مروة البرغش – دمشق

 

 

ليس الشرق الأوسط وحده مثقلاً بالمآسي؛ شرق سوريا أيضاً يحمل من اسمه نصيباً من الأسى، وكأن أبناء الفرات كُتب عليهم أن يواجهوا الفيض مرةً بمياه النهر، ومرةً بسيول الأمطار.

 

من فيضان الفرات إلى فيضان السيول، تتبدل المياه ولا تتبدل الحكاية كثيراً: خوف، وخسائر، وطرق تقطع، وعائلات تجد نفسها في مواجهة ظروف لا تملك القدرة على التحكم بها.

 

خلال اليومين الماضيين، شهدت محافظات الرقة ودير الزور والحسكة هطول أمطار غزيرة، ترافقت مع عواصف رعدية وبرد ورياح قوية، فتحولت مجاري الأودية إلى سيول جارفة، وأُغلقت طرق رئيسية وفرعية، وغمرت المياه منازل ومرافق عامة. ولم تقتصر الأضرار على الممتلكات؛ فقد أعلنت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، في 29 تشرين الأول، وفاة خمسة أشخاص، بينهم أربعة أطفال، وفقدان خمسة آخرين، فيما تمكنت فرق الإنقاذ من إنقاذ 25 شخصاً حاصرتهم المياه أو علقت مركباتهم في السيول.

 

طريق الموت... انتظار لا ينتهي

 

على طريق دير الزور – دمشق، الذي شهد حوادث أليمة خلال السنوات الماضية، عاد الخطر ليظهر بصورة مختلفة. فبعد فتحه جزئياً أمام بعض المركبات، أُغلق مجدداً بفعل السيول وتدهور حالة الطريق، فيما انقطعت طرق أخرى، بينها طريق حمص – دير الزور عند منطقة هريبشة، نتيجة انجراف التربة وتدفق المياه.

 

لكن أكثر المشاهد قسوة لم يكن في صورة طريق غمرته المياه، بل في حكاية طفلة مريضة كانت متجهة إلى دمشق لتلقي العلاج. وبحسب ما أوردته صحيفة "الثورة السورية"، توفيت الطفلة أثناء انتظارها فتح الطريق في منطقة هريبشة، بعدما حالت السيول دون استكمال رحلتها. كانت دمشق وجهتها للعلاج، لكن الطريق الذي يفترض أن يوصلها إليها تحول إلى محطة انتظار لم تنتهِ كما كان يأمل أهلها.

 

في الصحراء، حيث اعتاد الناس أن ينظروا إلى السماء انتظاراً للمطر، لم تكن هذه المرة مشاهد الغيث الذي ينعش الأرض. كان الماء عبئاً ثقيلاً، يقطع الطرق ويحاصر المسافرين ويهدد حياة السكان، فيما تنتظر عائلات عالقة انفراجاً يسمح لها بالعودة إلى بيوتها أو متابعة رحلاتها.

 

 

شتاء لا يبشر بالخير 

 

لا تتوقف الأسئلة عند حجم الأضرار التي خلفتها هذه السيول، بل تمتد إلى قدرة المناطق المتضررة على مواجهة ما قد تحمله الأشهر المقبلة. فهل كانت هذه العاصفة إنذاراً مبكراً بشتاء أكثر قسوة؟ وهل تكفي الاستجابة الطارئة بعد وقوع الكارثة، أم أن المطلوب خطط وقائية تشمل صيانة الطرق والجسور، ومراقبة مجاري الأودية، وتأمين مسارات بديلة، وتجهيز فرق الإنقاذ بالمعدات اللازمة؟

 

في مناطق تعاني أصلاً من ضغوط المعيشة وارتفاع تكاليف التدفئة والمحروقات، لا يبدو الشتاء مجرد فصل من فصول السنة. إنه اختبار جديد لقدرة الناس على الاحتمال، ولجاهزية المؤسسات على حمايتهم.

 

المطر ليس كارثة بحد ذاته، بل إن تحوله إلى مأساة يضع أمام الجهات المعنية مسؤولية الاستعداد قبل العاصفة، لا الاكتفاء بمواجهة نتائجها. فالناس في شرق سوريا لا ينتظرون معجزة كي يعبروا الطرق أو يصلوا إلى العلاج؛ ينتظرون طرقاً آمنة، وتحذيرات مبكرة، واستجابة تسبق الخطر بدل أن تلحق به.