القصر
العالم العربي

جرائم الاستعمار في الجزائر.. صحفية فرنسية تعيد فتح ملفات ظلت طي الكتمان

محرر العالم العربي 4 3 دقائق قراءة

أعادت الكاتبة والصحفية الفرنسية فلورنس بوجي فتح ملفات مظلمة من تاريخ الاستعمار الفرنسي في الجزائر، كاشفة تفاصيل مسكوتا عنها بشأن جرائم التعذيب والاغتصاب والاختفاء القسري التي ارتكبها الجيش الفرنسي خلال حرب التحرير، ومشددة على ضرورة مواجهة فرنسا لماضيها والاعتراف بجرائمه.

وفي حوار خصّت به صحيفة “المساء”، على هامش فعاليات معرض الجزائر الدولي للكتاب، سلطت بوجي الضوء على جرائم التعذيب والاغتصاب والاختفاء القسري التي طالت الجزائريين خلال فترة الاحتلال، معتبرة أن هذه الملفات ظلت لسنوات طويلة من المحرمات التي لم تحظ بالاهتمام الكافي، سواء في الجزائر أو فرنسا.

وكشفت الصحفية الفرنسية أن كتابها “الجزائر: حرب بلا مجد”، الذي صدر لأول مرة عام 2005، تناول جانبا من هذه الجرائم، موضحة أن إعادة نشره في فرنسا عام 2025، ثم إصدار طبعة موسعة ومحدثة منه عام 2026 عن دار “البرزخ” في الجزائر، جاءا في ظل استمرار التوتر وسوء الفهم في العلاقات بين البلدين، وبروز اهتمام متجدد بمسألة الذاكرة الاستعمارية.

ومن أبرز القضايا التي توقفت عندها بوجي، ظاهرة الاغتصاب خلال حرب التحرير، مؤكدة أنها لم تقتصر على النساء، بل شملت الرجال أيضا، بل إن هذه الممارسات كانت، بحسب ما توصلت إليه أبحاثها، أوسع نطاقا وأكثر هولا مما جرى الكشف عنه، مشيرة إلى أن الموضوع ظل محاطا بالصمت بسبب فظاعة الجرائم وثقل الصدمة المرتبطة بها.

وفي حديثها عن تبعات تلك الممارسات، اعتبرت المتحدثة أن المجتمع الجزائري لا يزال يحمل جراحا عميقة خلفها الاستعمار الفرنسي، خصوصا ما تعلق بالاختفاء القسري والاغتصاب، موضحة أن صدمة العائلات التي حُرمت من معرفة مصير أبنائها وحقها في الحداد، إلى جانب آثار الاعتداءات الجنسية، انتقلت من جيل إلى آخر.

في ذات السياق، شددت بوجي على أن الجزائريين لم يطالبوا فرنسا يوما بالاعتذار أو بما وصفته بعض الأوساط الفرنسية بـ”التوبة”، وإنما يطالبونها بمواجهة ماضيها بشجاعة والاعتراف بما حدث فعليا، منتقدة محاولات التقليل من حجم المأساة والترويج لفكرة طي الصفحة دون معالجة حقيقة ما جرى.

وقالت في هذا الصدد إنه “لا يمكن طي صفحة التاريخ قبل كتابته وقراءته بوعي”، معتبرة أن الاعتراف بالحقيقة التاريخية يمثل خطوة أساسية لفهم الذاكرة المشتركة وتجاوز الخلافات التي لا تزال تلقي بظلالها على العلاقات الجزائرية الفرنسية.

كما حذرت الصحفية السابقة بصحيفة “لوموند” من المبالغة في التعويل على الأرشيف الرسمي لكشف جميع تفاصيل الجرائم الاستعمارية، موضحة أن بعض أكثر الملفات إيلاما، وفي مقدمتها الاختفاء القسري والاغتصاب، لا تترك بالضرورة آثارا واضحة في الوثائق الرسمية، ما يجعل الشهادات الشفهية واليوميات الشخصية للجنود الفرنسيين القدامى مصادر أساسية لإعادة بناء الوقائع التاريخية.

ولم يغب عن الحوار استمرار حضور الجزائر في النقاش السياسي الفرنسي، حيث ربطت بوجي ذلك بثقل الذاكرة الاستعمارية وتشابك الروابط التاريخية والإنسانية بين البلدين، مشيرة إلى أن ملايين الفرنسيين يرتبطون بالجزائر بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء من خلال أصولهم العائلية أو مشاركتهم في حرب التحرير أو تداعياتها.

ودعت إلى مواصلة تدريس تاريخ الاستعمار الفرنسي وحرب الجزائر في المدارس الفرنسية، معتبرة أن الأجيال الجديدة بحاجة إلى الاطلاع على الحقائق التاريخية بعيدا عن الإنكار أو المساواة بين جيش الاحتلال والثوار الجزائريين.

وأقرت بوجي بأن فرنسا كانت قوة احتلال واجهت ثوارا جزائريين لم يكن أمامهم، في ظل ظروف تلك المرحلة، سوى حمل السلاح لإسماع صوتهم، رافضة وضع الطرفين في كفة واحدة، ومؤكدة أن مواجهة الماضي تقتضي الاعتراف بطبيعة الاستعمار وما خلفه من مآسٍ وجرائم.

اقرأ النسخة الكاملة