خالد حرب*
في عهد حافظ الأسد، سُخّرت مادة الثقافة القومية، إلى حدّ بعيد، للحديث عن "منجزات الحركة التصحيحية" وقائدها. تولّى تدريسها أساتذة في المدارس والجامعات، بينهم حزبيون ومتفرغون للعمل البعثي، وتحولت، في بعض التجارب، إلى عبء على الطلاب، ومجال للاستغلال والابتزاز مقابل النجاح، بدلاً من أن تكون باباً للمعرفة وبناء الوعي.
ولم يقتصر الأمر على هذه المادة؛ فكتب التاريخ والاجتماعيات امتلأت أيضاً بتمجيد القائد وإنجازاته المفترضة. هكذا اختُزلت مواد يُفترض أن تنمّي التفكير والملكات الذهنية إلى حفظ ببغائي، غايته اجتياز الامتحان. لم يكن المطلوب طالباً يسأل ويناقش، بل طالباً يردّد الرواية الرسمية، ويعاملها كأنها الحقيقة الوحيدة المسموح بها.
من التلقين إلى فرض الوصاية
بعد سقوط النظام، كان المنتظر تحرير المدرسة من هذا الإرث، لا استبدال وصاية بأخرى. لكن التعديلات المثيرة للجدل تفتح الباب أمام خشية جدية من إخضاع التعليم لتوجهات دينية متعصبة. ولا أحصر المسؤولية بالوزير شخصياً؛ فالسؤال يشمل اللجان والأشخاص الذين يراجعون الكتب، والمعايير التي يعتمدونها، والجهة التي تحاسبهم.
كشفت المقارنات المنشورة بين طبعات الكتب تعديلات على صور النساء والتلميذات والمعلمات، شملت إضافة الحجاب وتغيير الرسوم. والمشكلة ليست في الحجاب، فهو جزء من تنوع المجتمع السوري، بل في فرضه نموذجاً بصرياً وحيداً، كأن غير المحجبات خارج صورة الوطن. لماذا لا تعكس الكتب المجتمع كما هو، بتعدده واختلافاته؟
إن تنوع السوريين حقيقة لا يمحوها قلم المحرر ولا برنامج تعديل الصور. والمدرسة التي تخفي هذا التنوع تعلّم الطفل، ضمناً، أن الانتماء مشروط بالتشابه، وأن المختلف يحتاج إلى حذف أو تصحيح. وهذه ليست تربية وطنية، بل بداية إقصاء يُزرع في الوعي منذ الصفوف الأولى.
والأسوأ تعديل صور منحوتات مصرية قديمة بإضافة ملابس لم تكن موجودة فيها. فالمنحوتة وثيقة فنية وتاريخية، وليست جسداً يحق لواضع المنهج أن يعيد تفصيله وفق ذائقته. إما أن تُعرض بأمانة ضمن سياقها الحضاري، وإما أن يُختار مثال آخر مناسب؛ أما تزوير شكلها فليس تهذيباً، بل تشويه للمعرفة.
التاريخ ليس ساحة لتصفية الحسابات
أما حذف صورة سلطان باشا الأطرش، قائد الثورة السورية الكبرى عام 1925، فيثير سؤالاً لا يجوز التهرب منه: بأي معيار تُختزل الذاكرة الوطنية أو تُستبعد رموزها؟ إن إخضاع هذه الشخصيات لفرز طائفي، إن كان ذلك منطلق التعديل، اعتداء على تاريخ السوريين جميعاً، وليس على جماعة بعينها.
وينطبق الأمر على إزالة صورة جمال عبد الناصر. يمكن نقد تجربته وسياساته وأخطائه، لكن النقد يحتاج إلى عرض وتحليل، لا إلى ممحاة. فالاعتراض السياسي على القومية العربية لا يبرر التصرف كأنها لم تؤثر في تاريخ المنطقة، أو كأن حضورها يُلغى بحذف صورة من كتاب.
وكذلك فإن تقديم شهداء السادس من أيار بوصفهم متآمرين، وفق ما نقلته تقارير عن المناهج، يستدعي مراجعة علمية علنية. لا يجوز اختزال قضيتهم في اتهام، ولا إعادة كتابة العلاقة مع السلطنة العثمانية بما يلائم حساسيات الحاضر. وإذا كان المقصود إرضاء تركيا، فذلك تسييس للتاريخ لا تصحيح له.
ومن أكثر المسائل استفزازاً استبدال تسمية الدولة الفاطمية بـ«العبيدية»، مقروناً بالطعن في نسب مؤسسها. فالخلاف حول النسب معروف في المصادر، لكن تحويل رواية مذهبية خلافية إلى حكم مدرسي قاطع يفتقر إلى الأمانة. وظيفة الكتاب شرح الخلاف وأدلته، لا توريث الطلاب خصومات قرون مضت.
وللفاطميين إسهام بارز في تاريخ مصر والمنطقة، يكفي التذكير معه بتأسيس القاهرة والجامع الأزهر ودار الحكمة. ولا يعني ذلك تبرئة دولتهم من الأخطاء أو احتكارهم صناعة الحضارة المصرية؛ إنما يعني أن تقييم الدول يكون بدرس تجربتها كاملة، لا بإدانتها مذهبياً وشطب منجزاتها.
تحديث علمي لا انتقاء كيدي
إن إزالة تمجيد الأسد ضرورة، لكنها ليست تفويضاً مفتوحاً لتشويه التاريخ. والمطلوب لجنة مستقلة من المؤرخين والتربويين المشهود لهم بالكفاية والنزاهة، تحت رقابة مجلس الشعب، تراجع التعديلات وتنشر مبرراتها ومراجعها، وتضع خطة تحديث حقيقية.
ويجب أن تشمل المراجعة طرائق التدريس أيضاً، فتستبدل التلقين بالمناقشة، وتعلّم الطالب مقارنة المصادر والتمييز بين الواقعة والرأي. أما تغيير أسماء الممدوحين والمذمومين مع إبقاء عقلية الطاعة، فلن يصنع تعليماً جديداً، بل سيعيد إنتاج المأزق القديم بثوب آخر.
هذا مطلب وطني جامع: مناهج تحترم السوريين جميعاً، وتبني عقولاً حرة، بدلاً من نقل المدرسة من عبادة الحاكم إلى التعصب والإقصاء باسم إصلاح التعليم.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر