"ربما هذا أكثر تشخيص شامل وصادق لهزيمة انتخابية رأيناه على الإطلاق من سياسي بمستوى فانس، وهو محق."
بعد ساعات من هزيمة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي، كتب نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس على منصة إكس ما لم يقله مسؤول في الإدارة علنًا: "السبب في خسارتنا هو الحرب" على إيران، ووضع "تغيير علاقتنا بإسرائيل" ضمن أربعة مطالب قال إن ناخبي ترامب الغاضبين يشترطونها للعودة. حصدت التغريدة 3.7 ملايين مشاهدة في أقل من ساعة و40 دقيقة، وتجاوزت 60 مليونًا خلال 20 ساعة.
ولقياس ردود الفعل فعليًا، حللنا 750 تفاعلًا مع التغريدة حصدت معًا نحو 52 مليون مشاهدة، والنتيجة أن التغريدة لم تقسم الجمهوريين والديمقراطيين بقدر ما قسمت معسكر ترامب نفسه، وعلى خط الحرب وإسرائيل تحديدًا.
أخبار مقترحة
الحرب أولًا وإسرائيل رابعًا
بنى فانس منشوره، الذي نُشر في 18:38 بتوقيت مكة المكرمة يوم 4 نوفمبر/تشرين الثاني، على فكرة واحدة: "ناخبونا حضروا" لكن كثيرين ممن صوّتوا لترامب وفانس في 2024 صوّتوا للديمقراطيين. ونقل عن مستطلع رأي أن أهم أربع إجابات لهؤلاء عمّا يعيدهم كانت:
وختم بجملة صارت عنوان التفاعل كله: "السبب في خسارتنا هو الحرب. الرئيس نفسه قال ذلك الليلة الماضية. إن أردتم أن تجادلوا بأنها كانت تستحق… فافعلوا".
قبلها بيومين: تحذير كارلسون
لم تأتِ تغريدة فانس من فراغ. فمساء الأحد 1 نوفمبر/تشرين الثاني بتوقيت واشنطن، قبل الاقتراع بيومين، نشر الإعلامي تاكر كارلسون، أبرز أصوات التيار الرافض للحرب داخل اليمين، أن الإدارة الأمريكية "قد تكون على بعد أيام من ضربة نووية على إيران" تستهدف موقع "جبل بيكاكس"، بضغط من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأن ترامب سيحسم قراره بحلول 7 نوفمبر/تشرين الثاني، أي بعد الانتخابات بأربعة أيام.
وقال كارلسون إن ترامب "متردد" ويستمع إلى فانس والمبعوث ستيف ويتكوف اللذين يريان اتفاقًا مع إيران ممكنًا، في مواجهة وزير الدفاع بيت هيغسيث الداعي إلى استئناف القتال، بحسب ما نقلت شبكة "ذا ناشونال نيوز ديسك".
وحصدت تغريدة كارلسون 85 مليون مشاهدة في 30 ساعة. ورد متحدث باسم البيت الأبيض بأن كارلسون مصاب بـ"متلازمة جنون ترامب" ولا يملك أي اطلاع على التخطيط العسكري، بحسب مجلة نيوزويك، بينما قال ترامب في تجمع انتخابي بولاية أيوا إنه "في مرحلة ما سيتعين علينا أن نضربهم بالمطرقة".
وحضر هذا الربط في ردود الفعل على فانس نفسه، إذ ربطت حسابات مؤيدة لإسرائيل بين تشخيصه ورواية كارلسون، وكتبت إحداها ساخرة أن فانس "سأل تاكر كارلسون لماذا خسر الجمهوريون، فأجابه: حرب إيران والعلاقة مع إسرائيل".
تصفيق من داخل "ماغا"
و"ماغا" اختصار لشعار ترامب "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا"، ويُطلق على قاعدته الشعبية وتيار "أمريكا أولًا" الذي يرفض التدخلات العسكرية الخارجية. ويضم هذا التيار جناحًا قريبًا من كارلسون عارض حرب إيران منذ بدايتها، وينتقد علنًا حجم الالتزام الأمريكي تجاه إسرائيل، ويُنظر إلى فانس بوصفه أقرب وجوه الإدارة إليه.
ومن هذا الجناح جاء أقوى تأييد لتغريدة فانس، فتعليقات حسابات "ماغا" واليمين الشعبوي حصدت 14.1 مليون مشاهدة، و89% منها تأييد صريح لما كتبه نائب الرئيس، وتصدّرها نجل الرئيس دونالد ترامب الابن بـ 5 كلمات بالانجليزية: "كل كلمة في هذا"، تجاوزت 5.5 ملايين مشاهدة، أكثر من أي رد آخر على التغريدة.
وتلاه المعلق المحافظ مات والش الذي وصفها بأنها "أكثر تشخيص شامل وصادق لهزيمة انتخابية" رآه من سياسي بمستوى فانس.
وأعاد نشر التغريدة دون تعليق محيطُ فانس وترامب الابن، ووجوه بارزة في إعلام "ماغا"، ومستشار ترامب ريتشارد غرينيل، إضافة إلى أصوات من اليمين القومي الأوروبي.
الصقور: المشكلة أنكم لم تكسبوا الحرب
في المقابل، جاء الهجوم من داخل الحزب أيضًا، لكن من "الصقور"، وهو التيار الجمهوري التقليدي الذي يؤيد استخدام القوة العسكرية في الخارج ويدعم إسرائيل بقوة، ومن رموزه مسؤولون سابقون في إدارة جورج بوش الابن وكتّاب في صحف محافظة كبرى. وكانت ردود هذا التيار كلها تقريبًا هجومًا، وحصدت 4.8 ملايين مشاهدة، أبرزها لآري فلايشر المتحدث الأسبق باسم البيت الأبيض، وكيم ستراسل الكاتبة في وول ستريت جورنال، والسيناتور السابق بات تومي.
وانقسمت حججهم بين من رأى أن الخطأ كان التوقف عن الحرب لا خوضها، كفلايشر، ومن رأى أن فانس تجاهل السبب الأكبر وهو الرسوم الجمركية، كستراسل وتومي.
أما ترامب نفسه فأمسك العصا من الوسط، ففي حديثه للصحفيين بالبيت الأبيض بعد نحو ساعتين ونصف من نشر التغريدة، قال إن ما كتبه فانس "صحيح إلى حد كبير" لأن الحرب رفعت أسعار البنزين، لكنه أضاف أنه كان سيفعلها مجددًا. ونشر حساب البيت الأبيض كلامه خلال دقائق، ثم أعاد حساب مكتب نائب الرئيس نشر عبارته "ظننت أنها كانت جيدة".
من رأى فيها انشقاقا؟
قرأ 155 تعليقًا التغريدة انشقاقًا عن ترامب، وحصدت هذه القراءة 10.8 ملايين مشاهدة. لكن أصحابها جاؤوا في معظمهم من خارج "ماغا"، صحفيون ومعلقون مستقلون، ومحافظون مناهضون لترامب، وديمقراطيون، وحسابات دولية، بينما لم تتجاوز حصة حسابات "ماغا" منها 5% من المشاهدات، أي أن من رأى في التغريدة تمردًا كان يراقب المعسكر من الخارج، فيما قرأها جمهوره تعبيرًا عن مطالبه.
وتوزعت هذه القراءات على ثلاث: تمرد معلن، كما كتب المعلق جوش إيكل "السكاكين أُشهرت. نائب ترامب نفسه يقوّضه علنًا الآن" (1.7 مليون مشاهدة)، والإعلامي كيث أولبرمان "فانس يعلن الحرب على ترامب بهدوء". ورسالة استقالة، كما وصفها المعلق المناهض لترامب براين كراسنستين: "يبدو هذا بصراحة خطاب استقالة". وافتتاح مبكر لسباق 2028، إذ رأى المحافظ المناهض لترامب بيل كريستول أنه "لا يعرف نائب رئيس منذ هنري والاس حاول شيئًا كهذا"، وكتب الصحفي سام ستاين: "الدور عليك يا ماركو، وهيغسيث"، في إشارة إلى منافسي فانس المحتملين على خلافة ترامب.
ماذا يريد فانس؟
يُعد فانس المرشح الأوفر حظًا لخوض سباق الرئاسة عام 2028، ووريثًا محتملًا لقيادة حركة "ماغا". وكان من أبرز المفاوضين في مساعي واشنطن وطهران لإيجاد مخرج من حرب مستمرة منذ ثمانية أشهر، أضرّت باقتصادي البلدين ورفعت أسعار الوقود عالميًا. وجاءت تصريحاته بشأن طهران أقل تشددًا من مواقف أركان الإدارة الآخرين. وتبدو تغريدته الأقرب حتى الآن إلى افتراق علني عن ترامب، في قضية يرجَّح أن تلاحق الجمهوريين ما دامت الحرب مستمرة، وفق محللين.
وقال مارك بفايفل، نائب مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس جورج بوش الابن، للجزيرة إن فانس يعترف بإخفاق سياسي صنعته الإدارة نفسها. وأضاف: "إذا أخطأت فاعترف!". ورأى أن فانس يريد أن يقول: "اسمي كان على ورقة الاقتراع قبل عامين، وعليّ أن أتحمل المسؤولية". ووصف بفايفل ذلك بأنه علامة نضج سياسي واستعداد لمعالجة أكبر أعباء الجمهوريين.
في المقابل، قال النائب الديمقراطي السابق نيك رحال للجزيرة إن فانس "يحاول بالتأكيد النأي بنفسه عن ترامب، كما سيفعل جمهوريون محترمون كثيرون خلال الأسابيع والأشهر المقبلة. لقد قال الناس كلمتهم". وأضاف أنه "تسرّب من قبل أن جي دي كان الوحيد في الدائرة المقربة من ترامب الذي كانت لديه تساؤلات وتردد بشأن الحرب على إيران منذ البداية".
وعلى النقيض من فانس، قال ترامب لصحيفة وول ستريت جورنال بعد نتائج الانتخابات إنه لا يندم على شن الحرب: "فعلت الصواب. وكنت سأفعلها مجددًا".
الديمقراطيون يسخرون
وفي الضفة الأخرى، لم يناقش الحساب الرسمي للحزب الديمقراطي حجة فانس، واكتفى بصورة ساخرة حصدت 1.1 مليون مشاهدة، لتكون أوسع رد ديمقراطي على التغريدة. وانقسمت تعليقات الديمقراطيين والليبراليين، التي حصدت 5.9 ملايين مشاهدة، بين هجوم على "نفاق" فانس الذي دافع عن الحرب علنًا ثم حمّلها مسؤولية الهزيمة، وسخرية منه.
إسرائيل: نقاش واسع وانقسام حاد
احتل البند الرابع في قائمة فانس، تغيير العلاقة مع إسرائيل، مساحة واسعة من النقاش، حيث ذكر 169 تعليقًا إسرائيل صراحة وحصدت 6.2 ملايين مشاهدة، وانقسمت مشاهداتها بالتساوي تقريبًا بين مؤيد لفانس ومهاجم له.
ومن المؤيدين جاءت ردود لافتة من طرفي الطيف الأمريكي، فالنائبة الجمهورية السابقة مارجوري تايلور غرين، المنشقة عن ترامب، رأت أن بنود فانس الأربعة كانت "جوهر وعود حملة 2024" التي لم تُنفّذ.
وذهب النائب الديمقراطي رو خانا أبعد، فاقترح وقف تمويل القتال في إيران وإلغاء المساعدات لإسرائيل. وكتب الناشط اليميني جيمس فيشباك: "نعم. والآن افعل أنت ورئيسك شيئًا حيال ذلك".
بينما قال صانع البودكاست داريل كوبر إن الجميع يعرف أن وعد عدم الحرب "نُقض لخدمة مصالح دولة أجنبية".
في المقابل، هاجمت الأصوات المؤيدة لإسرائيل فانس بحدة: كتبت 7% من التعليقات، و93% منها هجوم دار أغلبه حول تهمة "لوم اليهود"، لكنها لم تحصد إلا 3% من المشاهدات، أي أقل من نصف حصتها من النقاش.
وكان أوسعها انتشارًا رد إيلون ليفي، المتحدث السابق باسم الحكومة الإسرائيلية الذي قال في تعليقه "من الجنون التام أن يكون أحد أسباب اعتقاد الجمهوريين بخسارتهم أن الناخبين أرادوا "تغيير علاقتنا بإسرائيل". لا لأن ذلك قد لا يكون صحيحًا، بل لأن الشراكة الاستراتيجية بين أمريكا وحليف ديمقراطي مخلص مثل إسرائيل لا ينبغي أن تكون موضوع هوس سياسي، خصوصًا أنها الحليف الوحيد الذي يقاتل جنبًا إلى جنب مع القوات الأمريكية. لسنا سبب أي من مشاكلكم".
وذهب جويل بولاك، المحرر في موقع بريتبارت اليميني، إلى الاعتذار "للمجتمع اليهودي" عن دفاعه السابق عن فانس. بينما ردّ على هذه الاتهامات من داخل "ماغا" المعلق ستيف كورتيز:
"على كل إسرائيلي أن يقلق"
وفي إسرائيل، كانت القراءة الأكثر وضوحًا في صحيفة يديعوت أحرونوت، التي كتبت أن منشور فانس "يجب أن يقلق جدًا كل إسرائيلي"، خصوصًا أنه جاء بعد الهزيمة الموجعة التي مُني بها ترامب. وأضافت أن ترديد نجل ترامب للكلام بقوله إنه "يوافق على كل كلمة"، وقول الرئيس نفسه إن فانس محق رغم أن الحرب كانت تستحق، "يجب أن يضيفا مزيدًا من القلق".
ورأت الصحيفة أن المنشور يشير إلى أن دعم إسرائيل قد لا يبقى "رصيدًا سياسيًا ثابتًا" داخل الحزب الجمهوري، وأنه قد يتحول من قضية إجماع إلى قضية خلاف داخلي. ونقلت عن مسؤول إسرائيلي تقديره أن نتائج الانتخابات وكلام فانس أدخلا الحرب على إيران في حالة تجميد، وأن الخشية في القدس من أن يكتفي ترامب بفتح مضيق هرمز دون معالجة البرنامج النووي الإيراني.
ودعا الأكاديمي الإسرائيلي كوبي بردا اليهود إلى الدعاء لصحة ترامب "حتى 20 يناير/كانون الثاني 2029″، أي حتى نهاية ولايته، بينما استخدم معارضون لنتنياهو التغريدة حجة لإسقاط حكومته.
"قل هذا لرئيسك"
ومن الضفة المقابلة، ردّ رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ساخرًا: "طاقة مقامر خاسر لا يستطيع مغادرة الطاولة. رئيسك يحضّر للمرحلة التالية من الحرب بينما تترنح أمريكا على حافة "إسرائيل أولًا". دعك من محاضرات "تيد". لماذا لا تقول هذا لرئيسك؟".
وانتزع الديمقراطيون السيطرة على الكونغرس بمجلسيه (الشيوخ والنواب) عقب إجراء انتخابات التجديد النصفي، الثلاثاء، وأقر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالهزيمة نافيا أن تكون انتكاسة شخصية له، وجاءت سيطرة الحزب الديمقراطي على مجلس الشيوخ عقب فوزه بمقاعد ولايات كانت تاريخيا جمهورية، مثل آيوا وساوث كارولاينا ونورث كارولاينا وتكساس وأوهايو.
المنهجية:
- العيّنة: 1,163 اقتباسًا (تعليقًا على التغريدة) جُمعت من منصة إكس في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 بين 12:00 و12:35 بتوقيت مكة، عبر البحث في 8 فترات زمنية تغطي 17 ساعة منذ النشر.
- التحليل: 750 تفاعلا تجاوزت مشاهدات كل منها ألفًا، وتمثل 99.8% من مشاهدات العيّنة. صُنّفت يدويًا حسب الموقف من فانس ومعسكر الحساب، مع مراجعة ثانية.
- الحدود: المنصة تعرض الاقتباسات الأبرز لا كلها، والمشاهدات كما ظهرت لحظة الجمع.

التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر