القصر
العالم العربي

دول الخليج.. مفتاح إنهاء الحرب بين واشنطن وطهران 

محرر العالم العربي 1 12 دقيقة قراءة

ترجمة وتحرير: نون بوست 

بالنسبة إلى جميع الأطراف المشاركة، شكّلت الحرب في إيران إخفاقًا استراتيجيًا. فقد أظهرت الولايات المتحدة وإسرائيل قدرتهما على تحقيق بعض الأهداف العسكرية، مثل إغراق البحرية الإيرانية. لكنهما أثبتتا أيضًا، بعد ثمانية أشهر من القتال وممارسة الضغوط، عجزهما عن تحقيق طموحاتهما الرئيسية بالقوة، بما في ذلك تغيير النظام، وتدمير البرنامج النووي الإيراني، بل وحتى إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ممر مائي لم يكن مغلقًا عند اندلاع الحرب.

من جانبها، أثبتت إيران قدرتها على الصمود في وجه القصف المكثف. لكنها لم تتمكن من كسر الحصار العسكري الأمريكي الذي يخنق اقتصادها، كما أنّها لم تنجح حتى الآن في تحقيق هدفها المتمثل في وضع حدّ للتهديدات المتواصلة بشن حرب على إيران.

نظريًا، كان ينبغي أن يفتح وصول الحرب إلى طريق مسدود ومؤلم الباب أمام حلول دبلوماسية. لكن كلا الطرفين أثبت عجزه عن تقديم التنازلات اللازمة للتوصل إلى اتفاق. وبدلًا من ذلك، يبدو أنّهما يفضّلان الإبقاء على الوضع الراهن المدمّر لهما، والذي يُغذي الوهم بإمكانية تحقيق النصر، ويستند كل منهما في تبريره إلى استمرار المعاناة التي يُلحقها بخصمه. ونتيجة لذلك، وعوضًا عن المضي نحو تسوية، يهدد الطرفان بشن هجمات جديدة.

لكن ثمة مخرجًا يتيح لكل من إيران والولايات المتحدة إنهاء هذا الصراع مع الحفاظ على ماء الوجه، ويتمثل في وقف لإطلاق النار بوساطة خليجية، تتولى الأطراف الوسيطة الإشراف على تنفيذه. وتبدأ هذه الصفقة بتقديم دول الخليج دعمًا اقتصاديًا لإيران، مقابل رفع طهران القيود التي فرضتها على الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما سيسمح بدوره لواشنطن برفع حصارها. كما سيتعين على هذه الدول التعهد باتخاذ خطوات لردع الولايات المتحدة عن استئناف ضرباتها ضد إيران مستقبلًا.

ولا يتطلب هذا الترتيب من الولايات المتحدة أو إيران تقديم تنازلات مباشرة للطرف الآخر، ما يتيح لكل منهما تجنب تقديم التنازلات الأكثر إيلامًا. فعلى سبيل المثال، لن تضطر الولايات المتحدة إلى التخلي عن حملة “الضغط الأقصى”، كما لن تكون إيران مطالبة بالموافقة على تقييد برنامجها النووي. ويمكن لدول الخليج بعد ذلك توظيف نفوذها للحفاظ على وقف إطلاق النار إلى حين أن تتهيأ الظروف للتوصل إلى اتفاق أكثر شمولًا.

إنّ تولي دول الخليج دور الضامن لوقف إطلاق النار ينطوي على تكاليف ومخاطر حقيقية، لكن لديها أسبابًا وجيهة لقبول هذه المخاطر. فهي جزء من ساحة المعركة التي تدور فيها الحرب مع إيران، وإذا استمر الصراع إلى أجل غير مسمى، فقد يشكّل تهديدًا للنماذج الاقتصادية والسياسية التي تقوم عليها هذه الدول.

وتعتمد دول الخليج على صادرات النفط والغاز لضمان بقائها، ولا تملك أي وسيلة لتفادي المرور عبر مضيق هرمز بالكامل عند تصدير مواردها من الطاقة إلى الخارج. في الوقت ذاته، تظل جهودها الرامية إلى تنويع اقتصاداتها وتقليل اعتمادها على المحروقات عرضة هي الأخرى لهجمات إيرانية متجددة.

لن يكون التوصل إلى وقف لإطلاق النار مهمة سهلة، إذ يتطلب الأمر من دول الخليج تجاوز حالة التباعد فيما بينها، ومن إيران إعطاء الأولوية للتعافي الاقتصادي والتخلي عن الحصول على ضمانات صريحة بشأن سلوك الولايات المتحدة، كما يتطلب من واشنطن منح دول الخليج المساحة اللازمة للتوصل إلى اتفاق.

وحتى إذا نجحت هذه الجهود، فإنّ الاتفاق الناتج عنها لن يعالج القضايا الجوهرية الكامنة وراء اندلاع الحرب. لكن في ظل محدودية البدائل المتاحة في الأفق، يبقى هذا الخيار الأفضل، وربما الوحيد، لتخفيف المعاناة عن جميع الأطراف.

حفظ ماء الوجه

من الناحية النظرية، ينبغي أن يكون التوصل إلى اتفاق أمريكي إيراني أمرًا مباشرًا وواضحًا. فهناك نموذج تاريخي للاتفاقات بين إيران والولايات المتحدة، يقوم على موافقة طهران على تقييد سلوك معين أو التخلي عنه، مقابل أن تمنحها واشنطن الأموال والاعتراف. ويمكن تطبيق هذا النموذج بسهولة على الصراع الحالي.

فعلى سبيل المثال، وافقت إيران في اتفاقيات الجزائر لعام 1981 على إطلاق سراح الدبلوماسيين الأمريكيين الذين كانت تحتجزهم رهائن، على أن ترفع الولايات المتحدة التجميد عن الأموال، وتتعهد بعدم التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية.

وفي الاتفاق النووي لعام 2015، قبلت طهران فرض قيود صارمة على برنامجها النووي، لقاء تخفيف العقوبات والاعتراف الضمني بحقها في تخصيب اليورانيوم.

أمّا اليوم، فيمكن لإيران أن تتوقف عن عرقلة حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز (وربما تقدم لاحقًا تنازلات بشأن برنامجها النووي)، في مقابل حزمة من الحوافز الأمريكية تشمل تخفيف العقوبات، وتقديم الأموال، والإقرار بدور رسمي لطهران في إدارة هذا الممر المائي.

لكن التوصل إلى مثل هذا التفاهم سيكون بالغ الصعوبة من الناحية العملية. ويعود ذلك جزئيًا إلى تعارض المطالب؛ إذ لن تقدم إيران التنازلات النووية التي يريدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في حين لن تقدم الولايات المتحدة الحوافز المالية المسبقة وغير القابلة للتراجع التي تطالب بها طهران.

غير أن العقبة الأكبر تتصل برغبة كل طرف في حفظ صورته ومكانته. فترامب يسعى إلى انتزاع تنازلات واسعة من طهران لتبرير حربه العبثية وقراره بالانسحاب من الاتفاق النووي لعام 2015. أما إيران، فترفض القبول بمكاسب تقل عما حصلت عليه بموجب مذكرة التفاهم التي أُبرمت في يونيو/حزيران ولم يُكتب لها النجاح، والتي تعهدت واشنطن بموجبها بتخفيف كبير للعقوبات.

ونتيجة لذلك، يجد الطرفان نفسيهما مضطرين إلى مواصلة المواجهة، رغم أن استمرارها يلحق الضرر بكليهما.

لا تستطيع دول الخليج تسوية الخلاف المتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، لكنها قادرة على تحقيق قدر من السلام النسبي من خلال المساعدة في معالجة قضايا جوهرية أخرى.

قد لا تكون الولايات المتحدة مستعدة لدفع أموال لإيران لمجرد إعادة فتح مضيق هرمز، لكن شركاءها الخليجيين يمتلكون الثروة والدوافع اللازمة لتقديم تنازلات اقتصادية فورية للنظام الإيراني. فعلى سبيل المثال، يمكن لهذه الدول تقديم مساعدات إنسانية والمساهمة في تمويل إعادة الإعمار في إيران. في المقابل، توقف طهران هجماتها على السفن العابرة للمضيق وعلى دول الخليج نفسها.

واستجابةً لوقف إيران هجماتها على حركة التجارة البحرية، ترفع الولايات المتحدة حصارها هي الأخرى، فيما تنشئ دول الخليج وإيران آلية مؤقتة لتنسيق حركة الملاحة وتجنب الاحتكاك، تأخذ في الحسبان دور طهران في هذا الممر المائي، من دون إرساء سوابق غير مقبولة للتجارة الدولية.

قد تقتضي هذه الآلية من السفن الالتزام بمسارات الملاحة التي تفضّلها إيران، لكنها لن تكرّس سيطرة طهران على المضيق أو تمنحها حق التحكم في حركة العبور فيه.

لكن هذا الترتيب تحديدًا لن يحقق هدف إيران الأساسي الآخر، المتمثل في منع الولايات المتحدة وإسرائيل من شن حملة عسكرية جديدة ضدها. ويصعب التعامل مع هذه المسألة بدرجة أكبر؛ فرغم افتقار الولايات المتحدة إلى تصور موثوق لنهاية عسكرية تحقق أهدافها، وعدم تمتع الحرب بشعبية داخل البلاد، فإن ذلك لم يمنع دونالد ترامب، المعروف بتقلب مواقفه، من وضع خطط لاستئناف العمليات العسكرية.

مع ذلك، تستطيع دول الخليج تقديم ضمانات لطهران بأنها ستوظف نفوذها لدى واشنطن للمساعدة في ردع أي هجمات مستقبلية. ففي مايو/أيار، علّقت الكويت والسعودية مؤقتًا التسهيلات العسكرية المقدمة للولايات المتحدة، بما يشمل استخدام الأراضي والقواعد العسكرية والتحليق في الأجواء الخليجية. وهي الموافقات التي تتيح للجيش الأمريكي استخدام أراضي دول الخليج ومجالاتها الجوية. وجاءت هذه الخطوة على خلفية مخاوف من الخطط الأمريكية لمرافقة السفن التجارية عبر مضيق هرمز. وقد أثمر هذا الإجراء فعلًا؛ إذ أوقفت واشنطن العملية مؤقتًا.

قد لا يروق للولايات المتحدة إسناد المفاوضات مع إيران إلى دول الخليج، لكن المسؤولين الأمريكيين ينبغي أن يتمكنوا في نهاية المطاف من تصوير هذا الترتيب على أنه انتصار لواشنطن. فعلى سبيل المثال، يمكن لترامب إنهاء الحرب وإخبار الأمريكيين بأنه أنقذ العالم من ارتفاع أسعار الطاقة، من دون تقديم تنازلات اقتصادية أو نووية لإيران كتلك التي قدمتها إدارة أوباما بموجب اتفاق عام 2015.

كما يمكنه التباهي بالخطوات التي اتخذها لإضعاف إيران، والإشارة إلى أنّ العقوبات التي يصفها بأنّها جزء من سياسة “الضغط الأقصى” لا تزال سارية، في غياب اتفاق نووي.

في الواقع، يتوافق الترتيب الذي تتوسط فيه دول الخليج، من بعض النواحي، تمامًا مع نهج السياسة الخارجية القائم على مبدأ “أمريكا أولًا” الذي وعد به ترامب. فهو يتيح لدول المنطقة تولي عبء التعامل مع طرف يُنظر إليه على أنه مصدر للاضطراب، بما في ذلك تحمل مسؤولية تقديم معظم التنازلات اللازمة. وربما يكون ترامب قد وصل إلى هذه النتيجة مصادفة، لكنه سيغادر منصبه تاركًا وراءه حلفاء أكثر نفوذًا وقدرة على إدارة شؤونهم الأمنية بأنفسهم.

أما إيران، فلن تقتصر مكاسبها على الفوائد الاقتصادية الكبيرة، بل قد تحقق أيضًا هدفها المتمثل في تقليص النفوذ الأمريكي في المنطقة. ففي نهاية المطاف، إذا ما عمدت إسرائيل أو الولايات المتحدة مستقبلًا إلى تقويض هذا الترتيب، فلن يؤدي ذلك إلا إلى تسريع تراجع مصداقية واشنطن ونفوذها لدى شركائها الخليجيين.

لقد ألحقت الولايات المتحدة بالفعل ضررًا بعلاقاتها مع هذه الدول، جراء دخولها الحرب مع إيران، وهي حرب لم تطلبها تلك الدول، لكنها جميعًا تكبدت بسببها عواقب وخيمة. وبالتالي، فإنّ التوصل إلى اتفاق بوساطة خليجية سيتيح لطهران استغلال أي حملات عسكرية أمريكية مستقبلية ضدها لتعميق الخلاف بين واشنطن وشركائها الإقليميين، وزيادة الهوة بينهم.

أوضحت إيران مرارًا أنّ أولويتها القصوى فيما يتعلق بالحرب تتمثل في إنهائها بشروط تقلل من احتمالات اندلاع صراع جديد مستقبلًا. وإلى حد ما، حققت إيران هذا الهدف بالفعل من خلال الأضرار التي ألحقتها بالاقتصاد العالمي.

وبافتراض أنّ الحرب ستنتهي في النهاية، فعندما يطلب رئيس وزراء إسرائيلي من رئيس أمريكي مستقبلًا الموافقة على شن هجوم على إيران، سيتعين على الأخير الموازنة بين عدم استقرار الاقتصاد العالمي والمصالح الأمنية الإسرائيلية.

ففي غياب اختراق نووي أو هجوم إرهابي ضخم، قد لا يكون التهديد الإيراني كافيًا لتبرير المخاطر التي قد يتعرض لها الاقتصاد العالمي. وقد تقدم إسرائيل على التحرك بشكل مستقل عن الولايات المتحدة، لكن ذلك سيعرّض العلاقات الأمريكية الإسرائيلية لمزيد من الضرر، ويجعلها عرضة لرد إيراني انتقامي من دون حماية أمريكية.

لكن هذا الردع لن يكون فعالًا إلا بعد انتهاء الجولة الحالية من الحرب. فإذا استمرت الحرب، ستفقد إيران الضمانة الأمنية الفعلية التي يوفرها لها مضيق هرمز وموقعها الجغرافي.

وكلما طال أمد هذا الصراع، صبّ ذلك في مصلحة الأصوات الداعية في إسرائيل أو الولايات المتحدة إلى تغيير النظام أو مواصلة الحرب إلى غير نهاية.

وما لم يُعثر على حل لمشكلة ارتفاع أسعار الطاقة يتيح لترامب فك الارتباط بالصراع مع إيران، فسيواصل التشبث بأي مخرج، وقد يدفعه ذلك في نهاية المطاف إلى تبني خيارات عسكرية تصعيدية لم تُجرَّب من قبل، ولأسباب وجيهة.

الخيار الأفضل بين الخيارات السيئة 

بدأت إيران ودول الخليج بالفعل في البحث عن حلول إقليمية للنزاع. ففي 26 أكتوبر/تشرين الأول، سافر مسؤولون سعوديون إلى طهران للقاء نظرائهم الإيرانيين، بحضور قادة من باكستان وتركيا.

وكانت دول الخليج قد خططت أيضًا لعقد اجتماع مع إيران في مدينة صلالة العُمانية يوم 14 سبتمبر/أيلول، لمناقشة ملف مضيق هرمز. لكن الاجتماع لم يُعقد.

وفي غياب حلّ إقليمي أوسع، ستتجه دول الخليج بدلًا من ذلك، في الغالب، إلى إبرام اتفاقات ثنائية سرية مع إيران لدرء الهجمات المستقبلية على سفنها أو أراضيها. وقد تساعد هذه الاتفاقات في تخفيف وطأة الأضرار التي تتعرض لها كل دولة خليجية على حدة في المدى القصير، لكنها تعجز عن معالجة الخطر الأوسع الناجم عن التصعيد الإيراني، أو تسوية التداعيات العالمية المترتبة على النزاعات المرتبطة بمضيق هرمز. علاوة على ذلك، فإنها تتيح لإيران تأجيج الانقسامات وتقويض الثقة بين دول الخليج، في الوقت الذي ترفع فيه سقف مطالبها.

وللتوصل إلى اتفاق قابل للتطبيق، سيتعين على دول الخليج تعزيز التنسيق فيما بينها. وهذا أسهل قولًا منه فعلًا، لا سيّما في ظل استمرار التوترات بين اثنين من أبرز الأطراف الخليجية الفاعلة: السعودية والإمارات.

غير أن معالجة هذا الأمر تقع بالكامل ضمن قدرة دول الخليج نفسها، كما تُظهر مساعي صلالة وجود اهتمام بتعزيز هذا التماسك. ولا يتطلب تعزيز التعاون بين دول الخليج تسوية التوترات الثنائية الأوسع أو إنهاء المنافسة بين عواصم المنطقة؛ بل يقتضي فقط الاتفاق على عزل الملف الإيراني عن تلك الخلافات، والتعامل معه بوصفه ضرورة مشتركة وملحّة.

ولذلك، ينبغي لدول الخليج الاتفاق على خطوط حمراء تحكم السلوك الإيراني، وتنسيق جهودها لضمان الالتزام بها. وإذا حاولت إيران اختبار الاتفاق أو المطالبة بمزيد من التنازلات من الحكومات الخليجية، فعلى هذه الحكومات التصدي لذلك بصورة موحّدة، عبر تعليق المساعدات الاقتصادية أو التعاون، حتى لو عرّضها ذلك لرد انتقامي إيراني.

كما سيشكل الحوثيون اختبارًا إضافيًا لكل من دول الخليج وإيران. فمن المفهوم أن تحمّل السعودية إيران المسؤولية عن الهجمات الحوثية على أراضيها، نظرًا إلى مساهمة طهران في بناء القدرات العسكرية للجماعة، واستمرارها في تزويدها بالدعم والخبرات اللازمة، فضلًا عن دورها في تجدد التصعيد في الصراع اليمني خلال يوليو/تموز.

لكن إيران لا تسيطر كليًا على الحوثيين، ولن تتوقف الجماعة عن مهاجمة السعودية أو تنهي حملتها داخل اليمن لمجرد طلب إيراني. ومن ثم، سيتعين على طهران تقديم بادرة حسن نية للرياض عبر إظهار جديتها في الحد من انخراطها المباشر في الهجمات الحوثية الراهنة على المملكة. فعلى سبيل المثال، يمكن لإيران أن تقدم للسعودية تعهدًا موثوقًا بأن الميليشيات العراقية المدعومة من طهران ستتوقف عن مهاجمة المملكة.

وقد أدت هجمات الميليشيات العراقية إلى إخراج خط أنابيب النفط الحيوي شرق–غرب عن الخدمة في 10 سبتمبر/أيلول، فيما يزيد اضطرار السعودية إلى التصدي للهجمات القادمة من الشمال (حيث حدودها مع العراق) والجنوب (حيث تحدها اليمن) من الضغوط على دفاعاتها الجوية المرهقة أصلًا.

ومع ذلك، قد لا تكلل هذه الجهود الرامية إلى صياغة اتفاق بالنجاح. فحتى لو تمكنت دول الخليج من تجاوز انقساماتها الداخلية ووضع مخاوفها بشأن أنشطة الحوثيين جانبًا، فقد ترفض طهران وواشنطن الانضمام إلى الاتفاق.

ومن الممكن أن ترى إيران أن السيطرة على المضيق والقدرة على خنق أسواق الطاقة عبر تقييد إمداداتها تمثلان أفضل ضمانة أمنية لها. في المقابل، قد تجد الولايات المتحدة صعوبة حتى في الإقرار الضمني بأن الحرب لن تحقق النتيجة التي وعد قادتها بها.

وحتى لو نجح اتفاق وقف إطلاق النار، فإن النتيجة لن تكون مثالية، لا بالنسبة إلى الولايات المتحدة ولا بالنسبة إلى شركائها الخليجيين. فقد يشجع الاتفاق إيران على تعزيز سيطرتها على المضيق، ومن الممكن أن يؤدي إلى إضعاف الشراكات بين الولايات المتحدة ودول الخليج.

والأسوأ من ذلك أنه لن يعالج القضايا الجوهرية التي تقف وراء الصراع الأمريكي الإيراني والتوترات بين إيران وجيرانها، والمتمثلة على التوالي في البرنامج النووي الإيراني ودعم طهران للجماعات المسلحة.

لكن التوصل إلى اتفاق شامل بشأن إيران ليس ممكنًا في الوقت الراهن. أما التوصل إلى تسوية بشأن مضيق هرمز بوساطة خليجية، فهو أمر قابل للتحقيق.

بل قد يكون هذا الخيار الوحيد لكسر حالة الجمود المؤلمة التي تلحق الضرر بالطرفين، ويُتوقع أن تستمر سنوات وتتسبب في أضرار متزايدة للأسواق العالمية.

من المرجح أن تبدأ الاستراتيجيات التي اعتمدتها الدول للحد من تداعيات نقص إمدادات النفط والغاز عالميًا بالتراجع خلال عام 2027، مع استنزاف الحكومات احتياطياتها الاستراتيجية، وارتفاع الطلب الصيني، وتعرض مسارات الإمداد البديلة من الخليج لهجمات إيرانية.

وقد تصل التداعيات الاقتصادية للصراع إلى حد تهديد الاستقرار الداخلي في أكثر دول الخليج هشاشة، أو إحياء صراعات قديمة، كما حدث في اليمن خلال العام الجاري. وعليه، فإن التوصل إلى اتفاق بوساطة خليجية يمثل النتيجة الأقل سوءًا.

وهنا تكمن المفارقة في هذا الصراع: فالأطراف التي بقيت خارج دائرة القتال، وكانت بالفعل الأكثر تكبدًا للخسائر، هي نفسها التي سيتعين عليها إنقاذ الأطراف المتحاربة من نفسها.

المصدر: فورن أفيرز 

اقرأ النسخة الكاملة