روى الصحفي الأمريكي الشهير بوب وودورد قصة صداقته الطويلة مع ريتشارد دارمان، أحد أقوى المسؤولين في إدارتي الرئيسين الأمريكيين رونالد ريغان وجورج بوش الأب. وكان دارمان مصدره الأهم داخل البيت الأبيض قبل أن تنهار الصداقة بسبب سلسلة مقالات نشرها وودورد قبيل انتخابات عام 1992. ويخلص إلى أن الاقتراب الزائد من المصدر خطر على الصحفي وعلى الصداقة معا.
جاء ذلك في مقال نشرته مجلة نيويوركر الأمريكية الاثنين الماضي، كتبه وودورد الصحفي الاستقصائي في صحيفة واشنطن بوست الذي كشف فضيحة ووترغيت. والمقال مقتطف من مذكراته المقبلة "أسرار: مذكرات صحفي".
أخبار مقترحة
يصف وودورد دارمان بأنه مصدر "يختبئ في العلن"، لأن صداقتهما كانت معروفة للجميع؛ أما غير المعروف فهو أن دارمان كان قناته إلى داخل البيت الأبيض طوال رئاستي ريغان وبوش.
وقد تعارف الرجلان عام 1973 خلال فضيحة ووترغيت، وكان كلاهما في الثلاثين؛ وعمل دارمان حينئذ مساعدا بارزا لوزير العدل إليوت ريتشاردسون، الذي استقال رافضا تنفيذ أمر الرئيس ريتشارد نيكسون بإقالة المدعي الخاص في القضية. وكان دارمان يطلع وودورد بانتظام على كواليس الأحداث ومعناها.
ويقول وودورد إن دارمان خريج جامعة هارفارد، طموح وذكي وعنيد، مثالي وساخر في آن. وقد قال لصحيفة نيويورك تايمز ذات مرة إن هوايته الوحيدة هي العمل.
نقيض "الحنجرة العميقة"
يقارن وودورد بين دارمان وأشهر مصادره على الإطلاق مارك فيلت، الرجل الثاني في مكتب التحقيقات الفدرالي في عهد نيكسون، المعروف بلقب "الحنجرة العميقة". فقد ظل فيلت مصدرا سريا 33 عاما، يعمل في الظل ويحذر من كل معلومة يقدمها. أما دارمان فكان نقيضه، إذ يتحدث بلا تحفظ عن أدق قرارات البيت الأبيض وأعلاها حساسية.
ويقول وودورد إن دارمان علّمه أن مفتاح فهم أي إدارة جديدة في البيت الأبيض هو من يشغل وظيفة "رئيس الموظفين"، الذي يرى ويتحكم في كل ما يصل إلى الرئيس من أوراق. وقد طلب دارمان هذا المنصب وناله في ولاية ريغان الأولى، ثم صار نائبا لوزير الخزانة جيمس بيكر، ثم مديرا لمكتب الإدارة والميزانية في عهد بوش خلال الأعوام من 1989 إلى 1993.
ويكشف وودورد أنه حاور دارمان في 58 لقاء أو مكالمة على الأقل، ويحتفظ بصناديق تضم مئات الصفحات من الملاحظات عن أحاديثهما.
رجل الفأس في حروب البيت الأبيض
يروي وودورد أن ريغان فوض كثيرا من سلطاته، وهو ما خلق صراعا على النفوذ بين مستشاريه. ونقل عن دارمان قوله عام 1987 إنه عاش 4 سنوات في عالم من السلطة المفوضة دون رئيس منخرط تماما، وسط فريق من "المسؤولين المتنافسين" الذين يحاول كل منهم إزاحة الآخر سرا.
ويقول إن دارمان اعترف له بأن دوره، وكان سريا للغاية، يُسمى في عصور سابقة "رجل الفأس". فقد كان بيكر يكلفه بتشويه منافسيه على الاقتراب من الرئيس، ومنهم وزير الخارجية ألكسندر هيغ والمستشار إدوين ميس ومدير الاستخبارات المركزية بيل كيسي.
وكان دارمان يسرب للصحفيين روايات دقيقة عن سلوك هيغ في الاجتماعات حتى استقال عام 1982. ويقر وودورد بأنه كان يعلم أنه يُستغل أحيانا، لكنه يرى أن ذلك لا يعني أن المعلومات لم تكن دقيقة.
سر بطاقة الشفرة النووية
من أبرز ما كشفه دارمان لوودورد ما جرى بعد محاولة اغتيال ريغان عام 1981، فقد أخبره بأن مكتب التحقيقات الفدرالي استولى على بطاقة الشفرة النووية التي كان ريغان يحملها في محفظته، ضمن جمع الأدلة بعد إطلاق النار.
ويوضح وودورد أن ذلك تسبب في خلاف حاد بين المساعد العسكري للرئيس وأفراد المكتب في المستشفى. ونقل عن المدعي العام الأمريكي في واشنطن تشارلز روف أن المواجهة حُسمت خلال 36 إلى 48 ساعة.
وفي حين أكد مدير الاتصالات في البيت الأبيض ديفيد غيرغن أن الأمن القومي لم يتضرر في أي لحظة، فاجأ دارمان وودورد بإقراره بالمخاطر. وقال إن الرئيس الجريح يهدد الأمن القومي بطبيعة الحال، وإن النظام لا يعمل كما ينبغي والإدارة تعرف ذلك.
ويروي الكاتب أيضا ما عرفه لاحقا عن حال ريغان بعد عودته من المستشفى، فقد بدا شاحبا ومشوشا، لا يقوى على التركيز إلا دقائق، حتى خشي مساعدوه أن تتحول رئاسته في بدايتها إلى رئاسة مشلولة.
يقول وودورد إن دارمان كان صديقا كريما معه، إلى حد أنه اختاره عرّابا لأحد أبنائه. ويقر بأنه شعر بالقلق من أن يصبح صحفي عرّابا لابن مصدر مقرب، لكنه لم يجد طريقة للاعتراض. ويقول "كان عليَّ أن أدرك الخطر"، مضيفا أن تدفق المعلومات والوقت الذي قضاه مع دارمان كان له "مفعول مخدر".
وفي صيف عام 1992، زار دارمان منزل وودورد قرب أنابوليس مكتئبا. وقال إنه "يُترك معلقا" بسبب طموحات بوش السياسية، وإنه كبير المسؤولين عن ضبط الميزانية لكنه لا يفعل ذلك.
ويروي وودورد أن دارمان اعترف بأنه عقد مع ريغان ثم بوش "صفقات شيطانية"، وأنه وافق أحيانا على قرارات كان يعلم أنها غير مسؤولة. وكان يخشى أنه باع روحه، ثم يعود فيقول بتردد إنه لا يظن ذلك.
4 مقالات قبل الانتخابات
حصل وودورد على موافقة محرريه في واشنطن بوست على سلسلة من 4 مقالات عن السياسة الاقتصادية لبوش قبل الانتخابات بشهر. وحين أبلغ دارمان، أبدى قلقه لأن التركيز سيكون على بوش. وقال إنه فهم منه أن ما يقوله مخصص لكتاب يصدر بعد سنتين أو ثلاث.
ويقول وودورد إنه رد بأن واجبه الصحفي يفرض نشر السلسلة قبل الانتخابات، لأن القضية أهم من أن تنتظر الكتاب. واتفق الرجلان على أن هناك تعارضا بين "الصداقة" و"الواجب الصحفي".
ورأى دارمان أن المقال الرابع عن صراعات فريق بوش الاقتصادي لا مبرر له، وقال إن بوش خسر الانتخابات على أي حال. ثم سأل صديقه بمرارة كيف صار هو "المحظوظ" الذي يثبت به وودورد أنه قادر على مهاجمة أصدقائه.
ويعترف وودورد بأن هذا السؤال كان مؤلما، وبأنه كان متعاليا أخلاقيا في ذلك الوقت. ويقر بأنه رأى في السلسلة فرصة للكتابة عن قلب ما يجري بطريقة لم يسبقه إليها أحد، وأنه كان يثبت استقلاليته بشكل ما.
نهاية الصداقة
نُشرت السلسلة على الصفحة الأولى في واشنطن بوست بين 4 و7 أكتوبر/تشرين الأول 1992. وكتب مورين دود وتوماس فريدمان في نيويورك تايمز أن بوش وعائلته كانوا غاضبين مما رأوه خيانة من كبار المساعدين، وأن كثيرين في الإدارة افترضوا أن دارمان هو المصدر.
ووصفت افتتاحية في صحيفة وول ستريت جورنال السلسلة بأنها محاولة مكشوفة من دارمان لفرض روايته على التاريخ. أما الكاتبان رولاند إيفانز وروبرت نوفاك فقالا إن دارمان استخدم أشهر صحفي استقصائي في البلاد لرواية نسخته في أخطر لحظة على الرئيس. ولا يتفق وودورد مع هذا التفسير.
وانتهت الصداقة، وبعد 4 سنوات أرسل دارمان إلى وودورد كتابه الجديد مع إهداء "تقديرا لسنوات الصداقة". لكنه كتب فيه دون أن يسميه أن صديقا صحفيا قديما خان وعدا محددا وثقة أساسية، ويرى وودورد أن ذلك كان أخف مما يستحق.
في ديسمبر/كانون الأول 2007، وبإلحاح من زوجته الصحفية إلسا والش، زار وودورد صديقه في المستشفى وهو يحتضر. ولم يكن دارمان واعيا، فتحدث وودورد إليه معبّرا عن ندمه العميق، وقال له "لقد خذلتك".
ويقول إنه لم يسع قط لإصلاح الصداقة، وتمسك بموقفه بعناد. ويضيف "لم أشعر في حياتي بغباء كهذا". وقد قبّل جبين صديقه، وتوفي دارمان في يناير/كانون الثاني 2008.
ويختم وودورد بأن تلك التجربة غيرت نظرته إلى الصداقة، فصار أكثر حذرا، وإذا اقترب من شخص قد يكتب عنه يوضح له أن الصحافة عمله "فالحياة ليست خارج التسجيل". ويقول "لم يكن لي صديق آخر مثل ديك دارمان".

التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر