حين تصبح بقعة صغيرة من السماء كونا لا ينتهي
نشر مرصد "فيرا روبين"، الذي يقع في قمة "إل بينون" بجبل سيرو باتشون بدولة تشيلي، على ارتفاع 2682 مترا، صورة لحقل نجمي أطلق عليه اسم "محيط النجوم" (Rubin’s Ocean of Stars)، بلغت دقتها 1.7 مليار بكسل.
والصورة التي نشرها المرصد تضم آلاف النقاط الضوئية التي تتزاحم أمام عينيك، وما إن تكبر جزءا صغيرا منها حتى تظهر نقاط أخرى لم تكن تراها، وكأنك تقف أمام محيط من النجوم لا ساحل له.
أخبار مقترحة
- النجوم الميتة تحطم الكويكبات.. لكنها تعجز عن سحقها إلى غبار
- كنز ضائع في ذاكرة جيمس ويب.. كوكب يخرج من وهج نجمه
فهي ليست صورة تخيلية، بل مشهد حقيقي نشره المرصد وتظهر فيه نجوم زرقاء وبيضاء وبرتقالية، متفاوتة السطوع، تتخللها غيوم رمادية وبنية خافتة. وهذه الغيوم ليست سحبا في غلاف الأرض الجوي، بل تجمعات رقيقة من الغاز والغبار المنتشر بين نجوم مجرتنا درب التبانة.
والمذهل أن الصورة تضم ملايين النجوم، بحسب وصف التغطية العلمية، إلى جانب مجرات بعيدة تظهر في الخلفية. ومع ذلك، لم يصدر المرصد بعد إحصاء دقيقا بعدد النجوم والمجرات داخلها.
إنها نافذة صغيرة على عالم لا تدركه أبصارنا، ودعوة إلى التفكر في عظمة خلق الله؛ فكيف إذا كان هذا بعض ما تخفيه بقعة واحدة من السماء؟
أين تقع هذه البقعة؟ وما حجمها من السماء؟
يقع حقل "محيط النجوم" الذي تم تصويره بين كوكبتي قنطورس والسبع في السماء الجنوبية، قرب برج العقرب. ويظهر في منطقة غنية بنجوم درب التبانة، ولذلك يبدو مختلفا عن المناطق البعيدة عن المستوى الرئيسي للمجرة.
يبلغ مجال رؤية كاميرا روبين نحو 10 درجات مربعة، في حين تبلغ مساحة السماء الكاملة نحو 41 ألف درجة مربعة. وهذا يعني أن المجال الواحد للكاميرا يعادل نحو واحد من أربعة آلاف جزء من السماء، مع التنبيه إلى أن مساحة الصورة المركبة المنشورة قد تختلف عن مجال التعريض الواحد.
ولفهم هذا الاتساع، تخيل أن السماء قبة هائلة مقسمة إلى آلاف النوافذ. ما نراه في صورة روبين يمثل نافذة واحدة تقريبا من حيث مقياس مجال الكاميرا، بينما تبقى آلاف النوافذ الأخرى تنتظر الدراسة.
لكن النجوم لا تتوزع بالتساوي؛ فالنظر نحو مستوى درب التبانة يكشف نجوما أكثر، بينما يكشف النظر بعيدا عنه مجرات خلفية أكثر وضوحا.
هابل عام 1995.. عندما امتلأ الفراغ بالمجرات
قبل ثلاثة عقود، قرر علماء الفلك إجراء تجربة بدت غريبة، فتم توجيه تلسكوب هابل نحو بقعة صغيرة جدا في كوكبة الدب الأكبر، اختيرت لأنها تبدو شبه خالية من النجوم والمجرات اللامعة.
وخلال عشرة أيام من ديسمبر/كانون الأول 1995، جمع التلسكوب 342 تعريضا، تجاوز مجموع أزمنتها 100 ساعة.
وعندما دمج العلماء الصور، ظهرت مفاجأة تاريخية؛ نحو 3 آلاف مجرة، لكل منها نجومها وتاريخها، في مساحة تبدو شبه فارغة للراصد العادي.
كانت معظم البقع الضوئية في الصورة مجرات كاملة، لا نجوما منفردة. ولم تكن المنطقة خالية حقا، بل كانت الأجرام البعيدة أخفت من أن تكشفها الأرصاد السابقة.
أثبتت التجربة أن النظر عميقا في السماء يشبه فتح نافذة على الماضي، لأن الضوء القادم من المجرات البعيدة احتاج إلى مليارات السنين ليصل إلينا.
نصف مليون مجرة في صورة أخرى لروبين
إذا كان هابل قد كشف ثلاثة آلاف مجرة في بقعة ضئيلة من السماء، فقد أظهر روبين في يوليو/تموز 2026 ما يمكن أن يحققه الجمع بين الحساسية العالية واتساع مجال الرؤية.
ففي صورة لحقل "كوزموس"، المختلف عن حقل "محيط النجوم"، أعلن المرصد رصد أكثر من نصف مليون مجرة وأكثر من 50 ألف نجم.
وتكمن أهمية المقارنة في أن هابل تعمق كثيرا في بقعة ضيقة، بينما يستطيع روبين تصوير مساحات أوسع وتكرار مشاهدتها. ولا تعني زيادة عدد المجرات في صورة روبين أنه يتفوق على هابل في كل جوانب الرصد؛ فلكل تلسكوب غرضه وقدراته.
إنها خطوتان في رحلة واحدة، فهابل كشف ما تخفيه بقعة بدت فارغة، وروبين يوسع قدرتنا على دراسة السماء ومتابعة تغيراتها.
كم مجرة في الكون كله؟ وكم نجما وراء هذا المشهد؟
إذا كشف هابل آلاف المجرات في مساحة صغيرة، فكم مجرة قد نجد لو استطعنا تصوير السماء كلها بالعمق نفسه؟
تشير تقديرات علمية إلى أن الكون المرصود قد يضم مئات المليارات من المجرات، وربما نحو تريليوني مجرة وفق تقديرات تشمل أعدادا كبيرة من المجرات الخافتة التي لم ترصد مباشرة.
أما درب التبانة وحدها، فتضم على الأرجح مئات المليارات من النجوم. ولو افترضنا، لغرض توضيح الحجم فقط، وجود 100 مليار نجم في كل مجرة من تريليوني مجرة، لحصلنا على رقم يبلغ 200 ألف مليار مليار نجم (رقم 2 وأمامه 22 صفرا). لكن هذا ليس إحصاء علميا لنجوم الكون، لأن المجرات تختلف كثيرا في أحجامها وأعداد نجومها.
والأهم أن مسح السماء لا يكشف كل ما فيها؛ فهناك أجرام أضعف من حدود الرصد، ومناطق يحجبها الغبار، وأجزاء من الكون لا يستطيع ضوؤها الوصول إلينا.
ومع كل صورة جديدة، تتجدد دلالة قوله تعالى: "ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك" آل عمران: 191.
فالعلم يكشف لنا كيف تنتظم هذه العوالم وتتشكل، والتأمل في اتساعها ودقتها يفتح بابا أرحب لاستشعار عظمة الخالق وقدرته.