تحضيراً لـ COP31: الحرّ يلتهم الوظائف... كم يخسر الاقتصاد العربي بسبب ارتفاع الحرارة؟
21,700 وظيفة و2.6 مليار دولار سنوياً: رقمان لا يعبّران عن أزمة اقتصادية جديدة في لبنان، بل عن فاتورة متوقعة لارتفاع درجات الحرارة بحلول عام 2040. ففي بلد تكافح فيه الشركات للبقاء وتتناقص فيه فرص العمل، يتحوّل التغير المناخي إلى تهديد إضافي للإنتاجية والنمو، لا يقلّ خطورة عن الأزمات المالية.
قبل أيام من انعقاد مؤتمر المناخ "COP31" في أنطاليا التركية، أصدرت منظمة العمل الدولية دراسة جديدة، في 29 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تكشف أن الإجهاد الحراري لم يعد مجرد مشكلة صحية تصيب العمال، بل أصبح عاملاً اقتصادياً يخفض ساعات العمل والإنتاج، ويفرض خسائر متزايدة على الاقتصادات.
لماذا يهمّنا الأمر؟ لأن ارتفاع الحرارة يهدّد خصوصاً القطاعات التي تعتمد على العمل البشري المباشر، من الزراعة والبناء إلى النقل والسياحة. وفي الاقتصادات العربية، حيث يشكّل العمل غير المنظّم جزءاً أساسياً من سوق العمل، قد يتحمّل العمال الأكثر هشاشة القسط الأكبر من الخسائر.
لبنان... خسائر تُقاس بمليارات الدولارات
تقدّر منظمة العمل الدولية أن الإجهاد الحراري المرتبط بالتغير المناخي تسبب في لبنان في عام 2023 بخسارة إضافية تعادل نحو 10,100 وظيفة بدوام كامل، مقارنة بمتوسط الفترة المرجعية 1985–2014.
ولا يعني ذلك بالضرورة إلغاء هذا العدد من الوظائف فعلياً، بل ضياع ساعات عمل وإنتاجية تعادل هذا العدد من الوظائف.
اقتصادياً، بلغت الخسائر الإضافية المقدّرة نحو 326 مليون دولار في السنة نفسها، وفق أسعار 2015 الثابتة.
والأخطر أن السيناريو المتفائل، الذي يفترض انخفاض الانبعاثات العالمية، لا يلغي المشكلة. فبحلول 2040، قد تصل الخسارة إلى ما يعادل 21,700 وظيفة بدوام كامل، ونحو 2.6 مليار دولار من الناتج المحلي السنوي، مقارنة بمتوسط الفترة المرجعية.
أما في سيناريو الانبعاثات المرتفعة جداً، فقد تصل الخسائر الاقتصادية السنوية عام 2060 إلى نحو 12.9 مليار دولار، بحسب الدراسة.
التفصيل اللافت: من الوظائف المكافئة المفقودة في تقديرات 2023، استحوذ قطاع الخدمات على 62%، والبناء على 15%، والصناعة على 9%، والنقل والتجارة على 8%، والزراعة على 6%.
وهذه الأرقام تكشف أن الخطر لا يقتصر على الفلاحين وعمال البناء. فالاقتصاد الخدمي، الذي يعتمد عليه لبنان بصورة كبيرة، ليس محصّناً أمام الحرّ.
ساعات العمل تتحوّل إلى خسائر
تتجسّد المشكلة عندما ترتفع حرارة جسم العامل إلى مستوى يجعل الاستمرار في الجهد البدني خطراً على صحته.
يضطر العامل إلى إبطاء وتيرة العمل، أو أخذ فترات راحة أطول، أو التوقف بالكامل. وتتراكم هذه الدقائق والساعات الضائعة على مستوى الشركات والقطاعات، لتتحوّل إلى خسائر في الناتج المحلي.
وتشير الدراسة إلى أن 73% من الوظائف المكافئة المفقودة بسبب الإجهاد الحراري في لبنان عام 2023 تركزت خلال الصيف.
وتتوزّع التأثيرات جغرافياً بصورة غير متساوية. فخسائر الخدمات تتركّز خصوصاً في بيروت وجونية وجبيل، فيما تبرز هشاشة النشاط الزراعي في الشمال وأجزاء من البقاع، وتتأثر حركة النقل والتجارة في بيروت ومناطق الجنوب.
ويحذّر الباحث الرئيسي في دراسات منظمة العمل الدولية، أندرياس فلوريس، من أن تكييف أماكن العمل مع الحرارة مفيد لمختلف القطاعات، وليس للصناعات المكشوفة وحدها.
أما مارلين عطالله، نائبة المدير العام في وزارة العمل اللبنانية، فتعتبر أن حماية العمال من الإجهاد الحراري ينبغي ألّا تُعامل كعبء إضافي، بل كاستثمار في صحتهم وإنتاجيتهم وظروف عملهم.
الخليج يقدّم تجربة... لكن هل تكفي؟
ليست دول الخليج بعيدة عن هذه المعضلة. فالحرارة المرتفعة والرطوبة العالية تفرضان تحديات إضافية على ملايين العاملين في البناء والخدمات اللوجستية والصيانة.
وتطبّق الإمارات حظراً سنوياً للعمل تحت أشعة الشمس المباشرة بين الساعة 12:30 ظهراً والثالثة بعد الظهر، من 15 حزيران/يونيو إلى 15 أيلول/سبتمبر.
أما قطر، فتحظر العمل المكشوف من العاشرة صباحاً حتى الثالثة والنصف بعد الظهر، بين مطلع حزيران ومنتصف أيلول. لكن التطبيق يبقى تحدياً. فقد أعلنت وزارة العمل القطرية إغلاق 388 موقع عمل خلال موسم صيف 2026 بسبب مخالفة قواعد الحماية من الإجهاد الحراري.
وتكشف التجربة الخليجية أن حماية العمال تحتاج إلى تشريعات ورقابة فعلية، لكنها تطرح أيضاً سؤالاً أكبر: هل تكفي فترات حظر العمل الثابتة عندما تتغير درجات الحرارة والرطوبة خارج الأشهر والساعات المعتادة؟
ماذا يستطيع COP31 أن يفعل؟
تقدّر منظمة العمل الدولية أن نحو 2.4 مليار عامل حول العالم يتعرضون للحرارة المفرطة. وهذا يحوّل الإجهاد الحراري من قضية محلية إلى تحدٍّ عالمي لسوق العمل.
بالنسبة إلى الدول العربية، تبدأ الاستجابة بإدراج مخاطر الحرارة ضمن قوانين السلامة المهنية، وتطوير أنظمة إنذار مبكر، وإعادة تنظيم ساعات العمل، وتوفير المياه والتبريد والاستراحات، وتوسيع الحماية لتشمل العمال غير النظاميين.
أما مؤتمر أنطاليا، فيوفّر فرصة لطرح تمويل التكيّف مع الحرارة باعتباره استثماراً اقتصادياً، لا مجرد إنفاق اجتماعي.
خلاصة القول
قد تكون الوظائف العربية مهددة بموجة الذكاء الاصطناعي والتحولات الاقتصادية، لكنها تواجه تهديداً أقل ظهوراً وأكثر التصاقاً بالحياة اليومية: مناخ يجعل العمل نفسه أصعب وأعلى كلفة. والسؤال لم يعد كم ستبلغ درجات الحرارة، بل كم ساعة عمل سيخسرها الاقتصاد معها.