تعديلات تشريعية جديدة تشدد شروط ممارسة التعشير الجمركي في المغرب
يتجه المغرب إلى تشديد شروط ممارسة مهنة التعشير الجمركي، من خلال تعديلات تشريعية جديدة تضمنها مشروع قانون المالية لسنة 2027، تقضي بإلزام المعشرين المعتمدين بالتقيد بدفتر تحملات تعده إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، في خطوة تستهدف توحيد الممارسات المهنية وتعزيز مراقبة عمليات التخليص الجمركي، وضبط تدبير الوثائق والمعطيات المرتبطة بالواردات والصادرات، مع إخضاع المهنيين الحاليين والجدد لمتطلبات تنظيمية موحدة.
وكشفت مقتضيات المادة الثالثة من مشروع قانون المالية رقم 60.26 عن تعديل الفصل 68 مكرر مرة واحدة من مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة، بإلزام طالبي رخص التعشير الجمركي بالتقيد ببنود دفتر تحملات تضعه الإدارة، وإرفاق طلبات الاعتماد بالوثيقة المذكورة، إلى جانب مستندات أخرى تحدد المصالح الجمركية لائحتها، بما يجعل الالتزام بالشروط التنظيمية الجديدة جزءا أساسيا من مسطرة الترخيص بممارسة المهنة.
وأظهرت المعطيات المرتبطة بالإصلاح المرتقب أن دفتر التحملات يرتقب أن يشمل جوانب تتعلق بتنظيم مكاتب التعشير وتأهيل مواردها البشرية، وحفظ الوثائق والبيانات، وتأمين الولوج إلى الأنظمة المعلوماتية الجمركية، وضمان إمكانية تتبع العمليات المنجزة، إلى جانب ضبط الالتزامات المهنية والأخلاقية، في سياق توجه نحو تقليص الاختلافات في تفسير القواعد المعمول بها، خصوصا أثناء عمليات المراقبة والافتحاص التي تجريها الإدارة لدى المهنيين.
وأفادت المقتضيات ذاتها بأن التعديلات الجديدة ستشمل المعشرين المقبولين قبل فاتح يناير 2027، مع منحهم مهلة انتقالية مدتها 12 شهرا، تحتسب، وفق الصياغة الواردة في المشروع، ابتداء من تاريخ نشر دفتر التحملات، من أجل إيداع الوثيقة لدى إدارة الجمارك، فيما سيصبح التقيد بالمتطلبات الجديدة شرطا بالنسبة إلى طالبي الاعتماد بعد دخول الأحكام التشريعية حيز التنفيذ، في انتظار استكمال المشاورات المهنية بشأن التفاصيل العملية للدفتر المرتقب.
وجاءت هذه المستجدات في سياق توجه إدارة الجمارك نحو تعزيز تأطير المهن والخدمات المرتبطة بالتجارة الخارجية، من خلال توحيد المساطر وتحسين شروط الامتثال والرقابة، بعدما شملت مقاربة مماثلة مستغلي مخازن وساحات الاستخلاص الجمركي، الذين خضع نشاطهم لتأطير تدريجي بواسطة دفتر تحملات، جرى التنصيص عليه تشريعيا خلال سنة 2014، قبل تفصيل بعض مقتضياته بموجب دوريات إدارية لاحقة.
وأشارت المعطيات المتاحة بشأن المشاورات الأولية بين إدارة الجمارك وممثلي المعشرين إلى أن الإصلاح لا يستهدف تغيير المبادئ الأساسية المنظمة لمهنة التعشير، بقدر ما يرمي إلى توضيح الجوانب التي تثير تفسيرات متباينة عند تطبيق النصوص القانونية والتنظيمية، خاصة خلال عمليات التفتيش ومراجعة الملفات المهنية، بما يسمح بتوحيد مرجعيات المراقبة وتحديد الالتزامات بصورة أكثر دقة.
الأرشفة والأنظمة
تركزت أبرز التعديلات التنظيمية المطروحة للنقاش حول توحيد شروط حفظ الأرشيف المهني وتدبير الوثائق المرتبطة بعمليات التعشير، بما يشمل تحديد أماكن الاحتفاظ بالمستندات، وضبط شروط إسناد خدمات الأرشفة إلى جهات خارجية، وتوضيح مسؤوليات مكاتب التعشير بشأن سلامة المعطيات وإمكانية الرجوع إليها أثناء عمليات المراقبة والتدقيق.
واكتست هذه الإجراءات أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الوثائق التي يتعامل معها المعشرون، بما فيها التصريحات الجمركية والفواتير التجارية ومستندات النقل وشهادات المنشأ والوثائق المثبتة للقيمة الجمركية؛ إذ يرتبط حسن تدبيرها بإمكانية التحقق من صحة العمليات التجارية ومدى احترام الالتزامات القانونية والتنظيمية المفروضة على المتعاملين في التجارة الخارجية.
وامتد النقاش المهني بشأن دفتر التحملات إلى تنظيم الولوج المادي إلى المكاتب والمرافق الجمركية، من خلال ضبط استعمال الشارات المهنية الخاصة بالمستخدمين، وتحديد الإجراءات الواجب اتباعها عند انتهاء علاقة الشغل بين المعشر وأحد العاملين لديه، بما يضمن إلغاء صلاحيات الولوج الممنوحة للموظفين الذين لم يعودوا يزاولون مهامهم داخل المؤسسة، مع التمييز بين هذه الإجراءات وتلك المتعلقة بالولوج الإلكتروني إلى الأنظمة المعلوماتية الجمركية.
وشملت الجوانب التقنية المطروحة أيضا تدبير مفاتيح التشفير الإلكتروني للبيانات، المعروفة اختصارا بـ”PKI”، المستخدمة في تأمين المعاملات الرقمية، مع التركيز على ضرورة إلغاء صلاحيات استخدامها فور مغادرة الموظف المعني لمكتب التعشير، تفاديا لاستمرار استعمال وسائل الولوج إلى الأنظمة المعلوماتية الجمركية من طرف أشخاص لم تعد تربطهم علاقة مهنية بالمؤسسة المعتمدة.
وحظي هذا الجانب بأهمية كبرى بالنظر إلى توسع رقمنة المساطر الجمركية واعتماد التصريحات والمعاملات الإلكترونية، ما جعل تأمين وسائل التعريف والتوقيع الرقمي والتحكم في صلاحيات المستخدمين من المتطلبات الأساسية لحماية المعطيات وضمان إمكانية تحديد المسؤوليات عند تسجيل عمليات أو تعديلات داخل الأنظمة المعلوماتية.
وشملت المشاورات الجارية كذلك توحيد التسميات والبيانات المستخدمة في فوترة الخدمات المقدمة من طرف مكاتب التعشير، بهدف الحد من الاختلافات في توصيف العمليات والخدمات المفوترة، وتوفير مرجعية أكثر وضوحا في التعاملات بين المهنيين وزبائنهم، وكذا أثناء عمليات المراجعة التي تنجزها المصالح المختصة.
ومن شأن اعتماد قواعد موحدة في هذا المجال أن يساعد على تحسين قابلية تتبع الخدمات والعمليات المنجزة، وتيسير مطابقة الفواتير مع طبيعة التدخلات المهنية الفعلية، خصوصا في الحالات التي تتداخل فيها خدمات إعداد التصريحات الجمركية مع عمليات النقل والمناولة والتخزين والخدمات اللوجستية الأخرى.
واستحضرت هذه المقاربة تجربة تأطير مخازن وساحات الاستخلاص الجمركي، التي شهدت تطوير متطلبات مرتبطة بالأمن والمراقبة والتتبع، شملت تحديد مواقع كاميرات المراقبة والاحتفاظ بسجلات فتح وإغلاق البوابات، إلى جانب ضبط المخالفات التي قد تستوجب تعليق أو سحب تراخيص الاستغلال، مع إخضاع الإطار التنظيمي لتعديلات متتالية لمواكبة التطورات المسجلة في الميدان.
غير أن تطبيق مقتضيات مماثلة على المعشرين ما يزال مرتبطا بمضمون دفتر التحملات المنتظر؛ إذ لم ينص مشروع قانون المالية صراحة على إحداث عقوبات، خاصة أو حالات جديدة لسحب الاعتماد بسبب مخالفة الدفتر، ما يقتضي التمييز بين الالتزامات القانونية المقترحة حاليا والتدابير التنظيمية التي يمكن أن تحدد لاحقا، دون افتراض امتداد الجزاءات المطبقة على مستغلي المخازن والساحات الجمركية تلقائيا إلى مكاتب التعشير.
تأهيل المهنيين
فتح مشروع الإصلاح المرتقب نقاشا بشأن تطوير معايير التأهيل المهني داخل مكاتب التعشير، في ظل الدور الذي يضطلع به المعشرون في ضمان سلامة التصريحات الجمركية وصحة البيانات المتعلقة بالبضائع، واحترام المساطر القانونية المرتبطة بالاستيراد والتصدير، خصوصا مع تزايد الاعتماد على الوسائل الرقمية في معالجة الملفات التجارية.
وأشارت المعطيات المتعلقة بالتجارب الدولية إلى إمكانية الاستئناس بمؤشرات لقياس الأداء المهني، تشمل آجال معالجة الملفات ونسب تصحيح التصريحات الجمركية، بما يسمح بتقييم جودة الخدمات ومستوى الامتثال، غير أن إدراج هذه المؤشرات ضمن دفتر التحملات المغربي لم يحسم بعد، ويظل من بين الاحتمالات المطروحة في سياق تطوير شروط ممارسة المهنة.
وامتد النقاش إلى مدة الاحتفاظ الإلزامي بالأرشيف المهني، التي تشير معطيات مهنية متداولة إلى تحديدها في أربع سنوات بالنسبة إلى بعض الوثائق المرتبطة بالتعشير بالمغرب، مقابل خمس سنوات في الولايات المتحدة الأمريكية، مع احتمال مراجعة المدة المعتمدة وطنيا، بما يراعي متطلبات المراقبة اللاحقة للعمليات الجمركية، دون أن يتضمن مشروع قانون المالية مقتضى صريحا يقضي بتمديدها، مع الأخذ بعين الاعتبار اختلاف آجال الحفظ بحسب طبيعة الوثائق والنصوص القانونية المنظمة لها.
وتبرز ضمن التدابير المحتملة كذلك مسألة التكوين المستمر للمصرحين الجمركيين، باعتباره وسيلة لمواكبة التعديلات المتكررة التي تطال التعريفة الجمركية وقواعد المنشأ والتصنيف التعريفي وتحديد القيمة الجمركية، إلى جانب التطورات التقنية المرتبطة بمنظومات التصريح الإلكتروني وتبادل البيانات بين الإدارة والمتعاملين الاقتصاديين.
ومثلت هذه الجوانب أهمية بالنسبة إلى مكاتب التعشير التي تختلف من حيث حجم نشاطها وإمكاناتها البشرية والتقنية؛ إذ يمكن أن تترتب عن اعتماد متطلبات تنظيمية موحدة حاجيات إضافية مرتبطة بتحديث التجهيزات المعلوماتية وتأمين المعطيات وتكوين المستخدمين، ما طرح ضرورة مراعاة التناسب بين الالتزامات الجديدة وقدرات المؤسسات المهنية على الامتثال لها، خصوصا المكاتب الصغيرة والمتوسطة التي قد تواجه أعباء مالية وتنظيمية أكبر مقارنة بالمؤسسات ذات الإمكانات الواسعة.
وأفادت المعطيات المتاحة بشأن الاتصالات الأولية بين إدارة الجمارك والجمعية المهنية للمعشرين المعتمدين بالمغرب بأن إعداد دفتر التحملات سيتم بالتشاور مع ممثلي المهنة، بعدما خصص اجتماع أول لتقديم أهداف الإصلاح ونطاق تطبيقه، ومناقشة عدد من الجوانب العملية المرتبطة بالأرشفة والولوج إلى المكاتب الجمركية وتدبير مفاتيح التشفير والفوترة.
وأظهرت المعطيات ذاتها أن المشاورات يفترض مواصلتها خلال اجتماع ثان مخصص لدراسة المقتضيات التفصيلية للدفتر، بعد مصادقة البرلمان على قانون المالية، شريطة الإبقاء على الصياغة الحالية للمادة الثالثة، بما يجعل الحسم في الالتزامات النهائية رهينا بمخرجات المسار التشريعي والحوار بين الإدارة والمهنيين، خاصة بشأن المتطلبات التقنية والموارد البشرية وآليات مراقبة الامتثال.
ويرتقب أن يشكل دفتر التحملات مرجعية تنظيمية للعلاقة بين إدارة الجمارك والمعشرين المعتمدين، من خلال توضيح المتطلبات المهنية وتوحيد كيفية تطبيقها، بما قد يساهم في تقليص الخلافات المرتبطة بتفسير بعض الالتزامات أثناء عمليات الافتحاص والتفتيش، وتحسين شروط مراقبة العمليات الجمركية وتحديد المسؤوليات، دون إغفال ضرورة توفير شروط عملية تسمح للمهنيين بالتكيف مع التحولات التنظيمية المرتقبة.
ويبقى تاريخ نشر دفتر التحملات محطة حاسمة في تنزيل الإصلاح، باعتباره سيحدد انطلاق الأجل الانتقالي الممنوح للمعشرين المعتمدين قبل فاتح يناير 2027، فيما سيظل نجاح التعديلات مرتبطا بمدى التوفيق بين تشديد متطلبات الامتثال والرقابة الجمركية ومراعاة القدرات المالية والتقنية لمكاتب التعشير، خصوصا الصغيرة والمتوسطة، تفاديا لتحول الالتزامات الجديدة إلى أعباء إضافية قد تؤثر في تنافسيتها، في سياق رهان أوسع على تحسين جودة خدمات التعشير وتيسير المبادلات التجارية الخارجية.