ديون الدول الأكثر فقراً تسجل مستوى قياسياً عند 9.4 تريليون دولار
ديون قياسية وأعباء متزايدة
سجّلت ديون الدول النامية مستوى قياسياً بلغ 9.4 تريليون دولار خلال العام الماضي، في وقت تواجه فيه الدول الأكثر فقراً أعلى معدلات الفائدة على القروض منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وفقاً لبيانات البنك الدولي.
ويثير هذا الارتفاع مخاوف متزايدة بشأن قدرة هذه الدول على تمويل مشاريع التنمية وتحسين الخدمات الأساسية، في ظل تزايد الأموال التي تخصصها لسداد الديون وفوائدها بدلاً من الاستثمار في اقتصاداتها.
وأوضح البنك الدولي، في تقريره السنوي حول الديون الدولية، أن الارتفاع المستمر في تكاليف خدمة الدين الخارجي أصبح يشكل عائقاً أمام الحكومات، ويحدّ من قدرتها على توجيه الموارد المالية نحو قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية والأمن الغذائي.
القطاع الخاص يقود ارتفاع الاقتراض
وبحسب التقرير، ارتفعت ديون الدول النامية بنسبة 5.5% خلال العام الماضي، وهي أسرع وتيرة زيادة خلال أربع سنوات، مدفوعة بشكل أساسي بالتوسع السريع في الإقراض من القطاع الخاص.
وقالت كبيرة الإحصائيين في البنك الدولي، هايشان فو، إن الوصول إلى التمويل الدولي أصبح أكثر سهولة، لكن تكلفة الحصول عليه لم تنخفض، مشيرة إلى أن الدول منخفضة ومتوسطة الدخل تقترض مبالغ أكبر وتدفع فوائد أعلى، الأمر الذي يقلّص الموارد المتاحة للاستثمار طويل الأجل وتحقيق التنمية المستدامة.
أعلى أسعار فائدة منذ ثمانينيات القرن الماضي
أظهر التقرير أن الدول الأكثر فقراً، المؤهلة للحصول على قروض ميسّرة من البنك الدولي، دفعت متوسط فائدة بلغ 8.2% على القروض الجديدة، وهو أعلى مستوى منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي.
كما أشارت البيانات الأولية لعام 2026 إلى استمرار وتيرة الإقراض المرتفعة، بالتزامن مع بقاء تكاليف التمويل عند مستويات عالية نتيجة ارتفاع تكاليف الاقتراض عالمياً.
وسلّط البنك الدولي الضوء على مجموعة من القروض التي حصلت عليها دول نامية بأسعار فائدة مرتفعة، من بينها لاوس بنسبة 11.5%، وجمهورية الكونغو بنسبة 13.88%، وكينيا بنسبة 9.2%.
أزمة الديون تهدد الأمن الغذائي
ولا تقتصر تداعيات أزمة الديون على المؤشرات المالية والاقتصادية، بل تمتد إلى الحياة اليومية للسكان. فقد أشار البنك الدولي إلى وجود ارتباط بين ارتفاع أعباء الديون وتراجع القدرة على الإنفاق على الأولويات المحلية، خصوصاً في الدول الأكثر تعرضاً للصدمات الاقتصادية العالمية.
وحذّر التقرير من أن الدول المثقلة بالديون تكون أكثر عرضة لتأثير الأزمات العالمية على توافر الغذاء والقدرة على تحمل تكاليفه، موضحاً أن الأمن الغذائي والتغذية يمثلان مثالاً واضحاً على العلاقة بين الضغوط المالية وتراجع القدرة على توفير نظام غذائي صحي ومناسب للمواطنين.
بريطانيا تدفع نحو اتفاق دولي جديد
على الصعيد الدولي، تستعد الحكومة البريطانية لإطلاق تحرك جديد بشأن أزمة الديون خلال رئاستها لمجموعة العشرين العام المقبل.
وقد عيّن رئيس الوزراء آندي بيرنهام رئيس الوزراء العمالي الأسبق غوردون براون لدراسة إمكانية إدخال إصلاحات على النظام العالمي لإدارة الديون، في خطوة ربطها بيرنهام أيضاً بمعالجة إرث العبودية وتداعياته التاريخية.
كما طرح وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند، خلال اجتماعات صندوق النقد الدولي السنوية في بانكوك، تصوراً لاتفاق جديد يهدف إلى مساعدة الدول المثقلة بالديون.
وتشمل المقترحات المحتملة الاستفادة من الميزانيات العمومية للبنك الدولي وبنوك التنمية متعددة الأطراف لإعادة شراء الديون القائمة، بما يسمح بتمديد فترات السداد وخفض أسعار الفائدة.
لماذا أصبح حل الأزمة أكثر تعقيداً؟
تبدو معالجة الأزمة الحالية أكثر تعقيداً مقارنة بمبادرات عام 2005، عندما وافقت دول مجموعة الثماني خلال قمة غلين إيغلز على شطب مليارات الدولارات من ديون الدول الفقيرة.
ويعود ذلك إلى أن جانباً كبيراً من الدائنين اليوم ينتمي إلى القطاع الخاص، ولا سيما حاملي السندات، بدلاً من الحكومات التي كان من الممكن التوصل معها إلى اتفاقات مباشرة لإلغاء الديون.
وفي ظل تصاعد المطالبات بإصلاح النظام المالي الدولي، خصوصاً من جانب قادة الاتحاد الأفريقي، تتزايد الضغوط لإيجاد حلول أكثر استدامة تضمن حصول الدول النامية على تمويل بشروط عادلة.
تحديات التنمية ومستقبل الاقتصادات الفقيرة
تكشف هذه التطورات أن أزمة الديون لم تعد مجرد مشكلة مالية تتعلق بقدرة الحكومات على السداد، بل أصبحت تحدياً تنموياً واجتماعياً يهدد فرص النمو وتحسين مستويات المعيشة.
ويبقى التحدي الأساسي أمام المجتمع الدولي هو تحقيق التوازن بين ضمان استقرار النظام المالي العالمي ومنح الدول الأكثر فقراً مساحة كافية للاستثمار في مستقبل شعوبها، بدلاً من استنزاف مواردها في سداد الديون وفوائدها.