القصر
العالم العربي

"جيل زد" يشعل أوروبا.. والحكومات تبحث عن مخرج

محرر العالم العربي 3 3 دقائق قراءة

اجتاحت في مشهد غير مسبوق منذ سنوات، موجة من الاحتجاجات الشبابية أكثر من 12 دولة أوروبية، من فرنسا إلى سويسرا، مروراً بألمانيا وإيطاليا وبلجيكا، حيث لم تعد المطالب مقتصرة على إصلاح التعليم أو خفض الرسوم، بل تحولت إلى صرخة وجودية ضد غلاء المعيشة، أزمة الإسكان، التفاوت الاجتماعي، وعدم المساواة بين الأجيال. هذا الحراك، الذي تقوده غالباً فئة "جيل زد"، لم يعد ظاهرة وطنية عابرة، بل تحول إلى أزمة حكم أوروبية بامتياز، تكشف هشاشة النموذج الاجتماعي والاقتصادي القائم.

انطلقت الشرارة الأولى من فرنسا، حيث رفع طلاب المدارس الثانوية لافتات كتب عليها "مدارس بلا تمويل، وبلد بلا مستقبل"، احتجاجاً على نقص المعلمين وتدهور البنية التحتية التعليمية. لكن هذا الغضب سرعان ما تجاوز أسوار المدارس، ليتحول إلى حركة اجتماعية عابرة للطبقات، شاركت فيها النقابات العمالية وحركة "السترات الصفراء".

فلم تعد الأزمة تعليمية فقط، بل أصبحت أزمة قدرة شرائية وسكناً وتضخماً، وتشير بيانات الاتحاد الأوروبي إلى أن 40% من الشباب ما بين 16 و30 عاماً يعتبرون ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة مصدر قلقهم الأكبر، بينما بلغت نسبة الشباب (18-24 عاماً) المعرضين لخطر الفقر أو الإقصاء الاجتماعي 26.3%، وهي الأعلى بين جميع الفئات العمرية.

وتفسر هذه الأرقام لماذا تحولت الاحتجاجات إلى أعمال عنف في بعض المدن. ففي فرنسا وحدها، قُدّرت الخسائر التأمينية الناجمة عن أعمال الشغب بنحو 1.2 مليار أورو، أي أكثر من 1.5 مرة مما خُسر في اضطرابات صيف 2023. وفي ألمانيا، خرج نحو 150 ألف شخص في أكثر من 30 مدينة تحت شعار "جيل زد يتولى الأمر" (Gen Z regelt)، للمطالبة باستثمارات في التعليم والصحة والمناخ، ورفض العودة إلى التجنيد الإلزامي.

عندما تصبح شيخوخة السكان عبئاً على الشباب

لا يمكن فهم هذه الموجة دون النظر إلى البنية الاقتصادية العميقة لأوروبا. فالقارة تواجه شيخوخة سكانية متسارعة، وارتفاعاً في تكاليف أنظمة التقاعد والرعاية الصحية، وديوناً عامة ضخمة، فكل هذه الدول لديها أنظمة تقاعد مكلفة وديون عامة مرتفعة نسبياً، والنتيجة أن الشباب يشعرون بأنهم يتحملون عبء جيل أكبر سناً، بينما تُوجَّه ميزانيات ضخمة نحو الإنفاق العسكري وإعادة التسلح، بدلاً من الاستثمار في مستقبلهم.

ففي فرنسا، على سبيل المثال، يمتلك من هم فوق 60 عاماً (ربع السكان) نحو 60% من الثروة، بينما يصل معدل بطالة الشباب (15-24 عاماً) إلى 21%، وهو من أعلى المعدلات في أوروبا، وهذا التناقض بين ثروة كبار السن وعجز الشباب عن تأمين مسكن أو وظيفة لائقة هو الوقود الحقيقي للغضب. وفي إيطاليا، تتجاوز نسبة التضخم متوسط منطقة الأورو، بينما تتراجع الأجور، مما دفع الاحتجاجات في ميلانو وتورينو إلى أعمال عنف واشتباكات مع الشرطة. أما في إسبانيا والبرتغال، فالقضية المركزية هي أزمة الإسكان وارتفاع الإيجارات بشكل جنوني، إلى جانب رفض "السياحة المفرطة" التي ترفع تكاليف المعيشة على السكان المحليين.

أما سياسيا، فتظهر المؤشرات الأولى أن الاحتجاجات بدأت تنتج تغييراً، ففي صربيا، أسفرت احتجاجات طلابية استمرت نحو عامين عن إسقاط الرئيس السابق ألكسندر فوتشيتش في الانتخابات، وهو تحول ينظر إليه كدليل على أن الغضب الشبابي قادر على إحداث اختراق سياسي حقيقي.

لكن في دول مثل فرنسا وألمانيا، لا تزال الاستجابة الحكومية تتراوح بين القمع الأمني والوعود المحدودة، فقد نشرت فرنسا قوات من الجيش (عملية سانتينال لمكافحة الإرهاب) لتعزيز الأمن، بينما أعلنت الحكومة عن حزمة إنفاق بقيمة 4 مليارات أورو لتجديد المدارس، لكن الطلاب يرونها غير كافية ويتمسكون بمطالبهم. وفي ألمانيا، تحاول الحكومة احتواء الغضب عبر الحوار، لكن دون تقديم حلول جذرية لأزمة نقص المعلمين أو أزمة الإسكان.

لكن الخطر الأكبر على المؤسسات الأوروبية هو أن يؤدي هذا الغضب إلى تعزيز صعود اليمين المتطرف، فبعض التحليلات تشير إلى أن أعمال العنف التي تقوم بها مجموعات "البلوك الأسود" تستخدم كذريعة لليمين المتطرف لتشديد خطابه الأمني والقومي، وربط الاحتجاجات بالفوضى وانعدام الأمن. وفي الوقت نفسه، فإن فشل الأحزاب التقليدية (الوسط واليسار) في معالجة الأسباب الجذرية للأزمة يفتح الباب أمام خطاب شعبوي يستقطب الشباب المحبط.

اقرأ النسخة الكاملة