يعرف جورج خبّاز طريقه إلى قلوب اللبنانيين جيداً. ضحكنا معه، بكينا معه، وأحسسنا معه بكلّ المشاعر، ما بين الدمعة والضحكة. وكثيراً ما ترك فينا شخصيات واصلت العيش بعد إغلاق الستارة.  هكذا، وعلى مرّ السنوات، نسج مع جمهوره علاقة يصعب اختصارها بنجاح مسرحية أو فيلم. علاقة صنعتها التفاصيل الصغيرة، والوجوه المألوفة، والقدرة على تحويل أوجاع الناس وأفراحهم إلى فنّ يشعرون بأنّه يشبههم.

هذه المرّة، كان على جورج أن يتلقّى شيئاً مما اعتاد أن يمنحه. بعد مسيرة حافلة بالنجاحات والتكريمات خارج لبنان، جاء دور بلده ليحتفي به، ويعيد إليه ولو جزءاً صغيراً من المحبّة التي أغدقها على جمهوره. وفي كازينو لبنان، حيث افتُتحت الدورة العشرون من "مهرجان بيروت الدولي للأفلام القصيرة"، اجتمع رفاقه وزملاؤه للاحتفاء بالفنان والإنسان. 

ليلة لجورج خبّاز... وعشرون عاماً من السينما

افتتح "مجتمع بيروت السينمائي" (Beirut Film Society)، مساء الأحد أول تشرين الثاني/نوفمبر 2026، الدورة العشرين من "مهرجان بيروت الدولي للأفلام القصيرة" (Beirut Shorts International Film Festival)، في حفل تكريمي لجورج خبّاز، أُقيم برعاية وزيرة السياحة لورا الخازن لحود، وتولّت تقديمه الممثلة ميا سعيد.

 

لحظة تكريم جورج خبّاز بين سام لحود ونيكولا خباز وسط تصفيق الحاضرين في صالة السفراء بكازينو لبنان. (النهار)
لحظة تكريم جورج خبّاز بين سام لحود ونيكولا خباز وسط تصفيق الحاضرين في صالة السفراء بكازينو لبنان. (النهار)

 

شهد الحفل حضور شخصيات فنية وسينمائية وثقافية وإعلامية، إلى جانب عدد من طلاب السينما والمسرح، وأصدقاء الفنان وزملائه الذين رافقوه في مراحل مختلفة من مسيرته.

جاء اختيار خبّاز تقديراً لتجربة فنية تنقّل خلالها بين الكتابة والتمثيل والإخراج والموسيقى، وصنع من خلالها عالماً خاصاً، يعرف كيف يلتقط التفاصيل الصغيرة في حياة الناس، ويمنحها بعداً إنسانياً تتجاور فيه الكوميديا مع الوجع.

ومن المسرح الذي شكّل محطته الأبرز مدى سنوات، إلى السينما اللبنانية والعالمية، واصل تطوير تجربته، وصولاً إلى مشاركته في أعمال دولية، منها "يونان" للمخرج أمير فخر الدين، والفيلم الكندي "Mille secrets mille dangers" للمخرج فيليب فالاردو.

 

سام لحود لـ"النهار": تكريم تأخّر سنوات

لم يكن تكريم جورج خبّاز في الدورة العشرين قراراً طارئاً، فقد كشف مؤسّس "مجتمع بيروت السينمائي" ورئيسه ومدير المهرجان، سام لحود، في حديث خاص إلى "النهار"، أنّ فكرة الاحتفاء بالفنان كانت مطروحة منذ سنوات، غير أنّ الظروف الصعبة التي مرّ بها لبنان حالت دون تحقيقها في أكثر من مناسبة.

لكن مع حلول الدورة العشرين، أصرّ القائمون على المهرجان على أن يكون خبّاز ضيف التكريم في هذه المناسبة اليوبيلية، تعبيراً عن امتنانهم لكل ما قدّمه للمسرح والسينما اللبنانيين، ولما تركه من أثر في الأجيال الشابة.

 

جورج خبّاز خلال أمسية الاحتفاء بمسيرته الفنية في افتتاح مهرجان بيروت الدولي للأفلام القصيرة. (النهار)

 

وتوقّف عند المكانة التي استطاع خبّاز أن يحققها خارج لبنان، مشيداً بفنان حمل تجربته اللبنانية إلى مستوى عالمي، وتمسّك بما وصفهما بـ"السينما المسؤولة" و"المسرح المسؤول"، من خلال أعمال تتناول الإنسان وقضاياه بعمق وحساسية.

 

جورج خبّاز لـ"النهار": أنا بين أهلي وناسي ورفقاتي

أما جورج خبّاز، فلم يُخفِ سعادته بالتكريم، الذي حمل بالنسبة إليه قيمة خاصة، لكونه جاء من الوسط الفني والسينمائي الذي ينتمي إليه، وفي حضور عدد كبير من أصدقائه وزملائه وأساتذته.
وفي حديث خاص إلى "النهار"، قال: "هودي رفقاتي وزملائي"، مضيفاً: "أنا سعيد جداً بهذا التكريم، خصوصاً أنه آتٍ من مجتمع بيروت السينمائي".
وشكر القائمين على المهرجان وكازينو لبنان، والذي وصفه بالصرح الثقافي، مستعيداً النجاح الذي حقّقته مسرحيته "خيال صحرا" على خشبته.
وعاد في حديثه إلى خصوصية وجوده بين الأشخاص الذين شاركوه سنوات العمل، مؤكداً سعادته بالتكريم لأنه يأتي "بين أهلي وناسي ورفقاتي وزملائي وأساتذتي حتى".
وعلى رغم الاحتفاء بما أنجزه، بقيت المشاريع المقبلة حاضرة في حديث خبّاز، إذ عبّر عن رغبته في مواصلة العمل، وإنجاز مزيد من الأفلام التي تمثّل لبنان في المحافل السينمائية الدولية.

 

جورج خبّاز بعيون الآخرين... شهادات من رفاق الدرب

من المحطات اللافتة في الأمسية، عرض فيلم وثائقي عن مسيرة جورج خبّاز، تخلّلته شهادات ممثلين ومخرجين وكتّاب وشخصيات فنية وثقافية عرفته عن قرب، وواكبت تجاربه المختلفة.
توالت الشهادات أمام الحاضرين، مستعيدة جوانب من شخصيته وعلاقاته المهنية والإنسانية، وكاشفة بعضاً مما لا يراه الجمهور عادة خلف الأعمال المسرحية والسينمائية.
فالفنان الذي يعرفه الناس من خلال شخصياته، ظهر هذه المرة في ذاكرة الذين شاركوه صناعة تلك الشخصيات، ورافقوه في مراحل النجاح والتعب والتحضير.
وأضفت هذه الشهادات على الأمسية دفئاً خاصاً، بعدما اجتمعت أصوات من أجيال وتجارب مختلفة لتروي حكاية فنان واحد، كلّ من زاويته وذكرياته.
ومن المنتظر أن يُعرض الفيلم لاحقاً بنسخته المطوّلة في صالات السينما، ليتيح للجمهور التعرّف إلى مزيد من محطات مسيرة خبّاز، وإلى شهادات شخصيات فنية وثقافية رافقته وعملت معه.

 

 

شارع يحمل اسم "جورج خباز" في البترون

وحملت الأمسية مفاجأة خاصة لجورج خبّاز، حين أعلن رئيس بلدية البترون مارسيلينو الحرك إطلاق اسمه على أحد شوارع الأسواق القديمة في المدينة، تقديراً لمسيرته ومساهماته في الفن اللبناني.
ولم يكن اختيار الشارع مصادفة، فهو المكان الذي شهد تصوير مشاهد من فيلم "غدي"، الذي كتب خبّاز قصته والسيناريو وأدّى بطولته، تحت إدارة المخرج أمين درّة.

وبدا التأثّر واضحاً على خبّاز عند إعلان المبادرة، قبل أن يستعيد في كلمته العلنية فضل والديه، اللذين كانا حاضرين في الأمسية.
تحدّث عن المحبة التي منحاه إياها، وعن دعمهما له من دون شروط، والحرية التي تركاها له ليختار طريقه. وأرجع جانباً كبيراً مما وصل إليه إلى تربيتهما وإيمانهما به.

 

 

 

"مهرجان بيروت الدولي للأفلام القصيرة"... عشرون دورة ومساحة للسينما الشابة

وشكّلت الأمسية أيضاً احتفالاً بمرور عشرين دورة على انطلاق "مهرجان بيروت الدولي للأفلام القصيرة"، الذي ينظّمه "مجتمع بيروت السينمائي" بإدارة مؤسّسه سام لحود، وبمشاركة نيكولا خبّاز، المؤسّس ومدير البرنامج والشؤون الفنية.

وعلى امتداد دوراته، عمل المهرجان على توفير مساحة لصنّاع الأفلام القصيرة اللبنانيين والدوليين، ولاسيما منهم  المواهب الشابة، لعرض أعمالهم والتواصل مع جمهور السينما والعاملين في هذا القطاع.

اكتسب المهرجان حضوراً دولياً إضافياً بعد حصوله على صفة المهرجان المؤهِّل لجوائز الأوسكار، ما يمنح الأفلام الفائزة في الفئات المعتمدة، والمستوفية للشروط، فرصة دخول مسار التأهّل إلى الجوائز الأميركية.

تتواصل فعاليات الدورة العشرين حتى السادس من تشرين الثاني/نوفمبر في "سينما متروبوليس" مار مخايل، مع برنامج يشمل المسابقة الرسمية، ومسابقة مخصّصة لأفلام تتناول الأرض والسلام والعدالة، إلى جانب مسابقات للمواهب الصاعدة، وأعمال تستكشف إمكانات الابتكار والذكاء الاصطناعي في السينما.

 

حين تفيض المحبّة عن حدود التكريم

كان في تلك الليلة دفق استثنائي من المحبّة، يصعب اختصاره بالتصفيق أو بالكلمات التي قيلت على المسرح. محبّة ظهرت في عيون الحاضرين، وفي شهادات رفاق الدرب، وفي دموع جورج خبّاز نفسه. وكأنّ سنوات طويلة من الفرح والتأثّر والحكايات التي تقاسمها مع اللبنانيين اجتمعت في أمسية واحدة، لتعيد إليه شيئاً مما أعطاهم إياه.

فثمّة فنانون نحتفظ بأعمالهم في ذاكرتنا، وآخرون يحتفظون هم بمكان في قلوبنا. وجورج خبّاز استطاع، على امتداد مسيرته، أن يجمع الاثنين.

جورج خبّاز... مستحقّ، وبجدارة، لكلّ هذه المحبّة.