تتويجان للسينما الجزائرية في هولندا
سجلت السينما الجزائرية حضورا مميزا في الدورة السابعة للمهرجان المغاربي للسينما بهولندا، بعدما تمكنت من الظفر بجائزتين ضمن المسابقة الرسمية، تمثّلتا في جائزة أحسن إخراج التي عادت للفيلم الجزائري "خيط الروح" للمخرج الشاب يوسف محساس، وجائزة لجنة التحكيم التي توج بها فيلم "أصوات" (ASWAT – Healing) للمخرجة سيرين عشير، في حصيلة تعكس الحضور المتنامي للإنتاج السينمائي الجزائري في التظاهرات الدولية.
وأعلنت إدارة المهرجان، مع اختتام فعاليات طبعته السابعة، عن قائمة الأعمال الفائزة بمختلف جوائز المسابقة الرسمية، التي شهدت مشاركة تجارب سينمائية مغاربية متنوعة، عالجت جملة من القضايا الإنسانية والفنية، وقدمت رؤى إبداعية مختلفة، في تأكيد على ثراء المشهد السينمائي بالمنطقة.
وفي هذا السياق، نال فيلم "خيط الروح" جائزة أحسن إخراج، تقديرا للمعالجة السينمائية التي قدمها مخرجه يوسف محساس، ولقدرته على بناء حكاية ذات أبعاد إنسانية عميقة، ترتكز على الأمل والبساطة. وأبرزت لجنة التحكيم أن قوة هذا العمل تكمن في ابتعاده عن مشاهد العنف والاستعراض، وتركيزه على الفعل الإنساني باعتباره محور الحكاية وجوهرها، كما أشادت بالموهبة الإخراجية الواعدة لمحساس، ووصفت تجربته الأولى بالمثيرة للإعجاب.
من جهته، حقق فيلم "أصوات" للمخرجة سيرين عشير، تتويجا آخر للسينما الجزائرية، بعد حصوله على جائزة لجنة التحكيم في فئة الأفلام القصيرة، وذلك تثمينا لما تميز به من صدق وأصالة، ولمقاربته الإنسانية العميقة لموضوع حساس. ورغم تسجيل بعض الملاحظات والنقائص على العمل، فقد نوهت اللجنة بالموهبة الفنية لمخرجته، وبحساسيتها الإبداعية والتزامها الصادق بموضوع الفيلم، مشجعة إياها على مواصلة تجربتها السينمائية والعمل على تطويرها.
أما الجائزة الكبرى للمهرجان، فقد عادت إلى فيلم "النمل" للمخرج ياسين فنّان، الذي استوقف لجنة التحكيم بطرحه الرمزي للأنظمة التي تحاصر الأفراد، والأحلام التي تمنحهم القدرة على مواصلة الحياة، إلى جانب تناوله للعلاقات الإنسانية غير المرئية التي تتشابك من خلالها مصائر البشر.
وعلى مستوى الأداء التمثيلي، توجت الممثلة مارام نداي بجائزة أحسن ممثلة، عن دورها في فيلم "فيليسيتي"، حيث أثنت لجنة التحكيم على قدرتها في تجسيد أبعاد الشخصية وعمقها وقوتها الداخلية، من خلال أداء اتسم بالصدق والاقتناع.
وفي فئة أحسن ممثل، كان التتويج من نصيب الفنان الجزائري محمد عثمان عقاب، عن دوره في فيلم "بوبية" للمخرج ياسين بوعزيز، بمشاركته في دور "جمال"، وبوعلام بناني في دور "سي راشد"، ومينة لشطر في دور "ميميشة". ونوهت لجنة التحكيم بالمستوى المتميز للأداءات التمثيلية في الفيلم، الذي نجح في الجمع بين الكوميديا الشعبية والحكاية الإنسانية، كما اعتبرت عتمان العقاب محمد أحد أبرز الاكتشافات الفنية لهذا العمل.
وفي سياق متصل، خصت لجنة التحكيم المنتج التونسي مهدي الحسيني بجائزتها الخاصة، تقديراً لجهوده والتزامه بدعم انتشار السينما داخل القاعات، وتشجيع عرض الأعمال التي تتناول قضايا ثقافية واجتماعية، فضلاً عن مساهماته في ترقية الفن السينمائي بالدول العربية.
كما منح أعضاء لجنة التحكيم تنويهاً خاصاً لفيلم "نهاية أخرى"، مشيدين بقوة لغته السينمائية وعمق معالجته العاطفية، وبقدرة مخرجه على التحكم في السرد البصري وتوظيف الصورة والصمت والأصوات الطبيعية لنقل المشاعر الإنسانية المعقدة. وتوقفت اللجنة عند المعالجة الفنية والإنسانية التي قدمها الفيلم لموضوعات المسؤولية العائلية والحب والوحدة، فضلاً عن صعوبة اتخاذ القرارات المصيرية، معتبرة إياه عملاً مؤثراً وشاعريا، يتمتع بعمق إنساني لافت.
وتؤكد حصيلة هذه الدورة تعدد الرؤى والتجارب السينمائية المغاربية، كما تبرز أهمية المهرجان في التعريف بالإنتاجات السينمائية للمنطقة، وتوفير فضاء للتلاقي والتبادل بين المخرجين والمنتجين والممثلين والفنانين، بما يساهم في توسيع دائرة حضور السينما المغاربية على المستوى الدولي.
ويُذكر أن المهرجان المغاربي للسينما بهولندا تأسس بمبادرة من الأخوين الجزائريين المقيمين بهولندا، حكيم وكريم طرايدية، واستقطب في طبعته السابعة عددا من المنتجين وصناع الأفلام والمخرجين والممثلين، الذين قدموا أعمالهم أمام الجمهور وفتحوا نقاشات حولها.
ولم تقتصر أهداف التظاهرة على عرض الأفلام، بل سعت أيضا إلى إيجاد فرص للتواصل والاحتكاك وتبادل الخبرات بين صناع السينما من أصول إفريقية المقيمين بأوروبا، ومختلف المهنيين والفاعلين في الساحة السينمائية الهولندية. واختار المنظمون شعار "الاتحاد" عنوانا لهذه الدورة، سعيا إلى توسيع فرص التبادل وتعزيز ثقافة تقدير الاختلاف والتنوع.
كما تميزت هذه الطبعة بتنظيم عروض سينمائية مجانية عبر عدد من قاعات السينما في مختلف أنحاء هولندا، في خطوة ترمي إلى تقريب الأعمال المشاركة من الجمهور وتعريفه بالتقاليد السينمائية المغاربية والإفريقية، وما تزخر به من خصوصية فنية وتجارب إبداعية نابضة بالحياة.