لم يكتب جون رونالد تولكين مذكرات عن الجحيم الذي عاشه في خنادق الحرب العالمية الأولى، بل حوّل صدمته في معركة السوم عام 1916 إلى ملحمة "سيد الخواتم"، فمن رحم الحرب خرج عالم "الأرض الوسطى" المتخيل، كتأمل في السلطة التي تفسد من يمتلكها، وفي الشر الذي يهزم نفسه بنفسه.
ففي معركة السوم التي دارت شمالي فرنسا، أصابت "حمى الخنادق" جنديا في العشرين من عمره، فنُقل إلى مستشفى عسكري؛ وبدل أن يفقد إيمانه بالبشرية، ابتدع عالما من السحر والوحوش، ليكون البذرة الأولى لملحمة "سيد الخواتم"، وفقا لما تناولته حلقة (2026/11/4) من برنامج "الدحيح" عبر منصة "AJ+" وهذا رابطها.
أخبار مقترحة
وتشير الحلقة إلى صدور رواية "الهوبيت" عام 1937، حيث قدم تولكين كائنات قصيرة القامة تعيش في مقاطعة "الشير" بلا طموح سياسي، وتربط بين بطلها "بيلبو باغنز" والمواطن الإنجليزي البسيط الذي يُسحب إلى حرب لا ناقة له فيها ولا جمل.
الرواية قبولا كبيرا مما دفع الناشر إلى مطالبته بكتابة جزء ثان، فكتب تولكين ثلاثية نُشرت بين عامي 1954 و1955؛ إذ استغرق الكاتب 17 عاما في إنجازها، لا عن تكاسل بل سعيا وراء الإتقان، كما توضح الحلقة.
ويلفت البرنامج إلى أن تولكين، الذي كان أستاذا للأدب الإنجليزي في جامعة أكسفورد، لاحظ أن لكل أمة أوروبية ملحمتها الخاصة، بينما تفتقر إنجلترا إلى ملحمة خالصة الهوية، ولهذا بنى عالمه في ماض افتراضي سحيق قبل فجر التاريخ المسجل.
اختراع لغات
وتوضح الحلقة أن اللغة سبقت الرواية، إذ ابتكر تولكين لغات متكاملة القواعد والمفردات، وبنى من خلالها الجغرافيا والتاريخ والأنساب في عالم أسماه "السيلماريليون"، مؤسسا بذلك فضاء سرديا متكاملا قبل كتابة أحداث القصة.
وفي تفاصيل البناء الفني، يستعرض العمل أعراقا متعددة؛ فـ"الأقزام" بارعون في الحدادة، و"الإلف" خالدون، و"المايار" كائنات عليا بينها "غاندالف" و"سورون"، والبشر في "غوندور وروهان"، و"الهوبيت" البسطاء، قبل أن يصنع سورون خاتما واحدا لإخضاع الجميع لإرادته.
وتوضح الحلقة أن الملك "إيسلدور" سلب الخاتم بعد قطع إصبع سورون، لكن بريق السلطة أغواه فلقي حتفه، ثم يصل الخاتم إلى "فرودو" لتتشكل "رفقة الخاتم". ويبرز رفض غاندالف وغالادريل إغواءه تأكيدا لفكرة أن "السلطة المطلقة مفسدة مطلقة"، حيث تجسد البطل في شخصية هوبيت بلا طموح سياسي.
ويواجه "بورومير" الخاتم بمنطق نفعي يبرر الوسيلة الشريرة لغاية نبيلة، بينما يرفض "فارامير" أخذه تماما، في صراع بين مدرستين أخلاقيتين. كما يظهر "غولوم" مرآة لمستقبل فرودو؛ فقد كان هوبيتا بريئا قبل أن يمحو الخاتم إنسانيته، متحدثا بصيغة "نحن" جراء انفصام شخصيته بين الخير والشر.
ويكسر تولكين فكرة البطل المعصوم عند جبل الهلاك، إذ توضح الحلقة استسلام فرودو للخاتم في اللحظة الحاسمة؛ غير أن المشهد ينتهي بهجوم "غولوم" الذي يقضم الإصبع ويهوي في الحمم، محققا "انفراجة قدرية" كانت ثمرة رحمة سابقة.
وتختم الحلقة بنهاية واقعية مؤلمة، إذ يعاني فرودو اضطراب ما بعد الصدمة، ويرحل طلبا للسكينة بعد أن اشترى سلام العالم بسلامه الداخلي؛ ليبقى السؤال المطروح في ختام الرحلة: هل كان الخاتم مجرد قطعة من الذهب أم اختبارا أخلاقيا لنا جميعا؟

التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر