قائمًا.
واستعدادًا لهجرة الحيتان إلى خليج "بيوجيت" هذا العام، تعاونت مبادرة "كوايت ساوند" مع شركة "إس إم آر يو للاستشارات" و"مايكروسوفت" لإطلاق عوّامة صوتية مُزوّدة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، لرصد أصوات الحيتان وتتبّع وجودها.
وقد طوّرت شركة "إس إم آر يو للاستشارات"، التابعة لجامعة "سانت أندروز" في المملكة المتحدة، سلسلة من العوّامات الذكية منذ عام 2014.
واستُخدمت بالفعل في رصد الحياة البرّيّة باسكتلندا والساحل الشرقي للولايات المتحدة وشمال غرب المحيط الهادئ، وتحديدًا في مناطق قد يؤدي فيها الوجود البشري إلى إزعاج الحيوانات.
وقال كورماك بوث، المدير العام للشركة، إن مُراقبة الأصوات البحرية مستمرة منذ عقود، لكن تحليل البيانات كان يستغرق في السابق عدّة أشهر بعد جمعها.
وأوضح أن التطوّر التكنولوجي أتاح تجاوز أسلوب الأرشفة والتحليل اللاحق، مُضيفًا: "بات بإمكاننا اليوم تقديم معلومات موثوقة عمّا يحدث في الوقت الفعلي، بما يسمح اتّخاذ القرارات فورًا".
وفي يوليو/تموز 2025، دخلت "إس إم آر يو للاستشارات" في شراكة مع "مايكروسوفت" لتطوير عوّامة تستخدم الذكاء الاصطناعي للتعرّف إلى نداءات الحيتان القاتلة والحدباء.
وقال خوان لافيستا فيريس، كبير علماء البيانات في "مايكروسوفت": "تُنتج عمليات الرصد تحت الماء تسجيلات صوتية تفوق قدرة البشر على مُراجعتها يدويًا، وهنا تبرز أهمية الذكاء الاصطناعي في معالجة هذه الكميات من البيانات بسرعة وبما يُقارب الوقت الفعلي".
وزوّدت "مايكروسوفت" عوّامة تابعة لشركة "إس إم آر يو" بنظام "ووتر سبار"، وهو إصدار مُخصّص للبيئات المائية من تقنيتها القائمة على الذكاء الاصطناعي لرصد الحياة البرّيّة.
ويُتيح عمومًا تحليل الأصوات والصور وبيانات المستشعرات للتعرّف إلى الأنواع المختلفة.
وفي يوليو/تموز، نشرت "مايكروسوفت" وشركة "إس إم آر يو للاستشارات"، بالتعاون مع مبادرة "كوايت ساوند"، عوّامة صوتية في مضيق "هارو"، الذي يمتد على حدود كندا والولايات المتحدة.
وقال جيسون وود، كبير العلماء ونائب مدير التكنولوجيا في "إس إم آر يو للاستشارات": "هذه المنطقة هي الأنسب لتحقيق أكبر فائدة مُمكنة في حماية الحيتان المقيمة في الجنوب".
وتضمّ العوّامة ثلاثة ميكروفونات مائية، أو "هيدروفونات"، مُثبّتة تحت الماء، فيما يُوجد نظام "مايكروسوفت" داخل العوّامة نفسها، ونظام التحليل التابع لشركة "إس إم آر يو" أسفل سطح الماء.
ويتنافس النظامان، وفقًا لوود، لتحديد أيّهما أكثر دقّة في رصد أصوات الحيتان القاتلة المُقيمة في الجنوب.
وقال فيريس: "النتائج مُشجّعة حتى الآن.. فبعد تكييف النماذج مع طبيعة الأصوات تحت الماء في خليج بيوجيت، وجمع مزيد من البيانات الميدانية، تراجعت الإنذارات الخاطئة إلى مستوى أصبح فيه "ووتر سبارو" صالحًا للعمل كنظام فعلي للكشف".
وأوضح وود أن العوّامة لم تبدأ بعد بإرسال بياناتها إلى نظام "دبليو آر إيه إس"، الذي تُديره منظمة "أوشن وايز" لتنبيه الملّاحين بمواقع الحيتان وتجنّب اصطدام السفن بها، بسبب احتمال صدور إنذارات خاطئة، لكن ذلك قد يتغيّر.
ويعتمد النظام على دمج بيانات من مصادر مُتعدّدة، تشمل مشاهدات البشر، والتصوير الحراري، والميكروفونات المائية (الهيدروفونات)، لإنشاء خريطة تُحدّد مواقع رصد الحيتان.
وبحسب آرونسون، يتلقّى ربابنة السفن التجارية تنبيهًا نصيًا عند رصد حوت على بُعد 10 أميال بحرية.
وأشار وود إلى أن لكلّ وسيلة من وسائل الرصد حدودها؛ فالمشاهدات البشرية تقتصر غالبًا على ساعات النهار، والتصوير الحراري يرصد ما يظهر قرب سطح الماء، فيما تعتمد الميكروفونات المائية على إصدار الحيتان لنداءاتها.
ومع ذلك، أعرب عن أمله في تعزيز دقّة رصد الأنواع وتوفير معلومات أكثر فائدة من خلال توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات.
ومن جانبه، قال فيريس إن "مايكروسوفت" تعمل على توفير بيانات عن الأنماط الموسمية للحيتان القاتلة، لدعم جهود حمايتها وإدارة الحياة البرّيّة، مع إمكانية توسيع التجربة لتشمل أنواعًا أخرى في بحر ساليش.
وأشار إلى أن مايكروسوفت تسعى إلى إتاحة نظام "ووتر سبارو" كمصدر مفتوح، مثل نسخته البرّيّة، حتى تستطيع مزيد من الجهات المعنية بحماية الحياة البرّيّة استخدامه وتركيبه على عوّامات أخرى متوافقة.
وقال فيريس: "في ظلّ الوضع الحرج لهذه الجماعة المُهدّدة بالانقراض، لم يعد السؤال ما إذا كانت هذه العوّامات المدعومة بالذكاء الاصطناعي ستُعمّم، بل متى سيحدث ذلك، إذ تتوقّف حماية الحيتان على هذه الخطوة".