تخوض الدول النامية بما فيها البلدان العربية رهانات اقتصادية ومالية بالغة الدقة، تحت وطأة التحولات العالمية وضغوط الموازنات العامة، غير أن طرق التعامل مع الثروة العقارية والأصول المملوكة للدولة؛ كشفت عن تمايز عميق في الرؤى والخيارات السياسية، ففي الوقت الذي اتجهت فيه حكوماتٌ إلى تسديد الالتزامات المالية العاجلة؛ عبر تحويل الملكية العقارية والمنشآت الإستراتيجية، إلى أوراق للتفويت (التخلي عن الملكية) والإيجار، اختارت الجزائر مسارا سياديا حاسما، أدرك مبكرا أن المساس بملكية الأرض والمؤسسات يمثل ثغرة ناعمة، تنفذ منها أشكال الهيمنة الأجنبية والارتهان الخارجي.
الأصول الوطنية ومبدأ السيادة
تمثل الأرض والمنشآت الإستراتيجية الوعاء المكاني والسيادي الذي تقوم عليه الدولة الوطنية، وليست مجرد سلع قابلة للبيع أو التداول التجاري العابر للحدود. وعندما تُطرح الأصول العامة ومقدرات الدول للتفويت في لحظات الاختناق المالي، فإن السيادة السياسية تتآكل تلقائيا بقدر ما يفقد القرار الوطني سيطرته على جغرافيته وأصوله الحيوية.
وينكشف هذا الترابط الوثيق بين العقار والسيادة بوضوح حين تُستخدم الاستثمارات الخارجية الموجَّهة، نحو قطاعات العقار والبنى التحتية وقطاع الموانئ باعتبارها بوابات الاقتصاد ومنافذ البشر، كأدوات اختراق ناعم، تُفرِّغ الدول من قدرتها على تقرير مصيرها الاقتصادي، وتجعل مفاصلها الحيوية رهينة لأجندات وقوى خارجية، لا تعترف بالسيادة الوطنية.
فخ الديون وشباك التبعية
يتجسد الوجه الخفي للسياسات المالية الدولية في الممارسات التي كشف عنها الأديب والاقتصادي الأمريكي جون بيركنز، في مؤلفه الشهير “اعترافات قاتل اقتصادي”؛ إذ تسلط هذه الأدبيات الضوء على شبكة معقدة من المؤسسات المالية العالمية وقوى الهيمنة، على رأسها صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، والتي تعتمد إستراتيجية منهجية لاستدراج الدول النامية، وتوريطها في قروض ضخمة تفوق قدرتها على السداد.
تبدأ هذه العملية بتقديم قروض مبرَّرة لمشاريع تنموية كبرى، غالبا ما تكون غير ذات جدوى حقيقية، لتجد الدولة نفسها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها، وهو ما يفتح الباب أمام الدائنين لفرض شروط قاسية تجبر الحكومات على التخلي عن أصولها الإستراتيجية، وخصخصة قطاعاتها الحيوية، ورهن موانئها وأراضيها ومواردها تحت غطاء “إعادة هيكلة الديون”، متحولةً بذلك إلى مستعمرات اقتصادية تدور في فلك القوى الكبرى من دون إطلاق رصاصة واحدة.
قراءة في التجربتين المغربية والمصرية
تتجسد الفوارقُ الجوهرية بين المدارس الاقتصادية السياسية في المنطقة من خلال أدوات التعامل مع الأصول الوطنية وتطبيقاتها بالأرقام، في ظل الضغوط المتواصلة لمؤسسات المال الدولية.
في النموذج المغربي، الذي اعتمد خيارا سمّاه “التمويلات المبتكرة” لرهن العقار، لجأت الحكومة إلى بيع مئات الأصول العقارية والمرافق الحيوية والإدارية، متضمنة تفويت (بيع) مقرات ومستشفيات جامعية ومدارس لصالح مؤسسات استثمارية، وتجاوزت الحصيلة الإجمالية لهذه العمليات نحو 147 مليار درهم (نحو 15 مليار دولار أمريكي) خلال الفترة الممتدة من سنة 2019 إلى 2025. وتُبرَم هذه الصفقات عبر بيعها، ثم استئجارها بعقود طويلة الأجل، تمتد لنحو 30 سنة، بفوائد تصل إلى 6%، ما يُحمِّل ميزانية الدولة أعباء كراء سنوية ضخمة تثقل كاهل الأجيال القادمة، وتخفي حجما أكبر للمديونية الفعلية.
أما في النموذج المصري، فقد دفع شح العملة الأجنبية وارتفاع خدمة الديون نحو التوسُّع في برامج الخصخصة، والتنازل عن حصص كبرى في شركات حيوية وموانئ وأراضٍ ساحلية إستراتيجية، لصالح رؤوس أموال خارجية أغلبها إماراتية، وتجاوزت استثماراتها التراكمية عشرات المليارات من الدولارات. وقد برزت في هذا السياق صفقات ضخمة لإنعاش الخزينة مؤقتا، كصفقة رأس الحكمة التي ناهزت 35 مليار دولار، بالتخلي عن أصول سيادية وإستراتيجية، والتمسك فقط بنسبة 35%، التي لا تُمكّن الطرف المصري من التصرف في الأصول والسيادة عليها.
تجربة جزائرية فذّة
بالمقابل، يقف النموذج الجزائري مستندا إلى عقيدة وطنية ومقاومة تاريخية، تجلت أشرس صورها خلال حقبة التسعينيات من القرن الماضي؛ إذ واجهت الدولة أزمة أمنية استثنائية واختناقا ماليا صعبا، تزامن مع انهيار حاد في أسعار النفط. ورغم الضغوط المالية التي تفرضها متطلبات الموازنة العامة، فقد كانت ضغوط المؤسسات الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي أشد في الدفع إلى تفويت الأصول الاستثمارية للنفط الجزائري في قلب الصحراء.
اختارت الجزائر مسار إعادة جدولة الديون والتكيف الاقتصادي وإصلاح المؤسسات، في ظل شروط التمويل الدولي وما رافقها من أعباء اجتماعية واقتصادية، من دون أن تنحني للتخلي عن ملكيتها لأصولها الإستراتيجية، وتحمّلت الجزائر كلفة الصمود حتى معاودة صعود أسعار النفط، وسددت في 2006 ديونها بكرامة تامة قبل آجالها المحددة.
وامتدادا لهذا الإرث السيادي، تتبنى الجزائر اليوم رفضا قاطعا لأي شكل من أشكال رهن العقار أو تفويت المنشآت الحيوية، مطلقةً مسارا صارما لتطهير المؤسسات والعقار الاقتصادي؛ بدءا من استرجاع الموانئ التي كانت تديرها شركة موانئ دبي العالمية، إلى استرجاع أكثر من ألف هكتار من مشروع “دنيا بارك” الذي كانت الإمارات ترغب في تحويله إلى استثمار سياحي، مفعِّلةً بدلا من ذلك نظام الامتياز الحصري للمستثمرين والمتعاملين الاقتصاديين المشروط بالإنتاجية الفعلية، دون التفريط في أصل الملكية، ومسجلة بذلك سابقة فريدة في تحصين السيادة الوطنية.
الاستثمارات الإماراتية والامتدادات الوظيفية
في خلفية هذه المشاهد المتباينة للخيارات العربية، يبرز الحضور المالي الإماراتي كعنصر تفسيري كاشف لآليات هذا التمدد الاستثماري؛ إذ تشير تقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) إلى ضخِّ استثمارات صادرة جاوزت 63 مليار دولار سنويا ورصيد استثماري تراكمي يتجاوز 400 مليار دولار في الخارج.
يرتكز هذا الحضور الإماراتي على السيطرة على العُقَد اللوجستية البحرية، ومنافذ التجارة بسلاسل الإمداد، وضخِّ تدفقات مالية ضخمة للاستحواذ على الأراضي السيادية والواجهات الساحلية والمقرات الحساسة، وتحويلها إلى مشاريع عقارية مضاربة، وهو ما يُلمَس في العديد من الدول من موريتانيا إلى لبنان، مرورا بالمغرب وتونس وتشاد والسودان ومصر وفلسطين.
ويتجاوز هذا التغلغل الاقتصادي دلالاته التجارية ليطرح أبعادا وظيفية أوسع ترتبط بطبيعة هذا المال وتوجهاته؛ فالتدفقات الضخمة لشراء الواجهات والأراضي تتقاطع مع استراتيجيات التطويق السياسي، لتشير تقارير إعلامية وميدانية متطابقة إلى شُبهات تورط وسطاء مرتبطين برأس مال إماراتي في عمليات شراء منازل وأراضٍ داخل الأراضي الفلسطينية من بعض المالكين الفلسطينيين وتحويلها لاحقا للاحتلال الإسرائيلي. وهنا تبرز فرضية الدور الوظيفي للإمارات كواجهة وظيفية ومحفظة مالية لإدارة وتدوير أموال قوى الهيمنة الكبرى وشبكات الصهيونية العالمية، لتنفيذ عمليات الهيمنة الناعمة، وشراء الأصول، وتخريب الاستقرار الداخلي للدول، وتصفية القضايا العادلة من دون تدخُّل مباشر.
صون الأصول وحماية مستقبل الأجيال
تثبت قراءة التجارب العربية المتزامنة أن الانجراف وراء تحصيل السيولة المالية السريعة عبر الخصخصة وتفويت الأصول يقود حتما إلى تآكل الاستقلالية الوطنية، وتأطير التبعية طويلة الأمد، إذ تتحول الدولة التي تبيع أراضيها أو تستأجر مقراتها إلى كيان مكشوف أمنيا واقتصاديا، مرهون لمصالح شبكات الهيمنة وأجنداتها الوظيفية.
وفي مقابل هذا السقوط المنهجي، يقف الخيار الجزائري كشهادة حية على أن حماية التراب والمؤسسات استثمار تاريخي غير قابل للتأجيل، منطلِقا من عقيدة سياسية وثورية راسخة تعتبر العقار والمؤسسات السيادية جزءا لا يتجزأ من التراب الوطني المسقي بدماء الشهداء والذي لا يخضع للمساومة، لتبقى الدولة الجزائرية حريصة على مواجهة التحديات التنموية بالحكامة، وتطهير الوعاء العقاري، والإصلاحات الهيكلية، صونا لكرامة الحاضر وحمايةً لحقوق الأجيال القادمة.
امتدادا لهذا الإرث السيادي، تتبنى الجزائر اليوم رفضا قاطعا لأي شكل من أشكال رهن العقار أو تفويت المنشآت الحيوية، مطلقةً مسارا صارما لتطهير المؤسسات والعقار الاقتصادي؛ بدءا من استرجاع الموانئ التي كانت تديرها شركة موانئ دبي العالمية، إلى استرجاع أكثر من ألف هكتار من مشروع “دنيا بارك” الذي كانت الإمارات ترغب في تحويله إلى استثمار سياحي، مفعِّلةً بدلا من ذلك نظام الامتياز الحصري للمستثمرين والمتعاملين الاقتصاديين المشروط بالإنتاجية الفعلية، دون التفريط في أصل الملكية، ومسجلة بذلك سابقة فريدة في تحصين السيادة الوطنية.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر