لم تعد الجرائم التي يُشتبه في تورّط أشخاص من الجنسية السورية فيها حوادث متفرقة يمكن التعامل معها باعتبارها ملفات جنائية معزولة، بل بات تكرارها في أكثر من منطقة يفرض نقاشاً جدياً حول الواقع الأمني في لبنان، وقدرة الأجهزة على ضبط أعداد النازحين والمقيمين السوريين، في ظل وجود أعداد كبيرة منهم خارج الأطر القانونية والإدارية الواضحة. وجاءت جريمة قتل الكاهن سمير ضو، وما رافقها من ملاحقة المشتبه فيه الذي كان يعمل لديه، لتعيد هذا الملف إلى الواجهة، وتطرح مجدداً أسئلة عن المخاطر الناتجة من غياب الضبط الأمني والإداري.
فجريمة الكاهن ليست الأولى من نوعها، ولا يمكن فصلها عن سلسلة حوادث شهدتها مناطق لبنانية مختلفة، وتنوّعت بين القتل والسرقة والسلب والاعتداءات الجنسية والخطف. ولعل جريمة قتل باسكال سليمان تبقى من أبرز المحطات التي كشفت خطورة بعض العصابات التي تنشط بين لبنان وسوريا، بعدما أظهرت التحقيقات تورّط مجموعة سورية في خطفه وقتله أثناء محاولة سرقة سيارته، قبل نقل جثمانه إلى الأراضي السورية.
ولا تقتصر المسألة على الجرائم التي تستهدف شخصيات معروفة أو تحظى باهتمام إعلامي واسع، إذ شهدت مناطق عدة حوادث سلب وسرقة واقتحام منازل واعتداءات على الأشخاص والممتلكات، فضلاً عن ملفات تتصل بمطلوبين للقضاء السوري وجدوا في لبنان ملاذاً لهم. كما أُعلن في أكثر من مناسبة عن توقيف سوريين في قضايا قتل واغتصاب وسرقة، بما يعكس حجم التحديات التي تواجه الأجهزة الأمنية في ملاحقة هذه الجرائم ومنع تكرارها.
هذه الوقائع، على اختلاف ظروفها ومساراتها القضائية، تفرض على الدولة التعامل مع المسألة باعتبارها تحدياً أمنياً يتطلب متابعة يومية، لا إجراءات ظرفية تتحرك بعد وقوع الجريمة. فلبنان، الذي يواجه أزمات اقتصادية ومالية واجتماعية وأمنية متراكمة، لا يمتلك ترف ترك ملف بهذا الحجم من دون معالجة واضحة، ولا تستطيع أجهزته الأمنية تحمّل أعباء إضافية في ظل محدودية إمكاناتها وصعوبة ضبط تجمعات سكانية كبيرة والتحقق من أوضاع جميع المقيمين فيها.
العودة المنظمة لم تعد تحتمل التأجيل
من هنا، تعود قضية النزوح السوري إلى صلب النقاش، ليس من زاوية سياسية أو شعبوية، بل من بوابة الأمن والسيادة وقدرة الدولة على فرض القانون. فوجود أعداد كبيرة من السوريين خارج الأطر القانونية، وعدم امتلاك السلطات قاعدة بيانات دقيقة ومحدّثة عن أماكن وجودهم وأوضاعهم، يفتحان المجال أمام استغلال هذا الواقع من عصابات وأفراد مطلوبين، ويزيدان تعقيد مهمة الأجهزة الأمنية.
وفي موازاة ذلك، فإن التغيرات التي شهدتها سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد تفرض إعادة تقييم سياسة التعامل مع النزوح، والعمل على توسيع العودة المنظمة، بالتنسيق بين الحكومتين اللبنانية والسورية والجهات الدولية المعنية. ولا يعني ذلك افتراض أن الظروف الأمنية والمعيشية أصبحت مستقرة في جميع المناطق السورية، بل اعتماد تقييم واقعي لكل منطقة وإزالة العوائق أمام عودة من يستطيعون العودة بأمان.
المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بتوقيف مرتكب جريمة أو تفكيك عصابة، بل الانتقال إلى خطة متكاملة تشمل التدقيق في الإقامات والهويات، وملاحقة المطلوبين، وضبط الحدود، وتشديد الرقابة على التجمعات غير النظامية، وتسريع عودة من انتفت أسباب بقائهم في لبنان وفق آليات قانونية واضحة. كما أن التنسيق الأمني والقضائي مع السلطات السورية بات ضرورة لملاحقة المتورطين في الجرائم العابرة للحدود ومنع استخدام لبنان ملاذاً للمطلوبين.
إن تكرار الجرائم يعيد طرح سؤال أساسي حول قدرة الدولة على حماية مواطنيها والمقيمين على أرضها، ويجعل معالجة ملف النزوح جزءاً لا يتجزأ من استعادة الأمن والنظام العام. فلا يمكن للبنان أن يبقى في حالة إدارة مؤقتة لهذا الملف، فيما تتراكم أعباؤه الأمنية والاجتماعية. والمطلوب الانتقال إلى سياسة عودة منظمة وفاعلة، بالتوازي مع ضبط كل المقيمين وملاحقة المطلوبين، من دون تحميل جماعة بأكملها مسؤولية جرائم يرتكبها أفراد. فالمسؤولية الأولى تقع على الدولة في فرض القانون، وحماية المجتمع، ومنع تحوّل الثغرات الأمنية والإدارية إلى تهديد دائم.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر