القصر
العالم العربي

شراء الجغرافيا.. كيف بنت الإمارات شبكة موازية خارج حدودها؟

محرر العالم العربي 1 25 دقيقة قراءة

لم تكن الاضطرابات التي شهدتها المنطقة خلال الآونة الأخيرة هي المحفز الأول الذي دفع الإمارات إلى البحث عن فرص ومساحات استراتيجية خارج حدودها، فعلى مدار عقدين تقريبًا، تبنّت أبو ظبي مسارًا ممنهجًا لبناء طبقات متراكمة من “الجغرافيا البديلة”، بعضها داخل حدود الدولة، وبعضها الآخر يمتد إلى ما وراءها.

غير أن الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران جاءت لتمنح هذا المسار دفعة إضافية، وتسرّع من وتيرته، بعدما كشفت بوضوح حجم الانكشافات الجغرافية التي تواجهها الإمارات، فقد أكدت تطورات الحرب أن الاكتفاء بالداخل، والاعتماد حصريًا على الموارد والإمكانات المتاحة ضمن نطاق جغرافي محدود ومحاط ببؤر التوتر ونقاط الاختناق ومصادر التهديد، يمثل رهانًا محفوفًا بالمخاطر، وقد يضع أمن الدولة واستقرارها ومستقبلها الاقتصادي أمام تحديات متزايدة.

من هنا، تحركت أبوظبي عبر مسارات متعددة، ووزعت استثماراتها ومشروعاتها بين الداخل والخارج، بحيث يستهدف كل مسار معالجة نقطة ضعف جغرافية بعينها، تنويع طرق تصدير النفط في مواجهة انكشاف مضيق هرمز، والاستثمار في الأمن الغذائي لمواجهة ندرة المياه ومحدودية الأراضي الزراعية، وتوسيع شبكات الموانئ والخدمات اللوجستية والتجارية للتحوط من اضطرابات سلاسل الإمداد الناجمة عن توترات الممرات البحرية.

بهذا المعنى، لم تعد الاستثمارات الإماراتية في قطاعات الطاقة والغذاء والموانئ والبنية التحتية مجرد أدوات لتعظيم العائد الاقتصادي، وإنما تحولت تدريجيًا إلى مكونات في استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل علاقة الدولة بالجغرافيا، وتقليص كلفة القيود التي يفرضها موقعها ومواردها وبيئتها الإقليمية المضطربة.

ونسلط في التقرير الثالث من ملف “جغرافيا بديلة”، الضوء على الكيفية التي تحاول بها الإمارات تجاوز نقاط ضعف جغرافيتها التقليدية، والمسارات التي سلكتها في الداخل والخارج لبناء جغرافيا بديلة تعوّض جانبًا من عجزها الجغرافي والبيئي، وتوفر لها هوامش حركة أوسع في مواجهة كلفة موقعها الجيوسياسي شديد الحساسية.

معضلة الجغرافيا الإماراتية

بلغة الأرقام، تفرض الإمارات نفسها بوصفها واحدة من الدول ذات الحضور الاقتصادي المؤثر، مستندة إلى موارد مالية ضخمة، وبنية تحتية متطورة، وموقع استراتيجي على تقاطع طرق التجارة الرابطة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، حيث يقترب ناتجها المحلي الإجمالي من 600 مليار دولار، فيما تحتل المركز الخامس عالميًا في مؤشر التنافسية لعام 2026، والأول عالميًا في الأداء الاقتصادي، بالتوازي مع إدارتها شبكة واسعة من الصناديق والمؤسسات الاستثمارية السيادية التي تقترب أصولها مجتمعة من ثلاثة تريليونات دولار.

لكن خلف هذه القوة الاقتصادية ثمّة معادلة جغرافية أكثر تعقيدًا، فالإمارات، رغم وفرة مواردها المالية وثروتها النفطية وقدرتها الاستثمارية الهائلة، تواجه نقاط ضعف جغرافية وجيوسياسية تفرض قيودًا على قدرتها على الاستفادة الكاملة من تلك المزايا، وهي قيود برزت بصورة أكثر وضوحًا خلال الأشهر القليلة الماضية.

تتمثل أولى هذه المعضلات في محدودية العمق الاستراتيجي الداخلي، فمساحة الدولة لا تتجاوز نحو 83,600 كيلومتر مربع، بما في ذلك الجزر والمياه الإقليمية، وهو نطاق جغرافي محدود لا يمنحها مساحة واسعة تسمح بتوزيع المراكز السكانية والاقتصادية والمنشآت الحيوية والبنى التحتية الاستراتيجية على امتداد جغرافي كبير.

وتزداد حساسية هذا القيد بالنظر إلى طبيعة النموذج الاقتصادي الإماراتي نفسه؛ فهو نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على مجموعة من العقد شديدة الأهمية، في مقدمتها الموانئ والمطارات ومنشآت الطاقة وشبكات النقل والخدمات اللوجستية والمراكز المالية، ومن ثم، فإن ضمان استمرار عمل هذه المراكز وحمايتها من الاضطرابات أو التهديدات المحتملة يتحول من مجرد ضرورة اقتصادية إلى مسألة ترتبط مباشرة بالأمن القومي للدولة.

أما المعضلة الثانية فتتعلق بالموقع الجيوسياسي شديد الحساسية، فالإمارات تقع على مقربة مباشرة من واحد من أهم الاختناقات البحرية في العالم، وهو مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا حيويًا لتجارة الطاقة وحركة الملاحة المرتبطة باقتصادات الخليج، ومع تحول المضيق، خلال فترات التصعيد الإقليمي، إلى ورقة ضغط استراتيجية في يد إيران، أصبحت حدود هذه الجغرافيا أكثر وضوحًا، وانكشفت معها مخاطر الاعتماد المفرط على ممر بحري واحد يمكن لأي اضطراب فيه أن يرفع كلفة التجارة والطاقة والنقل ويضع قطاعات من الاقتصاد الإماراتي تحت ضغط مباشر. وهو ما دفع أبوظبي إلى البحث عن مسارات ومنافذ بديلة تقلل من حجم هذا الانكشاف.

وتبرز المعضلة الثالثة في ندرة الموارد الطبيعية الضرورية للاستدامة، وفي مقدمتها المياه والأراضي القابلة للزراعة، فالمناخ الصحراوي، وشح الأمطار، ومحدودية الموارد المائية الطبيعية، عوامل تجعل الأمنين الغذائي والمائي من أكثر الملفات حساسية بالنسبة للدولة، مع الوضع في الاعتبار أن مساحة الأراضي الزراعية بها لا تتجاوز نحو 3,917 كيلومترًا مربعًا، بما يعادل قرابة 5.52% من إجمالي مساحة اليابسة، وفق بيانات البنك الدولي.

هذه القيود دفعت الإمارات إلى التعامل مع الغذاء والمياه باعتبارهما ملفين استراتيجيين يتجاوزان الحسابات الاقتصادية التقليدية، ومن هنا توسعت في الاستثمار في المشروعات الزراعية والغذائية داخل الدولة وخارجها، بالتوازي مع تبني استراتيجية للأمن المائي تستهدف تعزيز قدرات التخزين، ورفع كفاءة إدارة الطلب، وتطوير قدرة الدولة على التعامل مع الأزمات وحالات الطوارئ.

وهكذا تبدو المفارقة الإماراتية واضحة، دولة تمتلك فوائض مالية ضخمة وبنية تحتية متقدمة وقدرة واسعة على الاستثمار والحركة، لكنها تعمل داخل جغرافيا محدودة الموارد والعمق، ومحاطة بعدد من نقاط الاختناق ومصادر التوتر. ومن هذه المفارقة تحديدًا بدأت أبوظبي في توظيف قوتها الاقتصادية لمعالجة نقاط ضعفها الجغرافية، وتحويل رأس المال والاستثمار والبنية التحتية إلى أدوات لبناء هوامش أمان جديدة داخل حدودها وخارجها.

تداعيات الحرب.. خسائر فادحة

تعرض الاقتصاد الإماراتي منذ اندلاع الحرب الأمريكية ضد إيران لصدمة هي الأشد منذ عقود، لم تقتصر تداعياتها على الخسائر المباشرة الناجمة عن الضربات الإيرانية التي استهدفت مواقع داخل الدولة، وإنما امتدت إلى قطاعات رئيسية في الاقتصاد، وأصابت بعضها بحالة من الشلل أو التراجع الحاد، خاصة بعدما هبطت حركة الناقلات عبر مضيق هرمز إلى مستويات قاربت الصفر، مقارنة بنحو 70 سفينة كانت تعبره يوميًا قبل الحرب.

لكن الجانب الأكثر حساسية في هذه الخسائر أنها أصابت جوهر النموذج الاقتصادي الذي عملت الإمارات لعقود على ترسيخه والترويج له، كمركز عالمي مستقر وآمن للمال والتجارة والنقل والاستثمار، قادر على العمل بكفاءة واستمرارية رغم وجوده في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا، وقد استندت جاذبية هذا النموذج، إلى جانب البنية التحتية ورأس المال، إلى صورة الإمارات باعتبارها مساحة مستقرة نسبيًا ومنفصلة عن أزمات محيطها الإقليمي، غير أن الحرب وضعت هذه الفرضية أمام اختبار قاسٍ، وكشفت أن بعض أهم مصادر القوة الاقتصادية الإماراتية ترتبط في الوقت نفسه بنقاط انكشاف جغرافية يصعب عزلها بالكامل عن تطورات الإقليم. وهو ما تعكسه بوضوح أرقام الموانئ والشحن والطيران والتجارة.

الموانئ.. حين تعطلت الطريق إلى قلب النموذج التجاري

كانت الموانئ من أكثر القطاعات تعبيرًا عن حجم الصدمة، ومن أوضح المؤشرات على مستوى الانكشاف الجيوسياسي للاقتصاد الإماراتي، ففي الربع الثاني من عام 2026، تراجعت مناولة الحاويات في الموانئ التابعة لمجموعة موانئ أبوظبي داخل الإمارات بنسبة 65% على أساس سنوي، لتصل إلى نحو 573 ألف حاوية نمطية، فيما انخفضت أحجام البضائع العامة والسائبة بنسبة 67% إلى نحو 3.1 مليون طن.

وسرعان ما انعكس هذا التراجع على الأداء المالي للقطاع؛ إذ انخفضت الإيرادات بنسبة 17% إلى 609 ملايين درهم، أي نحو 165.8 مليون دولار، بينما تراجعت الأرباح التشغيلية قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك بنسبة 23% إلى 234 مليون درهم، أي قرابة 64 مليون دولار.

أما ميناء جبل علي، الذي يمثل القلب التاريخي للنموذج التجاري واللوجستي لدبي، فيقدم الصورة الأكثر وضوحًا لحجم الصدمة، فقد تراجعت مناولة الحاويات خلال الربع الثاني بنسبة 90.1% على أساس سنوي، من قرابة 3.8 مليون حاوية نمطية خلال الفترة نفسها من عام 2025 إلى نحو 374 ألف حاوية فقط في 2026.

وتتجاوز دلالة هذه الأرقام مجرد الخسارة التشغيلية؛ فهي تكشف أن كفاءة الموانئ الإماراتية لا تتوقف على قدراتها الداخلية أو بنيتها التحتية المتطورة فحسب، وإنما ترتبط كذلك باستمرار حرية الملاحة في الممرات البحرية المحيطة بها، فتعطيل الطريق المؤدي إلى الميناء كان كافيًا لإضعاف جزء كبير من وظيفته الاقتصادية، حتى من دون استهداف بنيته الأساسية بصورة مباشرة.

الشحن والتأمين.. كلفة إضافية فرضتها الجغرافيا

لم تتوقف ارتدادات الحرب عند تراجع حركة السفن، بل امتدت إلى تكلفة الوصول إلى الإمارات نفسها، فخلال الأشهر الأولى من الأزمة، قفزت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب على بعض الناقلات من نحو 0.15% من قيمة السفينة قبل اندلاع الحرب إلى قرابة 5% في ذروة التوتر.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت تكلفة نقل الحاوية على بعض المسارات من نحو 1,500 دولار قبل الحرب إلى قرابة 10 آلاف دولار في ذروة الأزمة، فيما تجاوزت التكلفة الإجمالية في بعض الحالات، بعد إضافة الرسوم المحلية، مستوى 10.5 آلاف دولار، مقارنة بنحو 2,100 إلى 2,250 دولار قبل الحرب.

كما أن ارتفاع التكلفة لا يبقى محصورًا داخل قطاع الشحن، وإنما ينتقل تدريجيًا عبر حلقات الاقتصاد المختلفة؛ من شركات النقل إلى المستورد والمصنع وتاجر التجزئة، وصولًا إلى المستهلك النهائي، بالتوازي مع ارتفاع تكلفة الاحتفاظ بالمخزون وزيادة الضغوط على نشاط إعادة التصدير، أحد المكونات الأساسية للنموذج التجاري الإماراتي.

الطيران.. الضربة الثانية لعقدة العبور الإماراتية

وإذا كشف اضطراب مضيق هرمز هشاشة الاتصال البحري، فإن اضطراب المجال الجوي أظهر الوجه الآخر لانكشاف الموقع الإماراتي، فالدولة لم تبنِ مكانتها الاقتصادية على الموانئ وحدها، وإنما نجحت خلال العقود الماضية في تحويل دبي وأبوظبي إلى اثنتين من أبرز عقد النقل والعبور الجوي بين الشرق والغرب.

وخلال الأسابيع الأولى من الحرب، قدّر صندوق النقد الدولي تراجع الرحلات المغادرة بنحو الثلث في أبوظبي، وبنحو الثلثين في دبي، مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، وبحلول نهاية النصف الأول من العام، أصبحت تداعيات الصدمة أكثر وضوحًا؛ إذ استقبل مطار دبي الدولي نحو 31.5 مليون مسافر، مقابل قرابة 46 مليونًا خلال النصف الأول من عام 2025، بانخفاض بلغ 31.3%، كما تراجعت حركة الطائرات بنسبة 32.1% إلى نحو 150.6 ألف حركة، بعدما كان المطار يتطلع قبل اندلاع الحرب إلى الاقتراب من حاجز 100 مليون مسافر خلال عام 2026.

ولا تتوقف خسائر اضطراب الطيران عند حدود المطارات وشركات النقل الجوي؛ إذ تمتد بصورة مباشرة وغير مباشرة إلى الاقتصاد الخدمي بأكمله، فتراجع أعداد المسافرين يعني فقدان إنفاق محتمل في الفنادق والمطاعم ومراكز التسوق والنقل والترفيه والمؤتمرات والفعاليات، بما يحول أزمة الطيران إلى صدمة تنتقل آثارها إلى مجموعة واسعة من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بحركة الزوار والأعمال.

السياحة والعقارات والتجارة.. اتساع دوائر الصدمة

ورغم عدم وجود حصيلة رسمية شاملة حتى الآن تحدد حجم الخسائر التي لحقت بقطاعات السياحة والعقارات والتجارة نتيجة الحرب، فإن طبيعة هذه الأنشطة تجعلها من أكثر القطاعات حساسية تجاه اضطراب النقل والملاحة والطيران، فضلًا عن تأثرها بمستويات الثقة والاستقرار وتدفقات الزوار ورؤوس الأموال.

وفي هذا السياق، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن نمو الاقتصاد الإماراتي خلال عام 2026 سيكون أقل قليلًا من التقديرات السابقة، في ظل تباطؤ الأنشطة غير النفطية وتأثر قطاعات السياحة والنقل والتجارة والعقارات بحالة عدم اليقين، إلى جانب ضغوط تضخمية إضافية مرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء.

وبينما لا تسمح البيانات المتاحة حتى الآن بوضع رقم نهائي لفاتورة الحرب، فإن المؤشرات القطاعية ترسم صورة واضحة لحجم الصدمة، انخفاض مناولة الحاويات في جبل علي بنسبة 90.1% خلال الربع الثاني، وتراجع حاويات موانئ أبوظبي المحلية بنسبة 65%، والبضائع العامة والسائبة بنسبة 67%، فضلًا عن انخفاض عدد المسافرين عبر مطار دبي بنسبة 31.3%، وحركة الطائرات بنسبة 32.1% خلال النصف الأول من العام.

وتكشف هذه الأرقام أن الخطر الذي واجهته الإمارات لم يكن ماليًا فقط، بل كان في جوهره اختبارًا لقدرة نموذجها الاقتصادي على الاستمرار عندما تتعطل الوظيفة التي يمنحها له الموقع الجغرافي،  فالموانئ والمطارات وشبكات إعادة التصدير والخدمات اللوجستية التي صنعت جانبًا مهمًا من قوة الإمارات الاقتصادية تعتمد، في نهاية المطاف، على بقاء الممرات البحرية والمجالات الجوية المحيطة بها مفتوحة وآمنة وقابلة للتنبؤ، ومن هنا، لم تكشف الحرب حجم الخسائر الاقتصادية فحسب، بل أعادت كذلك طرح سؤال أكثر جوهرية بالنسبة لأبوظبي: كيف يمكن حماية نموذج اقتصادي عالمي من المخاطر التي تفرضها جغرافيا إقليمية شديدة الاضطراب؟

الجغرافيا البديلة

أمام هذه الانكشافات الجغرافية، تحركت الإمارات منذ قرابة عقدين لمعالجة نقاط ضعفها عبر حزمة واسعة من المشروعات والاستثمارات، بعضها داخل الدولة، فيما امتد الجزء الأكبر منها إلى الخارج، في محاولة لبناء “جغرافيا بديلة” تمنح الاقتصاد الإماراتي مسارات ومنافذ إضافية، وتحد من المخاطر التي يفرضها موقع الدولة الجيوسياسي.

أولًا: الطاقة – بناء منفذ نفطي لا يحتاج إلى هرمز

يظل مضيق هرمز أحد أبرز نقاط الانكشاف الجغرافي للاقتصاد الإماراتي، نظرًا لأهميته اللوجستية والاستراتيجية للدولة عبر عدة مسارات مترابطة، في مقدمتها الطاقة، إذ يمثل المضيق منفذًا رئيسيًا لصادرات النفط والمنتجات البترولية والغاز الإماراتية، ما يعني أن أي اضطراب في حركة الملاحة عبره ينعكس مباشرة على تكاليف التصدير والشحن والتأمين، حتى في حال استمرار عمليات الإنتاج دون تأثر.

ولا تقل أهمية المضيق بالنسبة للتجارة والموانئ؛ فميناء جبل علي وميناء خليفة وغيرهما من الموانئ الإماراتية الواقعة داخل الخليج تعتمد على المرور عبر هرمز للوصول إلى المحيط الهندي والأسواق الآسيوية والعالمية، ومن ثم، يمثل المضيق أحد المرتكزات التي تدعم وظيفة الإمارات كمركز تجاري ولوجستي يربط آسيا بأفريقيا وأوروبا، وفي الوقت نفسه، يمثل إحدى نقاط الحساسية في معادلة الأمن القومي الإماراتي، خاصة عندما يتحول إلى ورقة ضغط جيوسياسية يمكن لطهران استخدامها في أوقات التصعيد.

ومن هنا، بدأت الإمارات على مدار العقدين الماضيين في بناء بدائل جغرافية في قطاع الطاقة، عبر مجموعة من المشروعات كان أبرزها:

خط حبشان–الفجيرة.. يمثل أحد أهم المشروعات الإماراتية لمعالجة الانكشاف المرتبط بمضيق هرمز، دخل الخط الخدمة فعليًا في يوليو/تموز 2012 بتمويل ودعم من حكومة أبوظبي، وهو مملوك حاليًا لشركة “أدنوك”، ويمتد لمسافة تقارب 406 كيلومترات، ناقلًا الخام من حقول أبوظبي البرية إلى الفجيرة المطلة على بحر عُمان. وتبلغ طاقته التصميمية نحو 1.5 مليون برميل يوميًا، مع إمكانية رفعها وفق تصميم الخط باستخدام تقنيات خفض الاحتكاك.

وتكمن القيمة الاستراتيجية للمشروع في إتاحة تصدير النفط من الفجيرة مباشرة إلى بحر عُمان، ومنه إلى المحيط الهندي، دون الحاجة إلى المرور عبر مضيق هرمز، ليصبح بذلك أحد أهم البدائل التي بنتها الإمارات لتقليل اعتماد صادراتها النفطية على المضيق.

تحويل الفجيرة إلى مخزن عالمي للطاقة.. لم تكتف الإمارات بمد خط الأنابيب، وإنما عملت على تحويل الفجيرة إلى مركز متكامل لتخزين وتجارة الطاقة والوقود، حيث ارتفعت سعة التخزين النفطي في الإمارة من نحو 550 ألف متر مكعب عام 1994 إلى قرابة 18 مليون متر مكعب حاليًا، كما أصبحت الفجيرة واحدة من أكبر ثلاثة مراكز عالميًا لتزويد السفن بالوقود.

وبذلك تحولت الفجيرة من مجرد نقطة نهاية لخط أنابيب إلى عقدة متكاملة للطاقة خارج مضيق هرمز، قادرة على استقبال النفط والمنتجات البترولية وتخزينها وتحميلها وتقديم الخدمات للسفن، وهنا يمكن قراءة المعالجة الإماراتية للانكشاف الجغرافي من خلال ثلاثة مستويات متكاملة، خط أنابيب، وقدرات تخزين، وميناء تجاري؛ وهي العناصر التي شكلت مجتمعة منظومة طاقة على الساحل الشرقي توفر للإمارات هامشًا أكبر للحركة بعيدًا عن عقدة هرمز.

ثانيًا: الموانئ – شراء شبكة من “الأبواب البحرية”

تمثل الموانئ القطاع الأكثر حضورًا في شبكة الجغرافيا الخارجية التي بنتها الإمارات، بصورة رئيسية من خلال ذراعيها “موانئ دبي العالمية” و”مجموعة موانئ أبوظبي”، اللتين توسعتا خلال السنوات الماضية في تطوير وتشغيل والاستثمار في عشرات الموانئ والمحطات والمناطق اللوجستية حول العالم.

اقتصاديًا، تمنح هذه الشبكة الإمارات حضورًا في نقاط مختلفة من سلاسل التجارة العالمية، فيما تمنحها جغرافيًا مجموعة من “الأبواب البحرية” خارج نطاقها المحلي الضيق، بما يوسع دائرة مصالحها اللوجستية والتجارية إلى البحر الأحمر وأفريقيا والبحر المتوسط وآسيا الوسطى وجنوب آسيا.

الفجيرة.. البوابة البحرية داخل الإمارات

في يونيو/حزيران 2017، وقعت مجموعة موانئ أبوظبي امتيازًا لمدة 35 عامًا لتطوير وإدارة وتشغيل البنية التحتية لميناء الفجيرة، وأنشأت “محطات الفجيرة”. وشملت أعمال التطوير إنشاء رصيف بطول كيلومتر وتعميق الغاطس لاستقبال السفن الأكبر، وبحلول عام 2026، امتدت المنظومة إلى الأراضي والخدمات اللوجستية المحيطة بالميناء، مع توقيع اتفاقات مع مطار الفجيرة والمنطقة الحرة وشركة “الظاهرة” لاستخدام نحو 130 ألف متر مربع، بما يعزز التكامل بين الميناء والأنشطة اللوجستية وسلاسل الغذاء.

وتكمن أهمية هذا المشروع في أنه يقدم محاولة لمعالجة معضلة هرمز في مجال التجارة العامة، وليس النفط فقط؛ فموقع الفجيرة خارج المضيق يمنح الإمارات بوابة بحرية مباشرة باتجاه الهند وشرق أفريقيا والبحر الأحمر والأسواق العالمية.

مصر والبحر الأحمر – بناء عمق على الجانب الآخر من المنطقة

من الإمارات إلى مصر، توسع الحضور الإماراتي على البحر الأحمر من خلال الاستثمار في مجموعة من الموانئ والمناطق اللوجستية، بما يمنح الشركات الإماراتية موطئ قدم على أحد أهم مسارات التجارة بين آسيا وأوروبا.

– ميناء السخنة.. دخلت موانئ دبي العالمية إلى ميناء العين السخنة عام 2008، وضخت استثمارات تجاوزت 1.3 مليار دولار لتحديث وتطوير الميناء خلال السنوات التالية، وتنبع أهمية السخنة بالنسبة للإمارات من موقعها على البحر الأحمر وارتباطها بمنظومة قناة السويس، ما يضعها عند إحدى أهم عقد التجارة بين المحيط الهندي والبحر المتوسط، ويوفر للشركات الإماراتية حضورًا مباشرًا على الطريق التجاري الرابط بين آسيا وأوروبا.

– محطة سفاجا.. في مارس/آذار 2023، وقعت مجموعة موانئ أبوظبي امتيازًا لمدة 30 عامًا لتطوير وتشغيل المحطة، باستثمارات تصل إلى 200 مليون دولار، ويستهدف التطوير رفع طاقتها إلى نحو 450 ألف حاوية نمطية سنويًا، وخمسة ملايين طن من البضائع العامة والجافة، ومليون طن من البضائع السائلة، إضافة إلى 50 ألف مركبة.

ولا تقتصر أهمية سفاجا على كونها ميناءً مصريًا، وإنما تمثل عقدة إضافية للإمارات على البحر الأحمر وقرب الأسواق المصرية والأفريقية والخليجية، بما يساعد على توزيع شبكة الموانئ الإماراتية خارج الخليج، ويوفر مسارًا إضافيًا للتعامل مع تدفقات البضائع والغذاء والمواد الخام.

– منطقة شرق بورسعيد.. في مايو/أيار 2025، وقعت موانئ أبوظبي اتفاقية انتفاع لمدة 50 عامًا قابلة للتجديد مع الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، لتطوير منطقة صناعية ولوجستية على مساحة 20 كيلومترًا مربعًا، تشمل رصيفًا بحريًا ومحطة شحن متعددة الأغراض، باستثمارات أولية تبلغ 120 مليون دولار للمرحلة الأولى، ويمنح المشروع الشركات الإماراتية نقطة ارتكاز إضافية على محور قناة السويس، بما يفتح أمامها مسارات نحو البحر المتوسط والأسواق الأوروبية والأفريقية والآسيوية.

– ميناء الإسكندرية ومحطات الحاويات.. يمتد الحضور الإماراتي كذلك إلى الإسكندرية وقطاع تداول الحاويات، عبر استثمارات وحصص في كيانات عاملة بالموانئ والنقل البحري، بما يعزز حضور الشركات الإماراتية على البحر المتوسط ويوسع ارتباطها بالأسواق الأوروبية والأفريقية.

القرن الأفريقي – بربرة بوابة إلى إثيوبيا وشرق أفريقيا

تحتل منطقة القرن الأفريقي موقعًا متقدمًا في شبكة الموانئ الإماراتية الخارجية، بالنظر إلى موقعها عند خليج عدن وباب المندب، وقربها من طرق التجارة الرابطة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس، وتتعامل أبوظبي مع المنطقة باعتبارها عقدة تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية واللوجستية والأمنية والجيوسياسية، وهو ما يفسر توسع استثماراتها في موانئها ومناطقها الاقتصادية.

– ميناء بربرة..  يقع الميناء على خليج عدن ويمثل البوابة التجارية واللوجستية الرئيسية لصوماليلاند، ويكتسب أهمية استراتيجية بسبب قربه من مضيق باب المندب، أحد أهم نقاط الاختناق في حركة التجارة العالمية، وتدير موانئ دبي العالمية الميناء بموجب امتياز مدته 30 عامًا وُقع عام 2016، مع استثمارات تتراوح بين 400 و450 مليون دولار لتوسيع الطاقة الاستيعابية وتحديث البنية التحتية وإنشاء محطة حاويات جديدة، كما دعمت المجموعة الربط التجاري بين بربرة ودبي عبر إطلاق خط ملاحي مباشر مع ميناء جبل علي.

لكن الاستثمار الإماراتي لم يتوقف عند حدود الميناء؛ ففي عام 2023 افتُتحت المرحلة الأولى من منطقة بربرة الاقتصادية على بعد نحو 15 كيلومترًا منه، على نموذج مستوحى من منطقة جبل علي، ضمن مخطط رئيسي تتجاوز مساحته 1,200 هكتار، وهنا تتضح القيمة الاقتصادية للمشروع؛ فالإمارات لا تشتري منفذًا بحريًا فحسب، وإنما تعمل على بناء عقدة تجارية متصلة بسوق إثيوبية ضخمة غير ساحلية، بما يحول بربرة إلى بوابة محتملة نحو الداخل الأفريقي.

وبهذا يعالج المشروع أحد أوجه القصور المرتبطة بمحدودية السوق والعمق البري داخل الإمارات؛ فبدلًا من اقتصار حركة الشركات الإماراتية على الساحل المحلي، يجري بناء مراكز تجارية عند مداخل أسواق أكبر وأكثر عمقًا.

غرب أفريقيا – السنغال نموذجًا

ومن القرن الأفريقي شرقًا إلى الساحل الأطلسي غربًا، امتدت شبكة الموانئ الإماراتية إلى السنغال، حيث بدأت موانئ دبي العالمية تشغيل محطة الحاويات في داكار عام 2008، واستثمرت منذ ذلك الحين نحو 340 مليون دولار، وخلال هذه الفترة ارتفعت مناولة الحاويات من نحو 265 ألف حاوية عام 2008 إلى 850 ألفًا في 2025، فيما وصلت المحطة إلى مناولة الحاوية رقم عشرة ملايين في مارس/آذار 2026.

ويمتد الحضور الإماراتي إلى مشروع ميناء ندايان، الواقع على بعد نحو 50 كيلومترًا من داكار، والذي حصلت موانئ دبي العالمية على امتياز بنائه وتشغيله في ديسمبر/كانون الأول 2020، باستثمارات تصل إلى مليار دولار على مرحلتين، ليصبح أكبر استثمار مينائي للشركة في أفريقيا.

ولا يقتصر المشروع على الميناء، وإنما يتضمن منطقة اقتصادية وصناعية مرتبطة به، بما يستهدف إنشاء مركز لوجستي يخدم السنغال وغرب أفريقيا ودول الساحل، ويوسع نطاق الحضور التجاري الإماراتي إلى أسواق لا تملك منفذًا بحريًا مباشرًا.

أفريقيا الوسطى والجنوبية – التعمق داخل القارة

لم يقتصر التوسع الإماراتي على شرق أفريقيا وغربها، وإنما امتد إلى وسط القارة وجنوبها، ففي فبراير/شباط 2026، حصلت موانئ أبوظبي على امتياز لمدة 30 عامًا لتصميم وبناء وتشغيل محطة جديدة للبضائع السائبة الجافة في دوالا بالكاميرون، تشمل أنشطتها مناولة الحبوب والأسمدة والسلع السائبة، بما يجعل المشروع متصلًا بصورة مباشرة بسلاسل الغذاء والمواد الأولية.

ولا تمثل دوالا بوابة للسوق الكاميرونية فقط، وإنما توفر منفذًا إلى أجزاء من وسط أفريقيا، إذ حصلت المجموعة الإماراتية على امتياز لمدة 20 عامًا لمحطة متعددة الأغراض في لواندا بأنغولا، باستثمارات رأسمالية ملتزم بها تقارب 250 مليون دولار، وطاقة لمناولة نحو 350 ألف حاوية، إلى جانب المركبات والبضائع الأخرى.

ومن دوالا ولواندا إلى بوانت نوار في الكونغو، حيث أبرمت المجموعة امتيازًا لمدة 30 عامًا باستثمارات تبلغ نحو 200 مليون دولار لإنشاء البنية البحرية والبرية وتوفير معدات المحطة الجديدة، التي تشمل كذلك منطقة لوجستية تبلغ مساحتها نحو 100 ألف متر مربع، لتتشكل على الساحل الأطلسي لأفريقيا شبكة من المصالح الإماراتية تمتد من السنغال شمالًا إلى الكونغو وأنغولا جنوبًا، وتربط رأس المال الإماراتي بعدد متزايد من الأسواق والموانئ وسلاسل الإمداد داخل القارة.

العقبة – بوابة برية لا تنتهي عند البحر

ومن جنوب البحر الأحمر أفريقيًا إلى شماله، يأتي ميناء العقبة الأردني متعدد الأغراض، ففي فبراير/شباط 2026، وقعت موانئ أبوظبي امتيازًا لمدة 30 عامًا لإدارة وتشغيل الميناء، بحصة تبلغ 70% في المشروع المشترك، واستثمارات مقررة بقيمة 38.4 مليون دولار، بالتوازي مع توسع المجموعة في مجالات الرقمنة الجمركية والخدمات اللوجستية داخل الأردن.

ولا تقتصر أهمية العقبة بالنسبة للإمارات على موقعها كميناء بحري، وإنما تمتد إلى ارتباطها بسلاسل الإمداد والأمن الغذائي؛ إذ يتعامل الميناء مع أكثر من ثلاثة ملايين طن من الحبوب سنويًا، ما يمنحه أهمية إضافية ضمن شبكة الممرات التي يمكن أن تدعم تنويع مصادر ومسارات الإمداد الإماراتية.

باكستان وآسيا الوسطى – بناء مسار لسلاسل الإمداد نحو الخليج

ومن غرب آسيا إلى وسطها، توسعت موانئ أبوظبي في بناء حضورها داخل القارة الآسيوية، خاصة من خلال محطات كراتشي الباكستانية، وتمتلك المجموعة امتيازات طويلة الأجل لمحطات الحاويات والبضائع متعددة الأغراض في كراتشي، من بينها امتياز لمدة 50 عامًا بطاقة تقارب 750 ألف حاوية سنويًا، واستثمارات رأسمالية ملتزم بها بنحو 220 مليون دولار، إلى جانب محطة متعددة الأغراض باستثمارات تقارب 75 مليون دولار.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، وقعت المحطة اتفاقًا طويل الأجل مع “Louis Dreyfus Pakistan” لإنشاء منشأة لمناولة وتخزين الحبوب والسلع الزراعية، بما يضيف بعدًا متعلقًا بالأمن الغذائي إلى الوظيفة التجارية للمشروع.

ومن باكستان يمتد المسار شمالًا إلى كازاخستان، حيث وافقت موانئ أبوظبي على استثمار نحو 30 مليون دولار في محطة حبوب جديدة بميناء كوريك على بحر قزوين، وتكمن أهمية هذه المشروعات مجتمعة في قدرتها على إضافة مسار آخر لسلاسل الإمداد الغذائي الإماراتية، يبدأ من مناطق إنتاج الحبوب في آسيا الوسطى، ويمر عبر بحر قزوين والممرات البرية، ثم يتصل بباكستان والمحيط الهندي وصولًا إلى الخليج.

ومن هنا يمكن قراءة شبكة الاستثمارات الإماراتية في الطاقة والموانئ باعتبارها أكثر من مجرد توسع تجاري بحثًا عن الأرباح، فحين توضع هذه المشروعات على خريطة واحدة، يظهر نمط أكثر اتساقًا، فمن الفجيرة خارج هرمز، إلى البحر الأحمر وقناة السويس، ومن باب المندب والقرن الأفريقي إلى الساحل الأطلسي، ومن العقبة إلى كراتشي وآسيا الوسطى، تعمل الإمارات على توسيع نطاقها الاقتصادي خارج حدودها، وتحويل رأس المال إلى أداة لشراء ما تفتقده جغرافيتها الأصلية، تعدد المنافذ، وعمق الأسواق، وتنويع مسارات التجارة والإمداد.

ثالثًا: الأمن الغذائي.. استيراد الجغرافيا الزراعية

تبدو معضلة الأمن الغذائي واحدة من أكثر المعضلات الجغرافية تعقيدًا بالنسبة للإمارات، في ظل اعتماد الدولة بدرجة كبيرة على استيراد احتياجاتها الغذائية من الخارج، بالتوازي مع القيود التي يفرضها المناخ الصحراوي وشح الموارد المائية ومحدودية الأراضي الصالحة للزراعة، وتزداد هذه المعضلة تعقيدًا مع الاضطرابات التي قد تتعرض لها الممرات البحرية وسلاسل الإمداد التي تعتمد عليها الدولة في وصول احتياجاتها الغذائية من الأسواق الخارجية.

ومن هذا المنطلق، تبنت أبوظبي مقاربة مختلفة نسبيًا لمعالجة هذه الفجوة، تقوم على ما يمكن تسميته بـ”استيراد الجغرافيا الزراعية”؛ أي نقل جزء من رأس المال الإماراتي إلى الدول التي تمتلك بالفعل ما تفتقده البيئة المحلية من أراضٍ زراعية ومياه وموارد طبيعية وقدرات إنتاجية، وبدلًا من الاعتماد فقط على استثمارات داخلية مرتفعة التكلفة للتغلب على القيود الطبيعية، جرى توجيه جزء من الاستثمارات إلى الخارج للوصول إلى الموارد ذاتها في البيئات الأكثر ملاءمة للإنتاج الزراعي.

وعلى مدار أكثر من عقد، تطورت هذه المقاربة من مجرد الاستثمار في الأراضي والمشروعات الزراعية خارج الحدود إلى بناء شبكة أوسع تضم شركات الإنتاج الزراعي، وتجارة ومعالجة السلع، والتخزين ومحطات التصدير والموانئ والنقل البحري، في محاولة لتأمين أكبر قدر ممكن من حلقات سلسلة الغذاء الممتدة من مناطق الإنتاج وحتى وصول السلعة إلى السوق الإماراتية.

وكانت شركة “الظاهرة“، التي تأسست عام 1995 ودخلت لاحقًا ضمن محفظة الاستثمارات السيادية لأبوظبي، واحدة من أبرز الأدوات التي اعتمدت عليها الإمارة في بناء هذه الجغرافيا الزراعية الخارجية، حيث تتوزع أنشطة الشركة بين الزراعة وإنتاج وتجارة الغذاء والأعلاف وإدارة سلاسل الإمداد، فيما تدير اليوم أصولًا وأنشطة زراعية في عدد من الدول، من بينها مصر ورومانيا وصربيا والولايات المتحدة، وتمنح هذه الشبكة رأس المال الإماراتي قدرة إنتاجية موزعة على مناطق جغرافية مختلفة، بدلًا من حصر جزء كبير من القدرة الزراعية داخل نطاق محلي محدود الموارد الطبيعية.

مصر.. عشرات الآلاف من الهكتارات خارج الصحراء الإماراتية

دخلت “الظاهرة” السوق المصرية عام 2007، وباتت تمتلك محفظة من الأراضي تتجاوز 60 ألف فدان في مناطق استراتيجية، من بينها توشكى وشرق العوينات في جنوب مصر، فيما تزرع نحو 28 ألف هكتار تنتج من خلالها مجموعة متنوعة من المحاصيل، تشمل القمح والذرة والبصل وبنجر السكر والسمسم والحمضيات والذرة الرفيعة والأعلاف. وعلى المستوى العالمي، يصل إنتاج الشركة من الحبوب والبذور الزيتية إلى نحو 600 ألف طن.

وتعالج هذه الاستثمارات واحدة من أكثر نقاط الضعف الجغرافية الإماراتية وضوحًا، والمتمثلة في محدودية الأراضي الزراعية وندرة الموارد المائية، من خلال امتلاك أصول وقدرات إنتاجية في دول تتوافر فيها مقومات الزراعة بدرجات أكبر.

ولا تكمن القيمة الاستراتيجية لهذه الاستثمارات فقط في حجم الغذاء الذي يمكن نقله مباشرة إلى الإمارات، وإنما في امتلاك شركة مرتبطة برأس المال الإماراتي أصولًا زراعية وخبرات إنتاجية وشبكات توريد موزعة على أكثر من دولة، بما يمكن توظيفه ضمن منظومة أوسع لتنويع مصادر الغذاء وتقليل الاعتماد على سوق أو منطقة جغرافية واحدة.

تنزانيا.. إضافة شرق أفريقيا إلى الخريطة الزراعية

ولا يقتصر الحضور الزراعي الإماراتي على مصر، وإنما يمتد بصورة متزايدة نحو شرق أفريقيا، ففي فبراير/شباط 2026، وقعت “الظاهرة” مذكرة تفاهم مع هيئة الاستثمار والمناطق الاقتصادية الخاصة في تنزانيا لاستكشاف أراضٍ مناسبة لإقامة مشروعات زراعية تجارية واسعة النطاق، تعتمد على الري وتستهدف إنتاج السلع الغذائية الأساسية.

ورغم أن المشروع لا يزال في مرحلة الاستكشاف والتقييم، فإن أهميته تكمن في الاتجاه الذي يعكسه؛ إذ يمثل خطوة إضافية نحو توسيع الخريطة الزراعية المرتبطة برأس المال الإماراتي باتجاه شرق أفريقيا، وإضافة منطقة إنتاج محتملة جديدة إلى شبكة جغرافية موزعة بالفعل على عدة قارات.

من امتلاك المزرعة إلى امتلاك سلسلة السلعة

لكن الاستراتيجية الإماراتية لم تتوقف عند الاستثمار في الأراضي الزراعية خارج الحدود أو امتلاك حصص في شركات الإنتاج، وإنما انتقلت تدريجيًا إلى مستوى أكثر تقدمًا يقوم على الاستثمار في الشركات التي تتحكم في تجارة السلع الزراعية ومعالجتها وتخزينها ونقلها عبر الأسواق العالمية.

ويمثل الاستثمار في Louis Dreyfus Company أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول، ففي عام 2020، أعلنت ADQ اتفاقًا للاستحواذ بصورة غير مباشرة على حصة تبلغ 45% من الشركة، التي تعد واحدة من الشركات العالمية الكبرى العاملة في تجارة ومعالجة السلع الزراعية، وتكمن أهمية هذا النوع من الاستثمارات في أنه ينقل الحضور الإماراتي من مرحلة امتلاك القدرة على إنتاج الغذاء إلى المشاركة في شبكة عالمية تتحرك عبر حلقات متعددة، تبدأ من شراء السلع والإنتاج، وتمر بالمعالجة والتخزين والنقل، وتنتهي بالتجارة والتوزيع في الأسواق المختلفة.

وفي الاتجاه نفسه، واصلت ADQ توسيع شبكة الإنتاج والتوزيع الغذائي من خلال الاستحواذ عام 2022 على حصة أغلبية في مجموعة Unifrutti العالمية المتخصصة في المنتجات الزراعية الطازجة، لتضاف إلى محفظة غذائية تضم استثمارات في “الظاهرة” وLouis Dreyfus .

وتكشف هذه الصفقات مجتمعة عن تطور تدريجي في المقاربة الإماراتية للأمن الغذائي عبر عدة مراحل مترابطة، بدأت بالوصول إلى الأراضي الزراعية خارج الدولة، ثم توسعت إلى امتلاك حصص في شركات الإنتاج، قبل الانتقال إلى الاستثمار في شركات تجارة ومعالجة وتوزيع السلع الغذائية عالميًا، أما المرحلة الأكثر تقدمًا، فتتمثل في محاولة ربط هذه الأصول بشبكة الموانئ ومحطات التصدير والمخازن وخطوط النقل البحري، بما يسمح ببناء سلسلة متكاملة نسبيًا تمتد من مناطق إنتاج الغذاء في الخارج إلى الموانئ ومراكز التوزيع داخل الإمارات.

البرازيل – بناء جسر غذائي في أمريكا الجنوبية

ولم يتوقف التمدد الإماراتي في مجال الجغرافيا الزراعية عند دول المنطقة أو العمق الأفريقي، وإنما امتد إلى أمريكا الجنوبية، حيث تقدم البرازيل أحد أكثر النماذج وضوحًا على تطور هذه الاستراتيجية، ففي يونيو/حزيران 2026، أعلنت مجموعة موانئ أبوظبي صفقة الاستحواذ على شركة CLI  البرازيلية، قبل اكتمال الصفقة في 2 أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، بقيمة مؤسسية بلغت نحو 835 مليون دولار.

ومثلت الصفقة أكبر عملية استحواذ في تاريخ مجموعة موانئ أبوظبي، إلى جانب كونها أول دخول استراتيجي للمجموعة إلى أمريكا الجنوبية، غير أن القيمة الاستراتيجية للشركة البرازيلية لا ترتبط فقط بكونها تعمل في قطاع الموانئ، وإنما بطبيعة وموقع الأصول التي تديرها؛ إذ تشغل محطتين استراتيجيتين لتداول السلع الزراعية في البرازيل، تقع الأولى في سانتوس، أحد أهم الموانئ المرتبطة بصادرات السكر والذرة وفول الصويا، فيما تقع الثانية في إيتاكي ضمن ما يعرف بـ”القوس الشمالي” لصادرات المنتجات الزراعية البرازيلية، وتزداد أهمية هذه الأصول بالنظر إلى مكانة البرازيل باعتبارها واحدة من أكبر مناطق إنتاج وتصدير الغذاء والسلع الزراعية في العالم.

لكن القيمة الأهم للصفقة ضمن استراتيجية الأمن الغذائي الإماراتية تكمن في التوجه نحو إنشاء مسارات تجارية مباشرة تربط البرازيل بميناء خليفة وأبوظبي، بما ينقل الاستثمار الإماراتي إلى ما هو أبعد من مجرد امتلاك أصول زراعية أو حصص في شركات الغذاء، فهنا تتشكل محاولة لبناء سلسلة جغرافية ولوجستية أكثر تكاملًا، وهو ما يمثل أحد أكثر نماذج “الجغرافيا الغذائية البديلة” اكتمالًا؛ فبدلًا من محاولة التغلب فقط على ندرة الأرض والمياه داخل الإمارات، يجري توظيف رأس المال للوصول إلى الجغرافيا التي تمتلك هذه الموارد، ثم التوسع داخل حلقات الإنتاج والتجارة والتخزين والنقل التي تربط مناطق الإنتاج بالسوق الإماراتية.

وبهذه المقاربة، لا تسعى الإمارات بالضرورة إلى نقل إنتاجها الزراعي بالكامل إلى الخارج، بقدر ما تعمل على توزيع مخاطر أمنها الغذائي على شبكة أوسع من الدول والشركات والأصول والموانئ ومسارات التجارة،  فحين تكون الأرض والمياه محدودتين داخل الحدود، يصبح الاستثمار في الجغرافيا الخارجية وسيلة لتعويض هذا النقص؛ وحين يصبح استيراد الغذاء نفسه عرضة لاضطرابات سلاسل الإمداد، تصبح المشاركة في امتلاك حلقات تلك السلسلة وسيلة إضافية لتقليل مستوى الانكشاف.

اختبار حساس لنجاح التجربة

جاءت الحرب الأمريكية ضد إيران في عام 2026 لتشكل اختبارًا بالغ الحساسية لاستراتيجية “الجغرافيا البديلة” الإماراتية، ومدى قدرتها الفعلية على معالجة أوجه القصور التي تفرضها الجغرافيا الطبيعية للدولة،  ويمكن القول إن الإمارات نجحت، إلى حد ما، في تقليص كلفة الجغرافيا وتخفيف بعض مخاطرها، لكنها لم تنجح بصورة كاملة في التحرر منها أو تجاوز نقاط هشاشتها.

فقد أثبتت الفجيرة، على سبيل المثال، أهمية الاستثمارات الاستباقية التي نفذتها أبوظبي خلال السنوات الماضية لتقليل اعتمادها على مضيق هرمز، ومع تصاعد الاضطرابات في المضيق، استطاعت الإمارات تحويل جزء من صادراتها النفطية إلى الساحل الشرقي، والاستفادة من خطوط الأنابيب ومرافق التخزين والموانئ والبنية التحتية التي أُنشئت قبل اندلاع الأزمة.

كما وفرت شبكة الموانئ والخدمات اللوجستية والأصول الخارجية المنتشرة في عدد من الدول خيارات إضافية لإعادة توجيه بعض التدفقات التجارية وتنويع مسارات الإمداد، غير أن هذه البدائل، رغم أهميتها، لم تكن كافية لتعويض الأهمية الاقتصادية واللوجستية لمضيق هرمز بصورة كاملة، وهو ما ظهر بوضوح مع اتساع نطاق الاضطراب في حركة التجارة والشحن.

وتبدو حدود “الجغرافيا البديلة” أكثر وضوحًا عند النظر إلى الاستثمارات الخارجية نفسها، فامتلاك أصول زراعية في مصر، أو الاستثمار في شركات زراعية داخل أفريقيا، أو السيطرة على محطة لتداول الحبوب في البرازيل، أو تشغيل موانئ ومحطات لوجستية موزعة على عدة قارات، لا يعني بالضرورة القدرة على تجاوز قيود الجغرافيا الأصلية بصورة كاملة.

فقيمة هذه الأصول تظل مرتبطة بوجود شبكة مفتوحة وآمنة من الممرات البحرية والجوية والبرية القادرة على نقل إنتاجها وبضائعها إلى السوق الإماراتية، وفي حال تعرض هذه المسارات للاضطراب أو الإغلاق، تتراجع قدرة الأصول الخارجية على تعويض النقص الداخلي، مهما بلغ حجمها أو اتسع انتشارها الجغرافي، ومن هنا تكمن المفارقة الأساسية في التجربة الإماراتية،  رأس المال يستطيع شراء الأرض الزراعية والميناء والمخزن وشركة النقل، لكنه لا يستطيع إلغاء الجغرافيا الواقعة بين هذه الأصول وبين الإمارات نفسها.

وعليه، لم تنجح الاستثمارات الخارجية في صناعة بديل كامل للجغرافيا الطبيعية، لكنها نجحت في بناء شبكة احتياطية تقلل مستوى الانكشاف وتوزع المخاطر وتوفر بدائل إضافية في أوقات الأزمات،  وهي بذلك لا تلغي نقاط الضعف الجغرافية للإمارات، بقدر ما تمنح الدولة قدرة أكبر على إدارتها وامتصاص جزء من تكلفتها.

وبهذا المعنى، فإن ما بنته الإمارات خلال العقدين الماضيين يمكن وصفه بأنه “جغرافيا موازية” أكثر منه “جغرافيا بديلة”؛ جغرافيا توسع خيارات الدولة خارج حدودها، لكنها تظل في النهاية مرتبطة بجغرافيتها الأصلية وبسلامة الممرات التي تصل بين الاثنين، فرأس المال قد يستطيع شراء الأرض والميناء والمخزن وشركة النقل، لكنه لا يستطيع إلغاء الجغرافيا الواقعة بين هذه الأصول وبين الإمارات نفسها.

اقرأ النسخة الكاملة