جدل ومخاوف في سوريا إثر تقييد قبول النساء بتخصصات جامعية
أحدثت التغييرات الأخيرة في قواعد القبول الجامعي في سوريا انتكاسة لخطط لين نجاب. وتعد الشابة البالغة من العمر 23 عامًا، والمنحدرة من دمشق، واحدة من قلة من النساء اللواتي يدرسن هندسة الميكاترونكس في كليتها.
وقالت نجاب لـDW: "كانت خطتي الأصلية هي مواصلة دراسة الماجستير". لكن وزارة التعليم السورية أعلنت في وقت سابق من شهر أكتوبر/ تشرين الأول قواعد جديدة تخص جامعتين حديثتي التأسيس، هما الجامعة الوطنية لعلوم الدفاع والجامعة السورية للعلوم الأمنية. وبموجب هذه القواعد، أصبحت بعض التخصصات في الجامعة الأولى مقتصرة حصريًا على الطلاب الذكور، بينما تقتصر غالبية التخصصات في الجامعة الثانية عليهم أيضًا.
وقد تُعرقل هذه السياسات الجديدة خطط نجاب المستقبلية. وأوضحت قائلة: "علي الآن أن أبدأ التفكير في خيارات أخرى. فقد أضطر مثلاً إلى الانتقال إلى محافظة أخرى من أجل الدراسة".
ولا يزال بإمكان النساء السوريات دراسة التخصصات التي تطرحها المؤسستان الأمنيتان الجديدتان، لكن ذلك لا يتاح إلا في جامعات أو كليات أخرى ذات طابع أكاديمي عام. وترى نجاب أن الانتقال إلى محافظة أخرى، بعيدًا عن الأسرة، يفرض تحديات إضافية. فالإقامة في السكن الطلابي ليست خيارا مريحا للجميع، كما أن سكن المرأة بمفردها لا يزال يواجه نظرة سلبية في الأوساط المحافظة بالمجتمع السوري.
وقالت: "حتى إذا قررت فتاة ألا تستسلم وأرادت الدراسة خارج محافظتها، فإن والديها سيعارضان الفكرة، إما لواع أمنية أو لأننا ببساطة لا نرغب في أن تذهب بناتنا للدراسة في مكان آخر".
حظر مثير للجدل
أثار قرار حظر النساء من الالتحاق ببعض التخصصات في الكليتين الجديدتين المرتبطتين بالدفاع والأمن جدلًا واسعًا داخل سوريا وخارجها. وقالت لين نجاب: "الجنس لا يحدد الكفاءة. ينبغي أن يكون التفوق الأكاديمي هو المعيار. هذا ما أسعى إلى تحقيقه. سوريا بحاجة إلى تعليم أفضل وخريجين أكفاء، لذا يجب أن تمنح الفرص للأكثر قدرة بغض النظر عن جنسهم".
كما تعارض الناشطة فتون خربطلي من حلب فكرة قصر بعض التخصصات على جنس واحد. وقالت لـDW: "يجب أن يختار كل شخص المجال الذي يرى أن قدراته تتناسب معه. لقد عشنا تحت القمع لمدة ستين عامًا، ولذلك ينبغي أن نصبح اليوم أمة تواكب التطورات العالمية، من دون التخلي عن قيم الاحترام أو المبادئ الأساسية لديننا".
في المقابل، ترى قمر الياسر، وهي أم لثلاثة أطفال تعيش في ريف دمشق، أن هذه القيود على بعض التخصصات مبرر. وقالت الياسر إن المجالات التي استُبعدت النساء منها "تتطلب بنية جسدية قوية، وجهدًا كبيرًا، وتنقلًا مستمرًا، وتنظيمًا للعمل في الميدان، وقد تستلزم المبيت في مواقع عمل نائية"، مضيفة: "هذه الظروف تناسب الشباب أكثر مما تناسب النساء".
غير أن التمعن في بعض قواعد القبول الجديدة يشير إلى أن الهدف قد لا يكون بالضرورة منع النساء السوريات من دراسة تخصصات بعينها، بقدر ما هو إبعادهن عن الخدمة العسكرية. فالدراسة في الجامعة الوطنية لعلوم الدفاع تشترط على الطلاب الالتحاق بالجيش السوري، كما يلتزم خريجو الجامعة السورية للعلوم الأمنية بالخدمة في قوى الأمن الداخلي لمدة قد تصل إلى عشرين عامًا.
مَبعثٌ للقلق؟
هل يعني هذا أن الحكومة السورية الجديدة تسير في اتجاه أكثر تقييدًا فيما يتعلق بحقوق المرأة؟
ترى منظمة هيومن رايتس ووتش أن الأمر كذلك. فبعد أيام قليلة من إعلان القبول، أصدرت المنظمة بياناً تنتقد فيه هذا الإجراء. وقالت المنظمة: "تنتهك القواعد التمييزية بوضوح الالتزامات القانونية الدولية لسوريا، وتشكل جزءاً من نمط مقلق من الإجراءات التي تتخذها السلطات الانتقالية والتي تقيد دور المرأة في مؤسسات الدولة وتعزز الصور النمطية الجنسانية".
وإلى جانب حظر الالتحاق بالكليات العسكرية، كانت هناك جوانب أخرى، ربما أكثر إثارة للقلق، في قواعد القبول الجديدة. كما فُرضت قيود على الطالبات في معهد السكك الحديدية في حلب، ومؤسسات تدريب النفط والغاز في رميلان وحمص ودير الزور وبنياس، ودورة الإذاعة والتلفزيون في إدلب. وفي أماكن أخرى، مُنع الرجال من الالتحاق بمرحلة رياض الأطفال ومدارس التمريض ودورات القبالة. فقد كان من المقرر أن تكون هذه البرامج مخصصة للنساء فقط.
ويأتي كل هذا بالإضافة إلى عدد من القيود الأخرى المثيرة للقلق والتصريحات المقلقة الصادرة عن المسؤولين. وكان أحدث واقعة في قطاع التعليم تتعلق بتعديل الحكومة للكتب المدرسية للعام الدراسي 2026-2027.
وكانت وزارة التعليم قد أعلنت سابقاً أنها ستزيل الصور والرموز المرتبطة بالنظام الاستبدادي السابق، الذي كان يرأسه الدكتاتور بشار الأسد. لكن الصحفيين لاحظوا هذا الأسبوع تغييرات أخرى: فقد أُزيلت صور النساء اللواتي ظهرن بشعر مكشوف في الكتب المدرسية، أو تم تعديلها بحيث أصبحن يرتدين الحجاب. وأصبح التمثال ذو الصدر العاري الذي ظهر في أحد الكتب المدرسية يرتدي سترة. كما أُزيلت صورة لرجال يرقصون.
مواقف شائعة تجاه النساء في المؤسسة العسكرية
وقال مسؤولون إن بعض القواعد التي تستبعد النساء من بعض التخصصات في المؤسستين الأمنيتين الجديدتين ليست جديدة بالكامل، بل جرى نقلها من الكليات التي أُنشئت في عهد الرئيس السوري السابق بشار الأسد، والتي دُمجت في وقت سابق من هذا العام لتشكيل المؤسستين الجديدتين.
كما أن الاعتراض على وجود النساء في صفوف الجيش أو في المناصب القيادية العسكرية ليس أمرًا نادرًا في الأوساط المحافظة في الشرق الأوسط. فعلى الرغم من أن العديد من الدول العربية تسمح للنساء بالالتحاق بالكليات العسكرية والخدمة في القوات المسلحة، فإن أدوارهن تقتصر في كثير من الأحيان على مهام غير قتالية أو ذات طابع رمزي، وفقًا لدراسة صدرت عام 2024 عن معهد الشرق الأوسط، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن.
وفي سوريا، ورغم مشاركة النساء تاريخيًا في الأجهزة الأمنية، فإن هذه المشاركة كانت "محدودة وذات طابع رمزي إلى حد كبير"، بحسب ما أكده المركز السوري للدراسات الدفاعية والأمنية في ورقة سياسات نشرها هذا العام.
لكن المدافعين عن حقوق الإنسان يشددون على أن انتشار فكرة معينة على نطاق واسع لا يعني بالضرورة أنها صحيحة أو مبررة.
الصور النمطية الجندرية
ترى دينا العركجي، مؤلفة دراسة معهد الشرق الأوسط، أن "التنوع الجندري في القطاع الأمني يتيح النظر إلى جميع مواطني الدولة على أنهم متساوون في مختلف جوانب واجباتهم والتزاماتهم تجاه الوطن، بما في ذلك الدفاع عنه". وأضافت أن "السماح للنساء بالانضمام إلى القوات المسلحة يمكن أن يسهم في تطوير نظرة المجتمع إلى النساء في الأدوار غير التقليدية المرتبطة بالنوع الاجتماعي".
من جهتها، اعتبرت الناشطة السورية رنا العش، في مقال تناول قرار الحظر ونشرته حركة النساء السياسيات السوريات ومقرها باريس، أن منع النساء من الالتحاق بهذه التخصصات يوجه رسالة إلى الشابات السوريات بشأن ما يُسمح لهن وما لا يُسمح لهن بفعله.
وقالت العش: "عندما تنعكس هذه الرسائل في شروط القبول الجامعي، يصبح التصدي للتوقعات العائلية والمجتمعية أكثر صعوبة، لأن المؤسسة التعليمية نفسها تمنحها شرعية وتكرسها".
أما نضرة البني، وهي محللة سورية في معهد الشرق الأوسط - سويسرا، فترى أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت "القيود القائمة على النوع الاجتماعي ستصبح سمة دائمة في سوريا الجديدة".
إلا أنها أشارت إلى أن الجدل والغضب اللذين أثارهما قرار القبول يطرحان سؤالًا آخر لا يقل أهمية، وهو: "هل ستعمل السلطات السورية الجديدة على ترسيخ مبدأ يتيح للمواطنين التشكيك في القرارات الحكومية والمطالبة بمراجعتها أو التراجع عنها؟" وأضافت في مقال نشره موقع "سوريا في مرحلة انتقالية" (Syria In Transition): "أم أنها ستُعلّم المواطنين أن أصواتهم لا تترك أثرًا يُذكر في صنع القرار؟".
أعده للعربية: صلاح شرارة