تمكن الاقتصاد الأمريكي من تحقيق نمو جيد في الربع الثالث من العام الجاري، وتوليد وظائف بأعداد فاقت التوقعات خلال أكتوبر/تشرين الأول، مما يعزز احتمالات إقدام الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي) على رفع أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل، وهو ما ستكون له تأثيرات مهمة على المقترضين وأسواق الأسهم والسندات.
وأظهرت بيانات وزارة العمل الأمريكية، وفق وكالة بلومبيرغ، أن عدد الوظائف في الولايات المتحدة ارتفع بمقدار 165 ألف وظيفة خلال أكتوبر/تشرين الأول، كما عُدلت أرقام التوظيف للشهرين السابقين بالزيادة، وانخفض معدل البطالة إلى 4.1%.
أخبار مقترحة
ووفرت الشركات الأمريكية فرص عمل جديدة في مجموعة واسعة من القطاعات، من بينها الخدمات المهنية والتجارية والرعاية الصحية والتصنيع، لتكون المحصلة تسجيل التوظيف في القطاع الخاص أقوى نمو له منذ مارس/آذار الماضي، وفق بلومبيرغ.
وتعكس الزيادة في الوظائف الجديدة بسوق العمل الأمريكية نمو الاقتصاد الأمريكي بنحو 3.4% في الربع الثالث من العام الجاري، وفقا للأرقام التي أوردها موقع فوربس، وهي نسبة نمو تتجاوز ما سجلته اقتصادات متقدمة أخرى، مثل بريطانيا وفرنسا.
وتبرز مفارقة لافتة بين النمو الجيد للاقتصاد الأمريكي وارتفاع مستويات التوظيف من جهة، وشكوى أغلب الأمريكيين من ارتفاع تكاليف المعيشة من جهة أخرى، وهو ما ظهر بوضوح في الفوز الكاسح الذي حققه الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
ولعل أحد أبرز أسباب هذا التناقض بين نمو الاقتصاد الكلي في الولايات المتحدة وتزايد الضغوط على الأفراد هو ارتفاع تكاليف الطاقة، ولا سيما الديزل وبنزين السيارات، وما تبعه من ارتفاع في تكاليف الإنتاج بمختلف القطاعات، فضلا عن ارتفاع أسعار الفائدة على القروض العقارية، حتى بات المواطن الأمريكي العادي لا يشعر بثمار النمو الذي يحققه اقتصاد بلاده، في ظل تزايد أعباء السكن والمواصلات وارتفاع أسعار المواد الغذائية.
زيادة التوقعات برفع الفائدة
يعمل الاحتياطي الفدرالي بشكل أساسي على تحقيق هدفين، هما زيادة مستوى التوظيف والحد من التضخم ليبقى في حدود 2%. ومع استمرار نمو سوق العمل الأمريكية وقدرتها على توليد الوظائف، تبرز أهمية الهدف الآخر، المتمثل في السيطرة على الأسعار.
وعقب صدور تقرير الوظائف الأمريكية يوم الجمعة، ارتفعت احتمالات رفع أسعار الفائدة الأمريكية بمقدار ربع نقطة مئوية خلال اجتماع الاحتياطي الفدرالي المقرر يومي 8 و9 ديسمبر/كانون الأول 2026 إلى 78%، وفق رويترز، مقارنة بنسبة بلغت 67% قبل صدور التقرير.
ونقلت رويترز عن محللين في شركة ريموند جيمس توقعاتهم بأن يرفع الاحتياطي الفدرالي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس خلال ديسمبر/كانون الأول، في ظل تركيزه الحالي على مواجهة التضخم.
وكان مجلس الاحتياطي الفدرالي، برئاسة كيفين وارش، قد رفع أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية في اجتماعه خلال سبتمبر/أيلول الماضي، قبل أن يقرر تثبيتها عند مستوى يتراوح بين 3.75% و4% خلال اجتماعه الأخير في أكتوبر/تشرين الأول.
لكن تسارع وتيرة نمو الوظائف والأجور والأسعار يعني، وفق ما أورده موقع فوربس، أن المخاطر الناجمة عن ارتفاع التضخم ستفوق أي مخاوف بشأن ضعف سوق العمل خلال اجتماع الاحتياطي الفدرالي المقبل في ديسمبر/كانون الأول.
زيادة الأعباء على الأفراد والحكومات
يعني التوجه نحو رفع أسعار الفائدة الأمريكية زيادة الأعباء على ملايين الأمريكيين، نتيجة ارتفاع تكلفة القروض العقارية والشخصية التي تمثل جانبا أساسيا من نفقات كثير من الأسر الأمريكية.
ويواجه الأمريكيون أسعار فائدة على القروض العقارية تتجاوز 5%، إذ إن هذه القروض ترتبط عادة بعوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات، التي ارتفعت بشكل ملحوظ خلال العام الجاري، مما يحد من قدرة كثيرين على شراء مساكنهم الخاصة، أو يزيد الضغوط على من حصلوا بالفعل على قروض عقارية طويلة الأجل لتمويل مساكنهم.
وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية عقب صدور بيانات الوظائف، قبل أن تتراجع بشكل محدود، وسط توقعات بارتفاعها مجددا. ووفق رويترز، ارتفع عائد السندات لأجل عامين ليصل إلى 4.52%، كما ارتفع عائد السندات لأجل 10 أعوام إلى 4.87%.
ولا تقتصر الضغوط الناجمة عن رفع أسعار الفائدة على الأفراد، بل تمتد إلى الحكومة الأمريكية، التي تتجاوز ديونها 40 تريليون دولار، بحسب وزارة الخزانة الأمريكية، وتُموَّل هذه الديون بإصدار سندات خزانة بآجال استحقاق مختلفة.
ومع كل زيادة متوقعة في عوائد سندات الخزانة الأمريكية، تتزايد التكاليف التي ستتحملها الحكومة الأمريكية مقابل دفع عوائد هذا الحجم الهائل من السندات.
ومن ثم، عارض الرئيس الأمريكي بشدة التوجه نحو رفع أسعار الفائدة، وطالب مرارا بخفضها لتخفيف الأعباء على الحكومة والأفراد، مستندا إلى الأداء القوي للاقتصاد الأمريكي، في حين يعمل الاحتياطي الفدرالي بصورة مختلفة، مستهدفا تحقيق الاستقرار في الأسعار.
ومن الملاحظ أن زيادة أسعار الفائدة الأمريكية تتبعها عادة زيادات في أسعار الفائدة بدول ومناطق أخرى، من بينها بريطانيا، على سبيل المثال، وهو ما يعني بالتبعية زيادة أعباء القروض على حكوماتها.
ضغوط على الأسهم
تتزامن احتمالات رفع أسعار الفائدة الأمريكية مع حالة عدم اليقين المحيطة بقطاع الذكاء الاصطناعي، بعد فوز الديمقراطيين بالأغلبية في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وتسود الأسواق المالية مخاوف واسعة من إقدام الديمقراطيين على تشديد الرقابة على أنشطة الذكاء الاصطناعي، وفرض قيود على مراكز البيانات التي تستهلك كميات كبيرة من الطاقة والمياه، ويشكو منها كثير من الناخبين، مما قد يعيق نمو شركات التكنولوجيا التي أنفقت مبالغ هائلة على الذكاء الاصطناعي.
وسجل مؤشر ناسداك في بورصة وول ستريت بنيويورك، الذي تغلب عليه أسهم شركات التكنولوجيا، يوم الخميس أكبر تراجع له منذ 19 شهرا، مدفوعا بمخاوف تتعلق بتنظيم الذكاء الاصطناعي في أعقاب الانتخابات، فيما تجاوز إجمالي خسائر بورصة نيويورك في ذلك اليوم 3 تريليونات دولار.
وعلى الرغم من أن شركات التكنولوجيا عوضت بعض خسائرها خلال تعاملات الجمعة، فإن المخاوف لا تزال قائمة، لا سيما أن دعوات لإبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي صدرت عن عاملين في هذا القطاع، وأيدها داريو أمودي، رئيس شركة أنثروبيك الرائدة في هذا المجال، قبل انتخابات الكونغرس.
وكانت مجموعة من شركات التكنولوجيا الأمريكية قد لجأت إلى أسواق السندات لتمويل أنشطتها الضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي، ومنها شركة ألفابيت المالكة لغوغل، على سبيل المثال، فضلا عن حصولها على قروض بمبالغ هائلة من البنوك الأمريكية.
ومن ثم، فإن رفع أسعار الفائدة المنتظر سيؤدي إلى زيادة تكلفة القروض والسندات التي تعتمد عليها شركات التكنولوجيا، في ظل سباق لا تبدو له نهاية بين هذه الشركات من جهة، ونظيراتها الصينية من جهة أخرى، للتفوق في تقنيات الذكاء الاصطناعي، في وقت يُنتظر فيه فرض قيود بدرجات متفاوتة على أنشطة هذا القطاع، قد تمنعه من تحقيق الإيرادات التي يتطلع إليها المستثمرون.
وإجمالا، من المنتظر أن يؤدي رفع أسعار الفائدة، إذا أقره الاحتياطي الفدرالي، إلى ضغوط إضافية على أسواق الأسهم والسندات، وعلى الأفراد الذين لم يشعروا بفوائد النمو الذي يحققه اقتصاد بلادهم، لكنهم يتحملون تكلفة التضخم.

التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر