القصر
الاقتصاد

ضرائب الكراء تعاقب الاقتراض وتكافئ أصحاب السيولة في سوق العقار

محرر الاقتصاد 1 7 دقائق قراءة

تثير قواعد فرض الضريبة على المداخيل الكرائية في المغرب تساؤلات بشأن تكافؤ الفرص داخل سوق العقارات المخصصة للكراء؛ إذ تختلف المردودية الصافية للعقار الواحد حسب الوضعية الجبائية لمالكه وطريقة تمويله. وتكشف محاكاة مالية لاقتناء شقة بقيمة 1,3 مليون درهم، تدر مداخيل كرائية سنوية تبلغ 78 ألف درهم، أن مستثمرا غير مقيم ليست له مداخيل مغربية أخرى، واقتنى العقار نقدا، قد يحقق مردودية صافية تناهز 4,4 في المائة، مقابل 3,2 في المائة لمستثمر مقيم تُضاف مداخيله الكرائية إلى أجره.

وتتسع الفوارق عند اللجوء إلى التمويل البنكي؛ إذ قد تتراجع المردودية الاقتصادية بعد الفوائد والضريبة إلى نحو 0,8 في المائة للمستثمر غير المقيم، وتصبح سلبية بناقص 0,5 في المائة للمقيم، دون احتساب المبالغ المخصصة لسداد أصل القرض. ولا تعكس هذه الفوارق امتيازا ضريبيا خاصا، وإنما تنتج عن اختلاف نطاق الدخل الخاضع للضريبة وطريقة احتساب الدخل العقاري الصافي.

وتنص المادة 64 من المدونة العامة للضرائب على تطبيق تخفيض جزافي نسبته 40 في المائة على المداخيل العقارية الخام، يغطي مجموع مصاريف المالك، دون السماح بخصم إضافي لفوائد القروض البنكية. ويترتب عن ذلك إخضاع مستثمرين يحققان المداخيل الكرائية نفسها لوعاء ضريبي متماثل، رغم اختلاف أعبائهما المالية.

وتتزامن هذه الوضعية مع استمرار النمو المحدود لقروض السكن، رغم تحسن المعاملات العقارية، ومناقشة إصلاحات ضريبية ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، ما يطرح تساؤلات بشأن تأثير النظام الجبائي على قرارات الاستثمار وتوسيع العرض السكني المخصص للكراء.

تفاوت المردودية والعبء الضريبي

تستند المحاكاة إلى اقتناء شقة بقيمة مليون و300 ألف درهم، تُكترى دون أثاث مقابل 6500 درهم شهريا، أي 78 ألف درهم سنويا، بمردودية خام تبلغ 6 في المائة. وقُدرت المصاريف السنوية بنحو 19 ألفا و500 درهم، تشمل الرسوم والصيانة والتأمين وتكاليف الملكية المشتركة وفترات الشغور، ليستقر العائد قبل الضريبة والتمويل عند 58 ألفا و500 درهم.

وفي حالة الاقتراض، تفترض المحاكاة تمويل 80 في المائة من قيمة العقار، أي مليون درهم و40 ألف درهم، بقرض بنكي لمدة 20 سنة، بسعر فائدة يبلغ 4,66 في المائة، وهو متوسط سعر قروض السكن خلال الفصل الأول من سنة 2026، وفق بنك المغرب. ويناهز القسط الشهري 6670 درهما، فيما تقارب فوائد السنة الأولى 48 ألف درهم، لينخفض العائد الاقتصادي قبل الضريبة إلى حوالي 10 آلاف و500 درهم.

وأوضح محمد سليم الخليلي، محلل الأسواق المالية متخصص في تدبير الأصول العقارية، أن “تقييم جاذبية الاستثمار العقاري يقتضي تجاوز المردودية الإجمالية نحو احتساب التكلفة الفعلية للتمويل.

فالمستثمر الذي يتوفر على سيولة ذاتية يحتفظ بجزء أكبر من المداخيل الكرائية، بينما يخصص المقترض نسبة مهمة منها لخدمة الدين، خصوصا خلال السنوات الأولى من سداد القرض، عندما تكون حصة الفوائد مرتفعة”.

وأكد الخليلي، في تصريح لهسبريس، أن اعتماد الوعاء الضريبي نفسه لمستثمرين يحققان المداخيل الكرائية ذاتها، رغم اختلاف تكلفة التمويل، يؤدي إلى تفاوت العبء الجبائي قياسا إلى العائد الاقتصادي الفعلي. وأوضح أن “هذا الوضع قد يحد من جاذبية الاستثمار العقاري بالنسبة إلى أصحاب الدخل المتوسط، الذين يعتمدون على القروض البنكية، مقابل استفادة أصحاب المدخرات من غياب تكلفة الاقتراض، دون أن يعني ذلك تمتعهم بمعاملة ضريبية تفضيلية”.

ويكمن مصدر الفارق الأول في نطاق الدخل الخاضع للضريبة؛ إذ يخضع غير المقيم في المغرب لمداخيله ذات المصدر المغربي، طبقا للمادة 23 من المدونة العامة للضرائب، بينما تُضاف المداخيل الكرائية للمقيم إلى دخله الآخر. وتُظهر المحاكاة أن مستثمرا لا يتوفر على مداخيل مغربية أخرى قد يؤدي 680 درهما سنويا، مقابل 17 ألفا و316 درهما لمستثمر يقع دخله الإضافي بكامله ضمن الشريحة الهامشية البالغة 37 في المائة.

ويبرز الفارق الثاني بين المقيمين أنفسهم؛ فالمشتري نقدا والمقترض يؤديان الضريبة نفسها، رغم اختلاف عائدهما الاقتصادي قبل الضريبة، البالغ 58 ألفا و500 درهم للأول، مقابل 10 آلاف و500 درهم للثاني. وتمثل الضريبة نحو 30 في المائة من عائد المشتري نقدا، مقابل حوالي 165 في المائة من عائد المقترض، ما يحول ربحه إلى خسارة.

غير أن المردودية الاقتصادية لا تعكس السيولة المتبقية بعد أداء الأقساط البنكية، التي يقارب مجموعها السنوي 80 ألف درهم، متجاوزا مداخيل الكراء حتى قبل المصاريف والضريبة. ويحتاج المستثمر المقترض بذلك إلى موارد إضافية لتغطية التزاماته، رغم مساهمة سداد أصل الدين في زيادة ملكيته الصافية للعقار.

وشدد الخليلي على ضرورة التمييز بين المردودية الاقتصادية والتدفق النقدي الصافي، موضحا أن تحقيق عائد إيجابي لا يعني قدرة العقار على تمويل نفسه. ونبه إلى أن ارتفاع نسبة الاقتراض يزيد حساسية الاستثمار تجاه الشغور وتأخر استخلاص الكراء والمصاريف غير المتوقعة، ما يستدعي الاحتفاظ باحتياطي مالي.

وتشير المحاكاة إلى أن المستثمر غير المقيم الذي يشتري نقدا يستطيع، نظريا ووفق افتراضاتها، دفع نحو 1,82 مليون درهم مقابل العقار نفسه، أي بزيادة تقارب 40 في المائة، مع تحقيق المردودية الصافية نفسها للمستثمر المقيم، البالغة 3,2 في المائة، ما يبرز تفاوت القدرة التنافسية عند الاقتناء.

وتعكس مؤشرات التمويل استمرار هذه التحديات، بعدما سجل جاري قروض السكن نموا سنويا بنحو 2,4 في المائة عند نهاية غشت 2026، ليستقر عند 259,2 مليار درهم، وفق بنك المغرب، منها 32,3 مليار درهم للتمويل التشاركي الموجه للسكن، الذي ارتفع بنسبة 16,3 في المائة.

إصلاحات ضريبية ورهانات السوق العقارية

يعود التفاوت الجبائي إلى اعتماد تخفيض جزافي بنسبة 40 في المائة على المداخيل العقارية الخام، ما يجعل الوعاء الضريبي لكراء سنوي بقيمة 78 ألف درهم مستقرا عند 46 ألفا و800 درهم، بغض النظر عن المصاريف الفعلية وفوائد التمويل. ويرتفع بذلك الوزن النسبي للضريبة كلما تراجعت المردودية بفعل الاقتراض.

واعتبر شكيب بلقايد، مدير وكالة للاستشارة القانونية والضريبية في العقار بالدار البيضاء، أن “التخفيض الجزافي يستهدف تبسيط احتساب الدخل العقاري الخاضع للضريبة، عبر اعتماد نسبة موحدة عوض إلزام المالكين بإثبات مختلف المصاريف. غير أن هذه الآلية قد تثير إشكالات مرتبطة بالإنصاف الجبائي عندما تتجاوز الأعباء الفعلية للمستثمر قيمة التخفيض القانوني، خصوصا بالنسبة إلى المالكين المعتمدين على التمويل البنكي”.

وتنظم المدونة العامة للضرائب الاقتطاع من المنبع على المداخيل العقارية عندما يكون المكتري شخصا معنويا أو شخصا ذاتيا خاضعا لأنظمة مهنية محددة. ويبلغ سعر الاقتطاع 10 في المائة للمداخيل الخام التي تقل عن 120 ألف درهم، و15 في المائة عند بلوغ هذا المستوى أو تجاوزه، مع خصم المبالغ المقتطعة من الضريبة النهائية.

ويمكن للمالك، بالنسبة إلى المداخيل الخاضعة لهذا الاقتطاع، اختيار سعر إبرائي يبلغ 20 في المائة من المداخيل الخام، أي 15 ألفا و600 درهم في المحاكاة. أما الكراء السكني للأسر والأشخاص غير المهنيين فلا يخضع لهذا الاقتطاع، ولا يتاح فيه الخيار المذكور، مع التزام المالك بالتصريح بمداخيله ضمن الآجال القانونية.

ونبه بلقايد، في تصريح للجريدة، إلى أهمية دراسة الوضعية الجبائية لكل مستثمر قبل اختيار طريقة التصريح والأداء، بالنظر إلى اختلاف مجموع المداخيل وطبيعة العلاقة بالمكتري. وأوضح أن “الإقامة خارج المغرب لا تمنح إعفاء عاما من الضريبة على المداخيل العقارية ذات المصدر المغربي؛ إذ يظل غير المقيمين خاضعين للقواعد الوطنية، مع مراعاة الاتفاقيات الدولية لتجنب الازدواج الضريبي عند الاقتضاء”.

وتتزامن هذه الإشكالات مع تحسن نسبي للنشاط العقاري، بعدما ارتفع مؤشر أسعار الأصول العقارية بنسبة 0,7 في المائة خلال الفصل الثاني من سنة 2026، مقارنة بالفصل السابق، وزادت المعاملات بنسبة 11 في المائة، وفق بنك المغرب والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية. غير أن هذا التحسن لا يلغي صعوبات التمويل والقدرة الشرائية.

وتزداد أهمية النقاش بالنظر إلى نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، التي أظهرت أن نحو 28 في المائة من الأسر الحضرية تقيم في مساكن مكتراة، ما يبرز أهمية تشجيع الاستثمار لتوسيع العرض السكني وتحسين شروط الولوج إلى الكراء.

وفي هذا السياق، يتضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027 مراجعة تدريجية للجدول التصاعدي للضريبة على الدخل، تستهدف رفع عتبة الإعفاء السنوية من 40 ألفا إلى 60 ألف درهم ابتداء من 2027، وصولا إلى جدول مستهدف سنة 2031. وإذا صودق على المشروع بصيغته المعروضة، فقد يصبح وعاء 46 ألفا و800 درهم معفى بالنسبة إلى المستثمر الذي لا يتوفر على مداخيل أخرى، بينما يظل السعر الهامشي البالغ 37 في المائة مطبقا خلال 2027 على الدخل الذي يتجاوز 180 ألف درهم.

وأكد المستشار القانوني والضريبي أن “تخفيف الأسعار الهامشية قد يحسن المردودية الصافية للاستثمار العقاري، لكنه لا يعالج بمفرده إشكالية عدم خصم فوائد القروض بصورة مستقلة”. واقترح دراسة نظام اختياري يسمح بخصم المصاريف الفعلية المثبتة وفوائد التمويل، مع الاحتفاظ بالتخفيض الجزافي للمالكين الذين يفضلون تبسيط التزاماتهم، شريطة ضبط شروط الاستفادة والمراقبة.

وتُطرح أيضا إمكانية اعتماد سعر موحد على المداخيل الكرائية، منفصل عن جدول الضريبة على الأجور، بما يقلص تأثير الوضعية الجبائية الشخصية على مردودية العقار. وتبقى فعالية الإصلاح رهينة بالتوفيق بين العدالة الجبائية وتشجيع الاستثمار وتوسيع العرض السكني المخصص للكراء، دون خلق اختلالات جديدة بين مختلف فئات المستثمرين.

اقرأ النسخة الكاملة