القصر
العالم العربي

تخرجت من أكسفورد بمرتبة الشرف الأولى.. لماذا تعمل سباكة؟

محرر العالم العربي 4 4 دقائق قراءة

سنوات من الدراسة والتفوق، وشهادة من إحدى أعرق جامعات العالم، ومستقبل مهني بدا مفتوحا أمامها في مجالات مرموقة. كل ذلك كان يوحي بأن البريطانية إيزابيل شيز ستقضي حياتها خلف مكتب، لكن المرأة البالغة من العمر 39 عاما اختارت مسارا لم يتوقعه حتى زملاؤها الجدد في العمل.

فخريجة جامعة أكسفورد، الحاصلة على مرتبة الشرف الأولى، تعمل اليوم سباكة في جنوب شرقي لندن، وتتعامل مع الأنابيب وأدوات الصيانة والأعطال المنزلية، بعدما أمضت سنوات في مهنة تتطلب مهارات لغوية وأكاديمية متقدمة.

أخبار مقترحة

  • ملامح مشوهة وتورمات مخيفة.. إصابة مروعة تهز عالم الملاكمة (فيديو)
  • العرش البريطاني يمهد لاستعادة الطريق إلى بكين

والأغرب أن شيز ليست الوحيدة التي اتخذت هذا القرار، إذ سلكت خريجة أخرى من الجامعة نفسها طريقا مشابها، في ظاهرة تثير تساؤلات بشأن مستقبل الوظائف المكتبية، وما إذا كانت الشهادات الجامعية المرموقة لا تزال تضمن لأصحابها المسارات المهنية التي اعتاد المجتمع توقعها.

من الترجمة إلى السباكة

قصة إيزابيل شيز بدأت بعيدا عن عالم الصيانة المنزلية. فقد درست في كلية كوينز بجامعة أكسفورد وتخرجت بمرتبة الشرف الأولى في اللغة الإسبانية والدراسات الكلاسيكية، بعدما حققت درجات مرتفعة طوال مراحل تعليمها المدرسي.

مسيرتها الأكاديمية لم تتوقف عند ذلك، إذ حصلت على درجة الماجستير في علم الآثار، ثم عملت في إنتاج فيلم وثائقي قبل أن تنتقل إلى الترجمة، وهي المهنة التي بدت امتدادا طبيعيا لتخصصها الجامعي.

لكن شيئا بدأ يتغير نحو عام 2023. فقد لاحظت شيز، وهي أم لطفلين، تراجعا في حجم الأعمال التي تتلقاها، بالتزامن مع اتجاه عدد متزايد من عملائها إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لترجمة النصوص.

التكنولوجيا التي أصبحت قادرة على إنجاز مهام الترجمة في ثوان دفعتها إلى التفكير في مستقبل مهنتها والبحث عن عمل مختلف لا يعتمد بالدرجة نفسها على المهارات التي بدأت الآلات تؤدي بعضها.

وكان الحل الذي توصلت إليه بعيدا عن تخصصها الجامعي: تعلم السباكة.

وقادها القرار إلى الالتحاق بكلية للتعليم المهني، وتلقت التدريب اللازم لدخول المهنة. وبعد أسابيع قليلة من تأهلها، حصلت على وظيفة لدى شركة عائلية تدعى "آر جيه إل هيتينغ" في جنوب شرقي لندن.

سرعة حصولها على العمل عززت قناعتها بأنها ربما اختارت المجال الذي ستتوفر فيه فرص العمل مستقبلا، بحسب ما روته لصحيفة "التايمز " البريطانية.

ومع ذلك، لم تتوقف الأسئلة التي تواجهها بشأن قرارها. وتقول إن زملاءها السباكين يسألونها عن سبب وجودها في هذه المهنة، مستغربين أن تتخلى خريجة أكسفورد عن مسارها السابق لتعمل في إصلاح الأعطال المنزلية.

لكن نظرتها إلى السباكة تختلف عن الصورة النمطية المرتبطة بها. فقد اكتشفت أن المهنة تتطلب معرفة تقنية واسعة، وفهما للأدوات واللوائح، وقدرة على تشخيص المشكلات وإيجاد حلول لها.

وترفض شيز اعتبار عملها الجديد مجرد مهنة يدوية بسيطة، مؤكدة أنها تستخدم عقلها باستمرار، وأن زملاءها يمتلكون مهارات ومعارف تقنية كبيرة.

عطل كهربائي غيّر مسار خريجة أخرى

قصة مشابهة عاشتها آبي واتكينسون (25 عاما)، التي تفوقت دراسيا قبل تخرجها من جامعة أكسفورد في تخصص اللاهوت والدين، لكنها تعمل اليوم كهربائية بعدما تخلت عن مسيرتها في الكتابة.

واتكينسون بدأت حياتها المهنية بمراجعة النصوص في شركة بلندن، ثم انتقلت إلى لوس أنجلوس للعمل في الكتابة للآخرين، قبل أن تعود إلى بريطانيا عام 2025، وقد بدأت تشعر بالإرهاق من مهنتها.

التحول جاء ذات ليلة، عندما احتاجت إلى إصلاح عطل كهربائي بشكل عاجل، وحاولت العثور على امرأة تعمل في هذا المجال وسط لندن دون جدوى، فخطرت لها فكرة تعلم المهنة بنفسها.

وبالفعل، التحقت بدورة تدريبية وحصلت على دبلوم يؤهلها لتنفيذ أعمال كهربائية محدودة داخل المنازل، وتعمل حاليا لدى مؤسسة "كانال آند ريفر تراست"، وتطمح إلى التأهل في الهندسة الميكانيكية.

واتكينسون تؤكد أنها أكثر سعادة في عملها الجديد، الذي يمنحها تحديات عملية ودخلا جيدا، مشيرة إلى أن الكهربائيين العاملين لحسابهم الخاص يمكنهم تحقيق دخل يقارن برواتب موظفين في مناصب إدارية متوسطة.

ورغم تغيير مسارها، لا تندم واتكينسون على دراستها في أكسفورد، لكنها تدعو إلى تعريف الشباب بالخيارات المهنية العملية، بدلا من حصر طموحاتهم في الوظائف المكتبية التقليدية.

هل أصبحت المهن اليدوية أكثر أمانا؟

قصتا شيز وواتكينسون تعكسان تحولا في سوق العمل البريطاني، مع تزايد المخاوف من تأثير الذكاء الاصطناعي في الوظائف المكتبية، مقابل استمرار الحاجة إلى مهنيين لتنفيذ أعمال السباكة والكهرباء التي تتطلب تدخلا بشريا مباشرا.

وفي استطلاع أجرته شركة "دريبر تولز" في مارس/آذار 2026، وشمل ألفي شخص دون سن 28 عاما، اعتبر 53% أن العمل في حرفة قد يساعدهم على شراء منزل أسرع من المسار الجامعي، بينما فضل واحد من كل أربعة العمل اليدوي على الجلوس خلف مكتب.

وترى آنا موينيهان، مؤسسة منصة "تاسك هير"، المتخصصة في توفير حرفيات، أن النساء المتعلمات اللواتي يخترن هذه المجالات لا يتراجعن مهنيا، بل يتجهن إلى وظائف يصعب على الذكاء الاصطناعي أن يحل محل البشر فيها.

وتتساءل موينيهان، في حديثها لصحيفة "التايمز"، عن الوظائف التي ستظل بحاجة إلى الإنسان بعد عشر سنوات، مشيرة إلى أن أعطال التدفئة المنزلية لا يمكن إصلاحها بمجرد إعطاء أوامر للذكاء الاصطناعي.

وتؤكد أن المهن الحرفية توفر دخلا جيدا ومرونة في ساعات العمل، خصوصا للنساء اللواتي يسعين إلى التوفيق بين حياتهن المهنية والعائلية، وهو ما يعزز جاذبية هذه المجالات حتى بين خريجات الجامعات المرموقة.

اقرأ النسخة الكاملة