القصر
العالم العربي

ترقية استثنائية تعزز نفوذ "جنرال مكافحة الفساد" في هرم السلطة الصينية

محرر العالم العربي 4 5 دقائق قراءة

حظي الجنرال الصيني تشانغ شنغمين، أحد أبرز المسؤولين عن مكافحة الفساد داخل الجيش، بترقية استثنائية إلى عضوية المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني، بعد نحو عشر سنوات قضاها في الإشراف على ملفات الانضباط العسكري، تخللتها إقالات واسعة طالت كبار قادة القوات المسلحة.

وجاء الإعلان عن ترقية الجنرال البالغ من العمر 68 سنة، الخميس 29 أكتوبر 2026، عقب اجتماع مهم للحزب الشيوعي في بكين، ليصبح عضوا في المكتب السياسي، الهيئة القيادية التي تضم نحو عشرين مسؤولا يتولون إدارة أبرز الملفات السياسية والاستراتيجية في البلاد.

وأثارت هذه الخطوة اهتمام المتابعين للشؤون الصينية، بالنظر إلى ندرة الترقيات التي تتم داخل المكتب السياسي خارج المؤتمرات الدورية للحزب، فضلا عن الدور الذي اضطلع به تشانغ شنغمين في تنفيذ حملة مكافحة الفساد داخل المؤسسة العسكرية خلال السنوات الأخيرة.

مسار عسكري بعيد عن الأضواء

ينحدر تشانغ شنغمين من إحدى المقاطعات الصينية المتواضعة، والتحق بالقوات المسلحة سنة 1978، عندما كان يبلغ 19 سنة، بالتزامن مع بداية التحولات التي شهدتها الصين بعد انتهاء الثورة الثقافية وانطلاق سياسة الانفتاح الاقتصادي.

وتلقى الجنرال تكوينا عسكريا في سلاح المدفعية، قبل أن يتدرج في المسؤوليات داخل المؤسسة العسكرية، وصولا إلى تقلد مناصب مرتبطة بمراقبة الانضباط ومكافحة الفساد، وهي مهام اكتسبت أهمية متزايدة مع توالي التحقيقات التي استهدفت مسؤولين عسكريين كبارا.

ومنذ سنة 2017 وحتى يوليوز 2026، تولى رئاسة لجنة فحص الانضباط التابعة للجنة العسكرية المركزية، الهيئة العليا التي تشرف على القوات المسلحة الصينية، والتي يرأسها الرئيس شي جين بينغ.

ويتولى تشانغ شنغمين كذلك منصب نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية، ما يجعله من الشخصيات البارزة في البنية القيادية للجيش الصيني، رغم محدودية ظهوره الإعلامي وندرة تصريحاته العلنية.

ويعرف الجنرال بتحفظه الشديد، إذ يظهر بانتظام في نشرات الأخبار التلفزيونية مرتديا زيه العسكري الأخضر الداكن، دون أن تتوافر له تصريحات علنية معروفة، بينما تبقى تفاصيل حياته الشخصية بعيدة عن التغطيات الإعلامية.

ولا تتضمن سيرته المهنية المعلنة أي إشارة إلى دراسات أو إقامات خارج الصين، كما لا تتوافر معلومات كثيرة عن اهتماماته الشخصية، وهو ما ينسجم مع الصورة المتحفظة التي يحرص على تقديمها في المناسبات الرسمية.

حملة تطال كبار قادة الجيش

ارتبط اسم تشانغ شنغمين بحملة مكافحة الفساد داخل القوات المسلحة الصينية، التي شهدت منذ سنة 2023 إبعاد عدد غير مسبوق من كبار المسؤولين العسكريين، في إطار إجراءات استهدفت ملفات الترقيات والتجهيزات العسكرية وتدبير الميزانيات.

وشملت الحملة وزير الدفاع السابق وي فنغه وخلفه المباشر لي شانغ فو، اللذين طالت إجراءات إبعادهما خلال سنتي 2023 و2024، وسط تحقيقات مرتبطة بممارسات فساد داخل المؤسسة العسكرية.

وامتدت هذه الإجراءات خلال سنة 2026 إلى الجنرال تشانغ يوشيا، الذي كان يشغل منصب النائب الأول لرئيس اللجنة العسكرية المركزية، ويعد من أبرز الشخصيات العسكرية في الصين، قبل إبعاده على خلفية اتهامات بالفساد.

وتكشف هذه الإقالات حجم التغييرات التي طرأت على قيادة القوات المسلحة الصينية، خصوصا أن عددا من المناصب العليا أصبح شاغرا بعد إبعاد مسؤولين كانوا يشغلون مواقع مؤثرة في منظومة القيادة العسكرية.

ويرى جيمس شار، المتخصص في الشؤون العسكرية الصينية بجامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة، أن حصيلة عمل تشانغ شنغمين تعكس حجم التحولات داخل الجيش، موضحا أن عددا محدودا فقط من الجنرالات ذوي الرتب العليا ما زالوا يمارسون مهامهم.

واعتبر الباحث، في تصريح لوكالة فرانس برس، أن قضاء الجنرال ما يقارب عقدا في قيادة جهود مكافحة الفساد يشير إلى تمتعه بثقة الرئيس شي جين بينغ، الذي جعل الانضباط العسكري ومواجهة الفساد من الملفات الرئيسية المرتبطة بتحديث القوات المسلحة.

وتكتسب هذه المهام أهمية خاصة في ظل ارتباطها بإجراءات الترقية وتدبير العقود العسكرية والميزانيات، وهي المجالات التي شهدت اختلالات تعتبرها القيادة الصينية من العوامل المؤثرة في كفاءة الجيش وقدرته على تنفيذ خطط التحديث.

ترقية استثنائية تعزز موقع الجنرال

تتميز ترقية تشانغ شنغمين بطابعها الاستثنائي من حيث التوقيت، إذ تجري التعيينات في المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني عادة خلال المؤتمرات الحزبية التي تنعقد كل خمس سنوات، بينما تظل الترقيات خلال الفترات الفاصلة بينها نادرة.

وبحسب المعطيات التي أوردتها وكالة فرانس برس، فإن آخر تعيين مماثل خلال ولاية قائمة يعود إلى سنة 1994، ما يمنح القرار الأخير أهمية خاصة في قراءة التغييرات التي تشهدها القيادة الحزبية والعسكرية الصينية.

ويربط عدد من المتخصصين هذه الترقية بمكانة تشانغ شنغمين داخل المؤسسة العسكرية، وبطبيعة المهام التي أسندت إليه خلال السنوات الماضية، خصوصا ما يتعلق بتنفيذ سياسات الانضباط ومكافحة الفساد.

ويعتبر ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية بجامعة لندن، أن أبرز ما يميز المسار المهني للجنرال هو ولاؤه السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي، وللرئيس شي جين بينغ، أكثر من خبرته العسكرية المهنية.

ويحافظ تشانغ شنغمين على حضور متحفظ خلال الأنشطة الرسمية التي يشارك فيها الرئيس الصيني، إذ ظهر خلال الحفل العسكري المنظم بمناسبة السنة الصينية الجديدة مطلع 2026 على مسافة خلف شي جين بينغ، بينما كان الأخير يصافح عددا من الضباط المتقاعدين.

ويلفت جيمس شار إلى أن الجنرال أصبح أكثر حرصا على الابتعاد عن الأضواء عقب إبعاد عدد من أعضاء اللجنة العسكرية المركزية، في سلوك يعكس أسلوبه المتحفظ في التعامل مع المناسبات الرسمية.

وتأتي عضويته الجديدة في المكتب السياسي بعد مسار طويل داخل المؤسسة العسكرية، انتقل خلاله من مهام المدفعية إلى الإشراف على واحد من أكثر الملفات حساسية داخل القوات المسلحة، قبل الوصول إلى دائرة القيادة السياسية العليا للحزب الشيوعي الصيني.

وتعزز هذه الترقية حضوره في المؤسسات القيادية للحزب والجيش، في مرحلة تواصل فيها بكين جهود مكافحة الفساد وإعادة تنظيم المسؤوليات العسكرية، مع التركيز على الانضباط والرقابة بوصفهما جزءا من عملية تحديث القوات المسلحة.

اقرأ النسخة الكاملة