القصر
العالم العربي

زيت المائدة.. هل تصنع الإشاعات أزمة من لا شيء؟

محرر العالم العربي 3 4 دقائق قراءة

حذّر الخبير الاقتصادي وأستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة الجزائر، هواري تيغرسي، من أن تداول معلومات مغلوطة بشأن احتمال نقص المواد الاستهلاكية الأساسية قد يدفع المواطنين إلى الشراء المفرط، ويتسبب في استنزاف المخزون التجاري وخلق ندرة فعلية، حتى في الحالات التي يكون فيها الإنتاج والتموين مستمرين بصورة عادية.

وأوضح تيغرسي، في تصريح خص به “الشروق أونلاين”، أن الإشاعة الاقتصادية لا تقتصر آثارها على تضليل المستهلك، بل يمكن أن تتحول إلى عامل مؤثر في حركة السوق، من خلال تغيير توقعات المواطنين وسلوكهم الشرائي، مشيرا إلى أن انتشار أخبار عن احتمال انقطاع مادة أساسية، مثل زيت المائدة، قد يدفع الأسر إلى اقتناء كميات تفوق احتياجاتها المعتادة تحسبا لنقص محتمل.

وأضاف أن تكرار هذا السلوك لدى أعداد كبيرة من المستهلكين يؤدي إلى ارتفاع مفاجئ في الطلب، ونفاد الكميات المعروضة في المحلات خلال وقت قصير، قبل أن تتحول صور الرفوف الفارغة ومقاطع الفيديو المتداولة إلى مؤشرات يستند إليها المواطنون لتأكيد وجود أزمة، وهو ما يغذي موجة جديدة من الشراء الاحترازي.

وفي المقابل، شدد الخبير على ضرورة عدم اختزال اضطرابات التموين في الإشاعات وحدها، مميزا بين الندرة السلوكية الناتجة عن الخوف والشراء المفرط، والندرة اللوجستية المرتبطة بخلل النقل والتوزيع، والندرة الهيكلية الناجمة عن نقص الإنتاج أو المواد الأولية أو الطاقة الإنتاجية أو اضطراب الاستيراد وارتفاع تكاليف التصنيع.

واعتبر أن تحديد طبيعة الاختلال يمثل الخطوة الأولى لمعالجة أي اضطراب في السوق، لأن استمرار الإنتاج لا ينفي احتمال وجود مشكلات في وصول السلع إلى نقاط البيع، كما أن حملات التوعية لا تكفي لمعالجة النقص عندما تكون أسبابه إنتاجية أو هيكلية.

وتزامنت هذه التصريحات مع تأكيد عدد من المجمعات الوطنية الناشطة في الصناعات الغذائية استمرار إنتاج زيت المائدة بوتيرة منتظمة وبكامل الطاقة الإنتاجية، لضمان تموين السوق الوطنية بالكميات اللازمة.

وفي هذا السياق، أكد مجمع “سيفيتال” أنه لم يسجل، إلى غاية صدور بيانه، أي تذبذب في الإنتاج والتوزيع، فيما طمأن مجمع “لابل” بشأن توفر المادة في الأسواق واستمرار وحداته الإنتاجية في العمل بكامل طاقتها. من جهته، أوضح مجمع “سيم” أن إنتاج زيت المائدة متواصل بصورة عادية بعلامتيه التجاريتين “زيتنا” و”الباهية”، مؤكدا توفر المادة الأولية والتزامه بضمان التموين.

وفي مواجهة اضطرابات التموين والتلاعب بالأسعار، أطلقت الحكومة منصة رقمية جديدة للمتابعة اليومية لأسعار المواد الاستهلاكية الأساسية ومدى توفرها عبر مختلف الولايات، وذلك خلال اجتماع وزاري مشترك أشرف عليه الوزير الأول سيفي غريب، الخميس.

وتهدف المنصة، وفق بيان للوزارة الأولى، إلى إرساء مسار رقمي يسمح بتتبع السلع والمواد ومراقبة وفرتها والأسعار المطبقة عليها في مختلف مستويات سلسلة التموين، بمشاركة المتدخلين في قطاعات الإنتاج والتوزيع والتجارة.

كما جدد الوزير الأول التزام الحكومة بتنفيذ تعليمات رئيس الجمهورية المتعلقة بمرافقة الفلاحين والتجار والإصغاء إلى انشغالاتهم، فيما جرى تذكير الولاة بضرورة اتخاذ الإجراءات القانونية والردعية الفورية للتصدي لمحاولات افتعال الندرة أو المساس باستقرار تموين الأسواق والتلاعب بالأسعار.

وفي تعليقه على آليات مواجهة هذه الظاهرة، دعا تيغرسي إلى الانتقال من التدخل بعد ظهور الاضطرابات إلى استباقها، من خلال إنشاء مرصد وطني للتموين والمواد الأساسية، يتولى متابعة الإنتاج والمخزون والتوزيع والاستهلاك، ونشر مؤشرات دورية تطمئن المواطنين بشأن وضعية المواد واسعة الاستهلاك.

كما شدد على أهمية تفعيل أنظمة الإنذار المبكر للتدخل عند ظهور مؤشرات على انخفاض المخزون أو اضطراب التوزيع في منطقة معينة، إلى جانب مراقبة مسار السلع من المصنع إلى تاجر الجملة ثم تاجر التجزئة، للتصدي للتخزين غير المشروع وتحويل السلع والممارسات الاحتكارية.

واقترح أيضا إنشاء خلية اتصال اقتصادي وإعلامي تتولى الرد السريع على الأخبار غير المؤكدة، وتوفير معلومات دقيقة للرأي العام بالتنسيق بين قطاعات التجارة والصناعة والفلاحة والجهات المنتجة والموزعة.

وأكد الخبير أن مسؤولية استقرار السوق لا تقع على عاتق طرف واحد، إذ يتعين على المنتجين ضمان استمرارية الإنتاج، وعلى التجار احترام قواعد السوق وعدم استغلال مخاوف المستهلكين، فيما دعا المواطنين إلى عدم الانسياق وراء الأخبار غير المؤكدة وتجنب اقتناء كميات تفوق احتياجاتهم.

كما حمّل بعض وسائل الإعلام مسؤولية التمييز بين نقل انشغالات المواطنين وتضخيم الأخبار غير المؤكدة، مشددا على أن محاربة الإشاعة لا تعني إنكار وجود النقص أو إسكات المواطنين، وإنما تقتضي تقديم الحقائق بالأرقام ومعالجة الاختلالات بشفافية.

وخلص تيغرسي إلى أن استقرار السوق لا يرتبط بتوفر السلع فحسب، بل أيضا بثقة المواطن في قدرة المؤسسات على ضمان التموين واستمراريته، معتبرا أن الانتقال إلى منظومة استباقية لإدارة سلاسل التموين، تجمع بين ضمان الإنتاج والتوزيع المتوازن وتوفير البيانات الدقيقة، يمثل أساسا للحد من الأزمات المتكررة.

اقرأ النسخة الكاملة