جبهاتٌ من نضالنا الثقافي
الفكر العربي مصطلحٌ فضفاض لا يحمل معنى محددا يمكننا تصنيفه به في أي حقل من حقول المعرفة المتداولة. وإذا كان المقصود به هو أطروحات العرب في مجال الفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والتربية وعلم النفس وغيرها فلنسمِّ الأشياء بمسمياتها أحسن. ثم ما خصوصية العرب ليطبعوا المعرفة الموضوعية بطابعهم الخاص؟ العرب كبقية الشعوب أمام العلم، والعلم لا يعرف من قال بل ما قيل. تبقى الخصوصية الحضارية لكل شعب هي من يترك بصمته على المعرفة، خاصة إذا كانت المجالات المعرفية مما يقبل الاختلاف والتعددية كما هي العلوم الإنسانية. ولكن ما هي الخصائص الحضارية للعرب اليوم حقا؟ وماذا كان شأنهم بالأمس؟ فلعلّنا نميز ما ينتج عرب اليوم، ثم نبرر خصوصية ما ينتجون.
كما أنه يمكننا أن نجد الذهب الإبريز الذي نبحث عنه في تاريخ المشرق والمغرب الإسلاميين، حيث كان المتعلم أمام بوابة المعارف الخالدة، يحفظ كتاب الله ثم يتدرج في علوم العربية والمعارف الإسلامية، ثم ينفتح على العلوم الإنسانية والكونية، فيتخرج عالما عارفا، مؤديا حق ربه وأمته ونفسه بتوازن عجيب. وأساطين العلوم تملأ أسماؤها كتب التاريخ، فلنقرأ كيف درجوا على سلم التعليم، فهنالك الطريق الصحيح الذي يغني عن كل طريق.
مشكلة أطاريح الدكتوراه تولد مع الطالب أثناء دراسته الجامعية الجادة، لا مع دراسة جامعية سريعة المشوار وقليلة الفائدة. والدراسات المتخصصة تحتاج إلى باحثين حقيقيين ذوي عقول موهوبة وليس كل من درس في الجامعة يستطيع أن يقدِّم أطروحة. على أن بنك الأبحاث المقترحة على طلاب الدكتوراه والذي يعده كبار المشرفين سيوفر الوقت والجهد على طلاب الدكتوراه، إذا ما كانت الجامعة تتمتع بتقاليد راسخة في المعرفة. وبالمحصلة فإن التعليم الحقيقي ليس ما نُقل إلينا من الجامعات الغربية، هنالك أنماط منتجة من نظم التعليم في تاريخنا الثقافي، لديها من الأساليب البحثية المبتكرة ما يمكن الرجوع إليه والبناء عليه.
لا يمكن لنظام دولة لا يقوم على العلم أن يستوعب في جلبابه علماء سيلحظون عليه في كل مجال عيوبا في التسيير والإنجاز وينتقدون ذلك. وإذا ما هم حاولوا تقويم عمل ما سيصطدمون بصخور البيروقراطية وذهنية المسؤولين غير الأكفاء؛ وهذا ما يفسر لنا عزوف العلماء في الداخل عن المشاركة في الجامعات وتفضيلهم الهرب إلى خارج البلاد، والدكاترة البطالون مثالٌ واحد على ذلك. ومن خلال الأسماء الواردة في تركيبة هذا المجلس يتضح طابعها التخصصي في مجالات العلوم الكونية، أما العلوم الشرعية التي تصوِّب العمل السياسي والتشريعي والقضائي والاقتصادي… والعلوم الإنسانية التي تسدد مسار الحياة الاجتماعية في التربية والتاريخ والإعلام… فلا وجود بارزا لها في هذا المجلس.
ربما يكون من الحكمة تقديم نقد لمؤشر “بيزا” للتفوق في ذاته أولا، من حيث تركيزه على مجالات بعينها من دون أخرى أكثر أهمية مثل المكتسبات السلوكية التي يحتاجها الإنسان في حياته اليومية، والتي تلتصق بكينونته الإنسانية مهما تقدم به العمر. يضاف إلى ذلك نزوع “بيزا” نحو المقايسة بين التلاميذ في أحدث التطورات من دون مراعاة العدالة في توفُّرها لدى الجميع ابتداء. إذن “بيزا” هو جواد عال صُمِّم لبعض الركاب ولا يصلح لغيرهم امتطاؤه.
وإن تنبيه الخبراء إلى ضرورة الاهتمام بكفايات التلاميذ خاصة قدراتهم على النقد البنّاء والمساءلة والتقويم لا تكفي وحدها لإيجاد إنسان متكامل النمو وقادر على الحياة فوق الأرض بسعادة؛ لأن ذلك يتخطى كل هذه المكتسبات على أنواعها إلى قضية هي لب الموضوع كله: من هو الإنسان؟ ومن أوجده؟ ولماذا؟ وما هو المطلوب منه؟ والإجابة الصحيحة عن هذه الأسئلة الوجودية هي التي تُبنى عليها البنية التحتية والفوقية لأنظمة التعليم كافة. وما عدا ذلك، تظل الدهشة متنقلة ومتنوعة ودائمة، حتى يدرك الإنسان الفناء، والمحصلة عود كل جيل على بدء.
ورُبَّ ضارة نافعة، إذ أنه لا يعني التعليم أن تكون في منشأة مدرسية تداوم فيها كأنك في معتقل تتخرج منه بورقة كرتونية. المدرسة الحقيقية هي لما يكون الفضاء الحياتي كله مدرسة، أينما رحت وجدت مدرسة: في المسجد، والبيت، والشارع، والملعب… على حد قول أحدهم حينما زار جامعة كامبريدج واندهش من اتساعها: “جامعة كمبريدج تقع في مدينة كمبريدج؟ أم مدينة كمبريدج تقع في جامعة كمبريدج؟”.
وهذا العدد من المتمدرسين في غزة -اللهم زد وبارك- قد أخذ لقاحا منذ صغره قلما تجود به الأيام، لقاح يحصنه من وباء التطبيع، ويدفعه لإنجاز التحرير. على أن واجب تحصين هذا الجيل يقع على عاتق الشرفاء الذين يحكمون غزة، بأن أفضل طريق للتعليم وأقصره هو التعليم الإسلامي، الذي يعتمد على علوم الوحي ويبني عليها المعارف الأخرى.
فيلم اليهوديين “نازا” عن الحرب الصهيونية في غزة والذي نال جائزة البندقية لهذا العام 2026م، وصفق له الحاضرون تصفيقا حارا لنحو خمس وعشرين دقيقة متواصلة عملٌ توثيقي مفيد من ناحية معينة، لأن من تولى تنبيه الرأي العامّ الغربي به كان واحدا من حلفائه المقربين في دولة الكيان، ما يعدُّ مسمارا من مسامير كثيرة ستُدق في نعش هذا الاحتلال البغيض. ولكن هذا العمل المفيد لقضيتنا الكبرى لا يغنينا عن أعمال أخرى كثيرة نحن أولى الناس بالقيام بها، أعمال تخاطب الشعوب المستضعَفة من ناحية، وتكون مادة موثقة لمن يبحث عن مصادر موثوقة من أحرار الشعوب المستكبرة من ناحية أخرى. والأهم من ذلك كله أن تكون أعمالنا هذه صمام أمان لذاكرة أجيالنا القادمة، التي ستتولى -إن شاء الله- التحرير الكامل لبلاد المسلمين المحتلة، ومعلما خالدا لا يزول، لعزل اليهود المعتدين بين بني البشر، والحذر من شرهم المستطير ما بقي الليل والنهار.
أرجو ألا يكون آخر عهد “الحرّات” بهذه الحياة الدنيا ما يقلنه، لأن التوبة عند الغرغرة لا تُقبل. ولست أدري حقا بمن يطالب بحرية المعتقد واللباس وغيرهما ألا يرفع مطالبه إلى أكثر من هذا، فيطالب بحق العيش على البسيطة مدى الزمن، ويطالب بحقه في اختيار الجنس قبل أن يولد، ويطالب بإبطال ظاهرة الانجذاب بين الذكر والأنثى، ولم لا تسوية جسد المرأة ليخلو من الإثارة والحمل والإرضاع؟ وأظن بأن هذه المطالب معقولة كذلك لمن يستنكر على الجهة التي فرضت الحجاب وغض البصر وفرضت أحكاما أخرى كثيرة تنظم العلاقة بين الرجل والمرأة.
إنه بالنسبة لكل من أسلم أمره لله فإن لهذا الوجود ربا يدبره، وحقٌّ على الإنسانية أن تعبده بالطريقة التي يريدها هو. وما مسألة الحجاب والمعتقد وغيرهما إلا امتثال للأوامر الإلهية لا أكثر، وأن قضية التحرر منها لا تشغل بال من آمن ما دام قد رضي بالإسلام دينا. دين تجتمع عليه الأمة كنظام عامّ لا يستقيم اجتماعها إلا به وإلا انفرط عقدها وتلاشت، وليس وجودها مرتبطا بدولة وسلطة وقانون كما هو الحال في الكيانات البشرية الحديثة؛ لذلك فإن عدم الالتفات إلى هذا الفارق يوقع جمعا غفيرا من الكتّاب والكاتبات في “متلازمة” فكرية يصعب عليهم كثيرا حلُّها.
فيلم اليهوديين “نازا” عن الحرب الصهيونية في غزة والذي نال جائزة البندقية لهذا العام 2026م، وصفق له الحاضرون تصفيقا حارا لنحو خمس وعشرين دقيقة متواصلة عملٌ توثيقي مفيد من ناحية معينة، لأن من تولى تنبيه الرأي العامّ الغربي به كان واحدا من حلفائه المقربين في دولة الكيان، ما يعدُّ مسمارا من مسامير كثيرة ستُدق في نعش هذا الاحتلال البغيض.