د. إبراهيم علايلي - سفير السلامة البيئية  -باحث وخبير بيئي ومستشاردولي معتمد من البورد العالمي الأميركي USA - GTB

 

 

 

لم تنتهِ الحرب عند حدود الأبنية المدمّرة؛ فماذا عن الأضرار التي خلّفتها في تربة الجنوب وغاباته وأراضيه الزراعية؟
لم تعد آثار الحرب في جنوب لبنان تُقاس بحجم الدمار الذي أصاب المنازل والقرى فحسب، بل أيضاً بما خلّفته الاعتداءات من أضرار طاولت الغابات والأراضي الزراعية والتربة والأنظمة البيئية. وبين الركام المتراكم والحرائق التي التهمت مساحات واسعة من الغطاء النباتي، تبرز ضرورة التعامل مع الأضرار البيئية بوصفها جزءاً أساسياً من معركة التعافي وإعادة الإعمار.
وفي تقرير بعنوان "توجيه خطوات التعافي بعد الحرب للنظم البيئية الطبيعية في لبنان"، نشرته وزارة البيئة بالتعاون مع المجلس الوطني للبحوث العلمية في نيسان 2026، جرى توثيق الأضرار البيئية وتحديد أولويات استعادة النظم الطبيعية وحمايتها. ويشير التقرير إلى أن المناطق الجنوبية المتضررة تواجه ضغوطاً بيئية متعددة، لا تقتصر على آثار القصف المباشرة فحسب، بل تشمل أيضاً تدهور الموائل الطبيعية ومخاطر تلوّث التربة والمياه.
15مليون متر مكعّب من الركام
يمثّل الركام أحد أبرز تحديات مرحلة ما بعد الحرب. ووفق وزارة البيئة اللبنانية، يُقدّر حجم الركام الناتج من الدمار في لبنان بنحو 15 مليون متر مكعّب. وأطلقت الوزارة خطة للإدارة المستدامة تستهدف إعادة استخدام 70% من هذه الكميات ضمن الاقتصاد الدائري، فيما يُفترض دمج الكميات المتبقية في مشاريع تأهيل المقالع، بهدف الحد من المخاطر البيئية والصحية.
لكن حجم الركام لا يكفي وحده لتحديد مستوى خطورته؛ إذ تتوقف المخاطر على مكوّناته وطريقة جمعه وفرزه ونقله والتخلّص منه. لذلك، فإن التعامل العشوائي مع الأنقاض أو إعادة استخدامها من دون تقييم مناسب قد يزيد الضغوط على البيئة، فيما تتيح الإدارة السليمة تقليل الأضرار المحتملة والاستفادة من المواد القابلة لإعادة الاستخدام.
الغابات والأراضي الزراعية تحت الضغط
وتكشف بيانات مجلس البحوث عن حجم الأضرار التي طاولت الغطاء النباتي في الجنوب. فقد بلغت المساحات المحروقة نحو 8,556 هكتاراً خلال مدة الحرب بين عامَي 2024 و2026، وفق خريطة أعدّها المركز الوطني للمخاطر الطبيعية والإنذار المبكر التابع للمجلس. وسُجّل احتراق نحو 160 هكتاراً خلال فترة الخروق بين عامَي 2024 و2026، إضافة إلى نحو 1,914 هكتاراً منذ اندلاع الحرب في 2 آذار 2026.
ولا تقتصر التداعيات على فقدان الأشجار والنباتات؛ فتضرّر الغطاء النباتي يضعف قدرة الأرض على مقاومة الانجراف، وقد يفاقم تدهور التربة ويؤثر في الموائل الطبيعية والتنوع البيولوجي. كما يهدّد تضرّر الأراضي الزراعية استمرارية الإنتاج وقدرة المجتمعات الريفية على استعادة نشاطها.
هل يمكن تحديد نسبة التلوث في الجنوب؟
على رغم توثيق الأضرار البيئية، لا تتوافر نسبة مئوية رسمية موحّدة تحدّد مقدار التلوث الذي أصاب جنوب لبنان كاملاً نتيجة الحرب. فقياس التلوث يتطلب فحوصاً ميدانية ومخبرية للتربة والمياه، وتحديد نوع الملوّثات وتركيزاتها وتوزّعها الجغرافي، بدل الاستناد إلى حجم الدمار وحده.
ويكتسب هذا التقييم أهمية إضافية عند التعامل مع مخلفات الذخائر والمواد الخطرة المحتملة، بما فيها الآثار البيئية المرتبطة باستخدام الفوسفور الأبيض. فالأضرار الناجمة عن الحرائق وتدهور الغطاء النباتي تختلف عن التلوث الكيميائي، ولا يمكن الجزم بوجود ملوّث محدّد أو تعميمه على منطقة كاملة من دون نتائج تحليل موثوقة.
إعادة الإعمار تبدأ من حماية الأرض
وتؤكد وزارة البيئة أن التعافي لا يقتصر على إزالة الأنقاض، بل يشمل إدارتها بطريقة آمنة ومستدامة، وحماية الموارد الطبيعية، وإعادة تأهيل النظم البيئية المتضررة. وتبقى الأولوية في جنوب لبنان لتحديد المناطق الأكثر تضرراً، والتحقق من سلامة التربة والمياه، ومنع رمي الركام عشوائياً أو استخدامه قبل تقييمه بيئياً.
فإعادة بناء المنازل والقرى خطوة ضرورية، لكن التعافي الحقيقي يقتضي أيضاً حماية الأرض التي سيعود إليها السكان، حتى لا تتحوّل آثار الحرب المتبقية إلى خطر بيئي طويل الأمد.