توحيد الجيش أم التسوية السياسية؟.. صراع الأولويات يعرقل الحل الشامل بليبيا
تُلقي عشر سنوات من الانقسام السياسي بظلالها الثقيلة على المشهد الليبي، في وقت تتجدد فيه المساعي الدولية عبر مباحثات عسكرية تحتضنها العاصمة الفرنسية باريس لبحث سبل توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة بين شرقي وغربي البلاد.
ورغم تأكيد الخارجية الفرنسية انخراطها في الجهود الدولية الرامية لإنهاء الأزمة، فإن هذه التحركات تأتي على وقع تعثر متكرر للمبادرات المحلية والأممية، كان آخرها المسار السياسي للبعثة الأممية الذي رفضه المجلس الأعلى للدولة؛ مما يضع المشهد أمام تساؤل جوهري عن مدى قدرة الحوارات العسكرية الخارجية على حل صراع مزمن تغلغل في كافة مستويات السلطة، وصولا إلى انقسام المؤسسة القضائية وتصدُّع المنظومتين الأمنية والعسكرية.
أخبار مقترحة
- مباحثات ليبية برعاية فرنسية لبحث توحيد المؤسسة العسكرية
- 08:25رئيس حراك معلمي ليبيا: راتب المعلم 130 دولارا والفجوة مع غيرنا شاسعة فيديو, 08:25
ويرتبط هذا الانسداد السياسي بجملة من الأسباب البنيوية وتضارب الأولويات، وفق تقرير للجزيرة أعده أحمد خليفة. إذ يرى رئيس اللجنة السياسية في المجلس الأعلى للدولة محمد امعزب أن معالجة أزمات المواطن المثقل بتراجع العملة وغلاء المعيشة تقتضي أولا إعادة تشكيل السلطة التنفيذية، وإعادة النظر في المؤسسات السيادية والرقابية وعلى رأسها مؤسسة النفط وديوان المحاسبة.
وفي المقابل، يرجع المحلل السياسي صلاح البكوش استعصاء الحل إلى غياب نخبة واعية، وارتهان القرار السياسي لأطراف تسيطر على السلاح والمال والسلطة، وتتفاوض و"رشاش كل منها على الطاولة".
ويتقاطع حديث البكوش مع طرح الناشط السياسي حازم الرايس الذي أعرب عن اقتناعه بأن تفكيك عقدة التدخلات الأجنبية وتوحيد السلطات من الداخل هو المسار السليم والوحيد لتمهيد الطريق نحو انتخابات شاملة.
بين باريس وواشنطن
وفي خضم هذا التعقيد الداخلي، يبرز تنافس دولي غير معلن بين باريس وواشنطن على إدارة ملف المؤسسة العسكرية في ليبيا، إذ يوضح المحلل السياسي حسام فنيش وجود تباين جوهري بين المسارين. فالتحرك الفرنسي -حسب حديث فنيش للجزيرة- ينحصر في الشق العسكري فقط، رغبة من باريس في استثمار علاقاتها التاريخية بقيادة الجيش في الشرق الليبي، وتأمين مصالحها الإستراتيجية في منطقة الساحل الأفريقي وتحديدا تشاد.
وفي المقابل، تتبنى الولايات المتحدة -بالتنسيق مع تركيا- مقاربة أوسع تقوم على مسارين متوازيين يربطان توحيد الجيش بتسوية أزمة السلطة السياسية والتنفيذية، وهو ما تعكسه اللقاءات المشتركة بين قيادتيْ الأركان في شرقي البلاد وغربيها بمشاركة قيادات عسكرية نافذة من الجانبين.
وأمام هذه التجاذبات، تظل إمكانية التوصل إلى اتفاق حقيقي محكومة -وفق فنيش- بقدرة المباحثات على تجاوز "التوافقات الهشة" بين قوى الأمر الواقع، وما إن كانت ستؤسس لجيش خاضع لسلطة مدنية وذي عقيدة واضحة، أم أنها ستقتصر على ترتيبات شكلية محكومة بحسابات الخارج.
وفي هذا السياق، يستحضر المحلل فنيش التجربة الألمانية التي قدّمت التوحيد السياسي على دمج المؤسسة العسكرية، متسائلا عن مدى حاجة الجيش الليبي لإعادة تأسيس وتأهيل تحمي المصلحة الوطنية، في وقت يشير فيه تقرير الجزيرة إلى غياب أي ضمانات تمنع تغول أي طرف سياسي أو عسكري على آخر.
وتعاني المؤسسة العسكرية الليبية انقساما بين قوات في شرقي البلاد بقيادة خليفة حفتر، وأخرى في الغرب تابعة لحكومة الوحدة الوطنية المعترف بها من الأمم المتحدة.
وتجري جهود لتوحيد المؤسسة العسكرية برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، من خلال اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) التي تضم خمسة ممثلين عسكريين عن شرقي البلاد وغربيها. وتقود بعثة الأمم المتحدة جهودا متعثرة لإنهاء الانقسام السياسي وإجراء انتخابات طال انتظارها، بهدف تجديد شرعية المؤسسات وتوحيدها.